مقالات الرأي

خيار العسكر: العسكر أو الخراب!

هل كان من السذاجة الاعتقاد، أو حتى مجرد الظن، بأن العسكر في السودان وفي الجزائر، وهم يعلنون تأييدهم للثورة والاستجابة لمطالب الجماهير في السودان بإزاحة البشير واعتقاله، وإرغام بوتفليقة في الجزائر على الرجوع عن إرادته -أو إرادة من كان يحكم باسمه- عن العهدة الخامسة، سوف يقومون بالانتصار لثورة الجماهير في البلدين، ودعم مطالبها والسير إلى جانبها من أجل إعادة بناء الجمهورية وإقامة حكم مدني ديمقراطي في كلٍّ من البلديْن؟

منذ بدء الاحتجاجات يوم 19 كانون الأول 2018 في السودان التي نادت بإسقاط نظام عمر البشير وقيام حكم مدني ديمقراطي، ومنذ بدء الاحتجاجات المشابهة يوم 22 شباط/ فبراير في الجزائر ضد العهد الخامسة للرئيس بوتفليقة، يجري في كلِّ واحد من البلدين العربييْن حوار بين طرفين: العسكر والجماهير في الشارع حول “ما بعد تحقيق الهدف الأول”: إسقاط البشير هنا وإلغاء العهدة الخامسة هناك. في كلا البلدين، يملك الجيش القوة المادية التي تسمح له بالتحكم في مفاتيح السلطة جميعها، ويزعم شرعية اكتسبها بفضل تحقيقه لمطلب الجماهير الأول. وفي كلا البلدين، يمارس مع الجماهير المنتفضة التي تملأ شوارع العاصمة والمدن الكبرى ضربًا من حوار الطرشان. تطالب الجماهير السودانية بنظام جديد قوامه حكم مدني ديمقراطي تنحصر فيه وظيفة الجيش ضمن مهمته الوطنية الأساس: حماية البلاد وأمنها تحت قيادة سياسية مدنية شرعية. أما الجماهير الجزائرية فتطالب بجمهورية جديدة تضع حدًّا لحكم العسكر الذين استولوا على السلطة منذ انقلاب هواري بومدين مباشرة ثمَّ من وراء ستار، ولم يتخلوا عنها حتى اليوم.

قيادة كل من الجيشين، في السودان وفي الجزائر، تحاول الوصول إلى أهدافها، أي الاستمرار في الاستحواذ على السلطة، محاولة تلافي أمثال الخسائر التي أدى إليها تعنت السلطة في سورية بوجه خاص. تبدي دعمها للحراك ومطالبه، وتقول الطريقة التي تراها هي قمينة بتحقيق هذه المطالب. كلاهما رأى في رمضان حليفًا سيحمل المعتصمين هنا والمتظاهرين هناك، إن لم يكن على التوقف فعلى الأقل على تخفيف كثافة الاعتصام أو التظاهر. بلا جدوى. فقد كان رمضان حليفًا بالأحرى للجماهير في البلديْن وفرصة لتعزيز التضامن الشعبي على مختلف المستويات.

بعد أن أعلن المجلس العسكري في السودان عن فترة انتقالية تدوم سنتيْن، قَبِلَ الدخولَ في مفاوضات مع قادة الحراك الشعبي حول تكوين الهيئة الحاكمة خلال الفترة الانتقالية ومدتها. لكنه كان مصرًّا خلالها على أن تكون الكلمة الأولى له، سواء في عدد الممثلين العسكريين في المجلس بالنسبة إلى المدنيين، أو في رئاسة هذه الهيئة، مع قبول بقصْر المدة على سنتين. حجته في ذلك حرصه على ضمان أمن البلاد وشرعية تمسكه بالسيادة في الحكم بما أن الجيش هو من انقلب على البشير وأزاحه عن الرئاسة. وفي الوقت نفسه كان يرسل رسائل التهديد حول “العناصر التي يمكن أن تتواجد في صفوف المعتصمين والتي من شأنها أن تسيء إليهم وإلى مطالبهم”. وكان المتظاهرون أنفسهم قد ألقوا القبض على عدد من هذه العناصر عند دخولهم مكان الاعتصام وقاموا بتسليمهم إلى مراكز الجيش نفسه. كان طبيعيًا والحالة هذه أن يرفض المجلس العسكري متابعة المفاوضات، وأن ينتهي الأمر به إلى فض الاعتصام بالقوة لقاء أكثر من مئة قتيل وعدد كبير من الجرحى.

لا يُنكر الدعم الإقليمي والدولي الذي تلقته قيادة المجلس العسكري من أجل الاستمرار في ما ذهبت إليه. لكنه الدعم الذي سبق أن وجد وسيجد على الدوام لدى العسكر آذانًا صاغية لأنه يوافق هواها ومراميها. صحيح أن إزاحة عمر البشير عن الحكم جاءت تحت وطأة التظاهرات الشعبية التي قادها التجمع المهني، إلا أن حركة الجيش كانت انقلابًا عسكريًا محضًا يستهدف السيطرة على مواقع الحكم السيادية، شأن الانقلابات السابقة التي عرفها السودان خلال نيف ونصف قرن. ومن الواضح اليوم، بعد فض الاعتصام بالقوة، أن الجيش لن يتخلى عن الموقع الذي حدده لنفسه؛ وما حديث قائد الانقلاب عن انتخابات تجري بعد تسعة أشهر إلا لتثبيت حكمه ما دامت هذه الأخيرة يمكن أن تحمل إلى سدة الحكم، كما حملت من قبل، عسكريًا آخر.

أما في الجزائر فقيادة الجيش ممثلة برئيس أركانه ونائب وزير الدفاع تتمسك بمؤسسات النظام الذي خرجت الجماهير الجزائرية تنادي بإسقاطها من أجل بناء جمهورية جديدة. لكن هذه المؤسسات هي تلك التي أشرفت قيادات الجيش المتوالية على إنشائها ورعايتها كي تكفل له اليد الطولى في تسيير أمور البلاد على الصعد كافة. وإلا فما الذي يبرر غير ذلك ظهور رئيس الأركان مخاطبًا وحيدًا للجماهير الثائرة، قادرًا على فرض الوجهة التي يراها لحل ما يسميه “الأزمة” والقائمة على تطبيق مادة من الدستور تتفق ورؤيته دون سواها من المواد التي يمكن أن تفتح مجالًا للاستجابة إلى المطالب الشعبية التي لا يكف مع ذلك عن إعلان تأييده لها؟

استطاع الحراك الشعبي فرض إلغاء العهدة الخامسة، ونجح أيضًا في الحمل على تأجيل موعد الانتخابات التي كانت قد تقررت في الرابع من تموز المقبل حسب المهلة الدستورية. ولا يزال الخلاف قائمًا بين قائد أركان الجيش وبين قادة الحراك الشعبي حول طبيعة المرحلة الانتقالية. لدى الجيش مواد الدستور التي تتيح له التحكم في وجهة ومسار المرحلة الانتقالية، ولذلك لا يريد الخروج عليها. وهو ما يجعل الاستجابة إلى مطالب الحراك الشعبي في عزل رموز النظام مستحيلة، ولا سيما أيضًا أن الرئيس المؤقت -الدستوري- هو أحدهم.

من الأرجح ألا تلجأ القيادة العسكرية الجزائرية إلى العنف من أجل فرض المسار الذي تراه. فسنوات الجمر التي عاشتها الجزائر تلجمها، ولا تتطلع إلى أن تكون سببًا في تكرارها. لكنها في الوقت نفسه لا تبدي أي استعداد للتنازل عما تراه مخرجًا من الأزمة والمتمثل بالشرعية الدستورية التي تتمسك بتطبيقها حرفيًا.

لا بد لتأجيل الانتخابات الرئاسية أن يسمح بالوصول إلى حلٍّ يمكن أن يستجيب لمطالب الحراك الشعبي دون المساس بسلطة الجيش ودوره المركزي في الحكم الذي اكتسبه بعد ثلاث سنوات من استقلال الجزائر نتيجة الانقلاب العسكري الذي قاده يومئذ هواري بومدين وزير الدفاع في الحكومة التي انقلب عليها.

لا شك أن الحراكين الشعبيين، في السودان وفي الجزائر، قد طرحا مجدّدًا وبصورة جذرية وسلمية ضرورة وضع حدٍّ لنظام الحكم العسكري والاستبدادي بكل ما ينطوي عليه من فساد وإفساد بعد أن جعل من السودان أفقر بلد في العالم العربي في الوقت الذي كان يمكن أن يكون أكثرها غنى بما يملكه من ثروات طبيعية، وحمل شباب الجزائر على الهجرة بحثًا عن مستقبل لم يكن بلدهم القادر والغني يتيحه لهم تحقيقه فيه. ولا شك أيضًا أن علاقات القوة بين الطرفين، الجيش والحراك الشعبي، شديدة التفاوت نظرًا لقوة الجيش الضاربة. فهل سيتمكن الأخير من فرض رؤيته على العسكر الذين يبدو أنهم لا يرون مخرجًا من دونهم سوى السير نحو الخراب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق