مقالات الرأي

التغيير والطغمة العسكرية

تدّخل العسكر في عالمنا العربي اليوم، لم يأت إلا بمزيد من التعقيد للمشكلات السياسية، المتصلة بالعلاقة بين المجتمع والسلطة، والعسكر ليس جزءاً من مظاهر السلطة وأدواتها فحسب، بل هو ذراعها الأهم، وهو الذي يمنحها قوة فرض سياساتها على المجتمعات التي تتحكم بها، وبخاصة في ظلّ عدم الالتزام بالدستور والقوانين الناظمة لإدارة الدولة، القوة التي تمكِّن السلطة من مصادرة مؤسسات الدولة، وتعطيل دورها ووظائفها، لم تساهم في إنتاج نُخبٍ وطنيةٍ حاكمة، تستند إلى قوة القانون، ولم تكن في يوم من الأيام -وفقاً لتجاربنا في المنطقة العربية- قوةً فاعلةً في الإستقرار، أو حلّ المشكلات الناجمة عن تمسك الأنظمة بسلطاتها، وتجاوز محددات القانون إلى المطلق والمؤبد، والأمثلة على قارعة الطريق في سوريا والعراق ومصر، وليبيا والجزائر، وأخيراً السودان.
بعد مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، منذ منتصف القرن الماضي، برز دورٌ مؤثرٌ للعسكر في مرحلة ما بعد الاحتلالات، ولعبت قوى الجيش، أدورًا رئيسية في تكوين السلطات الحاكمة، وكانت الثكنات هي من تقودها، بشكل مباشر أو خفيّ، وتتحكم في صناعة القرار الوطني، وتتدخل في إدارة مصالح الدولة وفي توجيه سياساتها الداخلية والخارجية، طوال ما يقارب من ثمانين عامًا، ما يزال الجيش يقوم بهذا الدور، في سوريا والعراق ومصر والجزائر بصورة خاصة، بما لها من مكانة ودور في العالم العربي، وعلاقاتها بالتأثيرات والمصالح والسياسات الإقليمية والدولية في المنطقة.
كان الانقلاب، أحد مظاهر الاستيلاء على السلطة، كأسلوبٍ تقليديٍ للعسكر، إلى أن انحسر بصورة ملحوظة منذ مطلع ثمنانيّات القرن الماضي، عبر تهديدٍ دوليٍ حدّ من الاعتراف بالسلطات الناتجة عن تغيير السلطة بالقوة، لكن ذلك، كان على الدوام، مرتبطاً بمصالح القوى الدولية الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، التي اتبعت سياسة احتواء الأنظمة الحاكمة، بصورة أو بأخرى في المنظقة العربية.
في المحصلة، لم تستطع الأنظمة العسكرية الحاكمة، الذهاب إلى تغييرٍ ديمقراطي، يتيح للمؤسسات المدنية، أداء دورها الطبيعي في إدارة شؤون الدول دستورياً، ولم تساهم أو تسمح في خلق بيئةٍ طبيعيةٍ ملائمة لتطور العمل السياسي والنهوض بالمجتمع المدني، بل على العكس من ذلك، أجهضت المشروعات السياسية النهضوية، وحدّت من الحراك السياسي، وسيطرت على المؤسسات العامة، بما فيها الجامعية والتعليمية والثقافية، التي يمكن لها أن تقود إلى إنتاج المعرفة، ويُحسب عليها أنها جميعها فرضت حالة الطوارئ، بهدف خنق المجتمع وإخضاعه، ولكن بحجة الحفاظ على الدولة وحمايتها من الأخطار الخارجية.
تحولت الأنظمة العسكرية الحاكمة، إلى طغمةٍ فاشيةٍ غاشمة، بدّدت أحلام المجتمعات في تعزيز الاستقلال، وفي بناء الدولة الوطنية، وفي تحقيق تنميةٍ مستدامة، وأجهضت كل مشروعات التنمية التي أنتجها المجتمع في ظلّها، ولم تتحقق تلك التطورات بمنّةٍ من الطغمة الحاكمة، ولكن بفعل المجتمع ونتاجه، ثم لم تلبث تلك الأنظمة أن أحرقت كل شئ، عندما واجهتها استحقاقات التغيير الحتمي، في المجتمعات التي تحكمها، وفي سورية وليبيا مثال حيّ.

كان التحول الى استبدادية الفرد، واحدةً من أشدّ التغييرات التي قادت إلى كوارث مهولة في العالم العربي، فمعها لم تعد هناك نُخبٌ تُسند إليها أدوارٌ اجتماعية أو سياسية، من شأنها رسم استراتيجيات الدولة، وإدارة المؤسسات التي تحولت إلى مرافق تتمظهر الدولة من خلالها، من دون دورٍ أو قيمة في ظل الحاكم الأوحد،
وقد لقيت الطبقة العسكرية الحاكمة، عبر الفرد القائد، دعماً كبيرًا، من القوى الدولية، ذات “الديمقراطيات المدرسية” الرائدة في مجتمعاتها، واعترفت بالديكتاتوريين الذين تمكّنوا من فرض الاستقرار في بلدانهم، عبر الترهيب والقهر وإخضاع المجتمع، الأمر الذي مكّن لهذه الأنظمة، أن تستمر لمدّة حكمٍ طويلة، من دون أن تهتز عروشها.

كان التفريط بالسيادة، شرطاً مفروضاً على الأنظمة الديكتاتورية، مقابل القبول بها، والإشاحة عن جرائمها، وتمرير ممارساتها وانتهاكاتها الصارخة للحقوق والحريات، وعدم إدانتها أو محاسبتها، وهكذا حظيت الأنظمة الأسدية والقذافية، بالتغاضي عن جرائمها البشعة، فيما كانت تستجيب لشروط الدول الكبرى في نطاق تحقيق المصالح البينية، على حساب حقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية والتنمية المستدامة، الأمر مماثلٌ أيضاً في العراق وإن كان بصورة مختلفة، وفي الجزائر ومصر، وفي لبنان البلد الصغير، الذي يلعب فيه العسكر دوراً محورياً، حتى وإن كان نابعاً من ارتباطه بالطغمة الأسدية.
وجّهت الأنظمة الديكتاتورية، القوات المسلحة، نحو وظيفة مغايرة تماماً لوظيفتها الأساسية، وهي حماية الطغمة العسكرية الحاكمة، من أي حركة تغييرٍ وطنيٍ في الداخل، بعد أن ضمنت عجز الجيش عن القيام بأي تغيير بالقوة، عبر إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، بما يؤمّن حماية (رأس) النظام الديكتاتوري، وهكذا وجدنا تحكّم العسكر بالمجتمعات الوطنية، مانعاً لأي مسارٍ سياسيٍ يقود إلى التغيير نحو الديمقراطية والمدنية، وعندما هبّت رياح الربيع العربي، واجهتها الأنظمة بالقوات المسلحة، وما تزال، كما حدث في ليبيا، ومثلما يحدث اليوم في سوريا، ولعبت المؤسسة العسكرية في مصر دوراً أساسياً في اختطاف ثورة يناير، ثم في القيام بثورة مضادة جاءت بالطغمة العسكرية مجدداً للاستيلاء على السلطة.
تأخر السودان ثماني سنوات، قبل أن يذهب الشارع إلى إحداث التغيير في سدّة الحكم، وعلى الرغم من نجاحه في الدفع نحو إسقاط البشير، لكن النظام العسكري، بقي متحكماً بالسلطة، وظل المجلس العسكري أميناً على الروح الفاشية التي يتحلى ويتسم بها، كأي طغمة عسكرية، تستولي على الحكم، وتخوض حروبها ضد الشعب، للحليولة دون التغيير، الذي يعني إبعادها عن التحكم بمصير الدولة والشعب ومستقبلهم، وهو ما قادهم إلى الكشف عن حقيقة موقفهم الرافض للتفاوض مع قوى المعارضة السودانية، بشأن تقاسم قيادة المرحلة الانتقالية في البلاد، التي قادت إلى مجزرة القيادة العامة، ثم إلى إلغاء عملية التفاوض برمتها، وما نتج عنها، والذهاب إلى استفتاءٍ عامٍّ بعد 9 أشهر بحسب رئيس المجلس العسكري.
هذه الجريمة البشعة، مؤشرٌ هامّ على تطلعات المجلس العسكري، كأي سلطة عسكرية، لعدم التنازل عن الحكم، أو القبول بمبدأ التشارك فيه، وأنها -أي السلطة العسكرية- لا يمكن أن تذهب إلى أي شكلٍ من أشكال الديمقراطية في رسم المستقبل، مثلها في ذلك مثل كلّ الطغم العسكرية الحاكمة -أو التي حكمت- في المنطقة (مستبدة، مستأثرة، فاسدة) ولا شئ يحول دون ارتكابها للانتهاكات الجسيمة، بما فيها المجازر بحق المدنيين.
المشكلة أن أحداً لا يريد أن يتذكر مصير القذافي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق