سلايدرقضايا المجتمع

نحو اندماج باتجاهين

تحتل مشكلة اندماج اللاجئين، في البلد المضيف وفي ثقافته، مرتبة متقدمة في مشكلات اللجوء العديدة. ولا تتعلق المشكلة بقدرة اللاجئين على الاندماج، بقدر ما تتعلق أساسًا بمسألتين اثنتين: أولاهما الوعي العالمي الراهن عن الاندماج باتجاهٍ واحد بوصفه تماهيًا مع ثقافة البلد المضيف، وانسلاخًا عن الثقافة الأصلية. والثانية هي القوانين المُعتَمدة والمُطبقة لتحقيق الاندماج وقبول اللجوء أساسًا، وهي تعتمد على اندماج اللاجئ فحسب، من دون أن تندمج هي بدورها فيه.

وتكمن روح مشكلة الاندماج، في الإصرار على الاندماج باتجاهٍ واحد ومن جهة واحدة؛ أي اندماج اللاجئ في البلد المضيف أو تماهيه مع ثقافة البلد المضيف، من دون أن يسعى البلد المضيف أو قومه إلى الاندماج في اللاجئ من جهتهم. ولذلك أعتقد أن الاندماج باتجاهين هو المطلوب، حيث ستسعى الدول المضيفة، في الاندماج باتجاهين، إلى الاندماج في اللاجئ، كما يسعى اللاجئ من جهته إلى الاندماج في البلد المضيف.

إن الاندماج باتجاه واحد، كما عالجه الطيب صالح في روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) يعني انسلاخ اللاجئ عن وطنه وأمته ونسيان الولاء إليهما! إنه يذوب حق المولد، وحق وطن المولد، وحق حب وطن المولد! ويذوب أيضًا حق اللاجئ في الانتماء إلى أمة وحقه في حب أمته. بينما، الاندماج باتجاهين على العكس من ذلك، لأنه يوازن بين الولاءات المختلفة التي يخضع لها اللاجئ كالولاء لوطنه أو لأمته وبين ولائه لدستور البلد المضيف ومصالحه العليا وقوانينه.

فعليًا، لقد استقر، في العرف السائد وفي القوانين المطبقة، اندماجٌ في اتجاهٍ واحدٍ، حيث يضطر اللاجئ فيه إلى أن يندمج في البلد الذي لجأ إليه، من دون أنْ يندمج البلد نفسه في هذا اللاجئ. وتنوس مشكلة الاندماج السائد بين نزعتين اثنتين: الأولى هي الليبرالية القومية التي تقول باندماج باتجاه واحد، والأخرى هي الليبرالية الشعبوية التي تقول إنه لا اندماج ويجب طرد اللاجئ. فالليبرالية القومية تعتمد مفهومًا ضيقًا عن الثقافة القومية يقوم على مبدأ الانتماء والولاء لهذه الثقافة. وعلى الرغم من أنف الليبرالية القومية التي تقول باندماج باتجاه واحد، هناك الليبرالية الشعبوية التي تقول بطرد اللاجئ وترفض حتى الاندماج باتجاه واحد الذي نتعرض له بالنقد.

ولذلك تتعمق مشكلة اللاجئين مع الناخب الشعبوي والحكومة الشعبوية في البلد المضيف، وتنمو العنصرية بألوان مختلفة. فالليبرالية الشعبوية هي تيار يُعلي من قيمة الهوية الجمعية على حساب الهوية الفردية، إذ تعلي من شأن المجتمع القومي على حساب المجتمع متعدد الثقافات، وتعتقد بوحدة ثقافية نقية وترفض تأثير الثقافات الخارجية؛ أي أنها ترفض التثاقف أو تلاقح الثقافات، كما أنها تؤكد على تفوق ثقافتها وريادتها إزاء الثقافات الأخرى.

والحق يقال، إن النزعتين قاصرتان؛ لأنهما يهملان قضايا كثيرة، تطال اللاجئ كما تطال المضيف، مثل:

  • القيم العالمية والتضامن الإنساني.
  • حب اللاجئ لبلده الأم من جهة، وحبه لأمته من جهة ثانية، واضطراره إلى اللجوء من أجل أمنه من جهة ثالثة.
  • الاحتفاء بمجتمع متعدد الثقافات وإمكانية التثاقف.

ولكي يكون الاندماج مثمرًا، ولكي ينسجم الاندماج مع القيم العالمية والتضامن الإنساني، ومع حب اللاجئ لبلده وأمته، ومع واقع المجتمع متعدد الثقافات وواقع التثاقف، فإني أدعو إلى أن يكون الاندماج باتجاهين لا باتجاه واحد كما هو سائد الآن؛ أي اندماج من اللاجئ تجاه البلد المضيف ومن البلد المضيف تجاه اللاجئ.

فإذا صار الاندماج باتجاهين، فإنه يفتح الطريق أمام التثاقف وأمام تعايش ثقافات مختلفة في مجتمع واحد. وعند ذلك تعلو القيم العالمية على القيم المحلية والقومية، وتنفتح إمكانية جذب القيم العالمية للقيم المحلية والقومية، وبهذا تتجاوز الليبرالية القومية تعاليها وأحاديتها، كما تتجاوز الليبرالية الشعبوية انغلاقها وعنصريتها. وينمو باطراد التضامن الإنساني بين المضيفين وبين اللاجئين، وتضعف بهذا حالة الخوف من الإسلام (الإسلامفوبيا) والعنصرية تجاه الإسلام، وتضعف أيضًا حالة كره الأجنبي والتعالي عليه، التي نراها عند اللاجئين، وتضعف أيضًا إمكانية العداوة المترتبة عن انسلاخ اللاجئ عن وطنه الأم وعن أمته، بما يحملانه من مشاعر وولاء للوطن والثقافة واللغة والدين.

وتتيح العولمة والثورة الصناعية الرابعة، بما وفرته من إمكانية اتصال وتواصل وذكاء صناعي ومعطيات كبيرة ومواقع تواصل اجتماعي، اندماجًا باتجاهين، وإمكانيةَ تعميم مجتمع متعدد الثقافات، كما تتيح التثاقف والتضامن الإنساني والالتزام بالقيم العالمية. وبهذا يغدو الجميع رابحًا.

لقد أكد الفيلسوف الألماني بورغن هابرماس مرةً، أن الانفتاح على اللاجئين وثقافتهم، يشجع الشعوب الأوروبية على الانفتاح على بعضها أيضًا، ويساعدها في إنتاج ثقافة أوروبية متعددة ومنفتحة. فكيف يكون من الممكن أن ينفتح الألمان على الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي، من دون أن ينفتحوا على لاجئيهم الذين ينتمون إلى أصول إثنية ودينية ولغوية مختلفة؟ “إن الاندماج ليس طريقًا باتجاه واحد، وإذا ما نجح، فإنه سيتسبب في رجة حيوية للثقافات الوطنية القوية، لتصبح أكثر انفتاحًا وأكثر حساسية، وأكثر قدرة على الاستيعاب نحو الداخل والخارج في الآن نفسه”.

إذًا، يملك الاندماج باتجاهين فرصة كبيرة ليتنامى، سواء تعلق الأمر باندماج اللاجئين في مجتمعهم الجديد، أو باندماج مجتمع البلد المضيف في اللاجئين وانفتاحه عليهم.

إن الاندماج باتجاهين يرفض فرض ثقافة الأغلبية المجتمعية على اللاجئين، كما يرفض انسلاخ اللاجئين عن ثقافتهم، ويرفض خصوصية ثقافة اللاجئين المزعومة، ويرفض العيش فيها في البلد المضيف خارج القانون. وبدلًا من ذلك، يدعو إلى التثاقف والاتفاق على مبادئ وقوانين عامة للعيش المشترك داخل الدولة الواحدة، بوصفها دولةً متعددة الثقافات ولا يتوجب القفز فوقها باسم تفوق الثقافة أو الدين أو اللغة المشتركين سواء تلك الخاصة بالبلد المضيف أو تلك الخاصة باللاجئين. ويكون على الجميع أن يعيشوا معًا برسم القانون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق