أدب وفنون

القمح والغربان وسنابل بيراوي التي احترقت

سورية هي أول من زرع حقل حنطةٍ في التاريخ، وهو أعظم وأهم إنجاز بشري على مرّ العصور، حمى الإنسانَ من غوائل المجاعات، حيث بدأت الزراعة في ستمرخو بريف اللاذقية وحوض دمشق، وأوغاريت وحالولا ومملكة قطنا، وتل البيدر وتل المريبط بالفرات الأوسط.. فقد ظهر القمح والشعير في الألفية العاشرة قبل الميلاد، وكان بعليّا فحوّله الإنسان السوري إلى حقولٍ ذهبية، إلى أن اكتشف القمح القاسي في القرن السادس الميلادي، فطوّر السوري أدواته الإنتاجية، كما في نقوش ومسماريات أوغاريت، ونقلت الشام الحضارة والإنسان ذاته من مرحلة الصيد لمرحلةٍ أكثر تطورًا، ألا وهي الزراعة، وقد اكتُشفت مناجل وفؤوسٌ حجرية مع بقايا الحنطة، وظهر تمثال الربة الحامية في أوغاريت، وهي تحمل في يديها حزمتي قمحٍ كرمزٍ للخصب والخير.

هذا الخير المديد، قامت عصابات الأسد بحرقه مؤخرًا في حماة، فضلًا عن غربانٍ ظهرت في الرقة، وقامت بإحراق عشرات ألوف الدونمات من ريفها، وامتدّ الإحراق المتعمد لحقول القمح إلى السويداء.

وكأن غربان الفنان التشكيلي فنسنت فان غوغ، قد ظهرت مجددًا، وبالمقابل رسمت الفنانة التشكيلية السورية سميرة بيراوي لوحة السنابل تحترق.

حقول القمح والغربان لفان غوغ:

تعد لوحة حقول القمح والغربان لفان غوغ، اللوحة الأخيرة التي رسمها الفنان الشهير، الفرنسي الهوى، الهولندي الأصل، وهو المعجب بالسماء الفرنسية، ولا سيّما مستوى الضياء المذهل للجنوب الفرنسي المتوسطي، بعيدًا عن السماء الهولندية والروح الهولندية في قلب فان غوغ، تلك السماء المتقلبة، التي نادرًا ما ترى ضياء الشمس المطلق، وكأن فان غوغ هو تلك السماء الهولندية المتطلعة إلى السماء والضياء الفرنسي.

أشهر من جسّد تلك اللوحة سينمائيًا هو شكسبير السينما اليابانية، أكيرا كوراساوا، في فيلمه الشهير “الأحلام”، الذي أظهر الغربان التي تزداد كلما اتجهت نحو السماء المظلمة، وتتناثر كلما اقتربت من حقول القمح الذهبية، ولا يمكن لمشاهد اللوحة أن يحدد زمن رسمها، إن كانت ليلًا أم نهارًا، فالسماء تظهر بألوانٍ أقرب إلى الداكنة التي تعكس روح الفنان الكئيبة، لكن سنابل القمح تشعّ كالذهب، لتمر بها طرقات متعرجة كالحياة ذاتها.. هذه الغربان السوداء التي ملأت أفق اللوحة مع السماء، وكأنها الموت الحتمي، والبؤس البشري، ودلالة قتل البشر للبشر، والدفن ومراسمه الحزينة، ولكنها تحلق فوق رمز الأمل والحياة واستمرارية البشر والخصب والضياء، أي حقول القمح.

تكونت لوحة غوغ الشهيرة من أربعة عناصر رئيسية، هي موضوع اللوحة، (الطرق والقمح والغربان والسماء)، وكأنه يخلق انطباعًا عن أعماقه، إما عن طريق الغرق بالأفق المعذب، أو عن طريق التحرك نحو حواف اللوحة، كما لو أنه يرغب بإطالة أمد ذلك العذاب، ويبدو أن الضوء مفقود في اللوحة، فلا تعكس الحقول النور، ولا تعيد الضياء الحقيقي، وكانت هذه اللوحة المثال الحي على مشاعر الارتباك التي طغت على روح الفنان وشغلت عقله وتفكيره، وهذا الإضطراب الذي يعيشه، والمعاناة النفسية، وهو في أوج اليأس، عبر حقل قمحه الضخم والمهجور، الذي تقاطعه رحلة غربانٍ تسيطر على مساحة من اللوحة، وقادرة على التعبير عن استيائه بوضوح.

السنابل تحترق لسميرة بيراوي

يقول الموسيقي السوري المبدع في فرنسا خالد جرماني في صفحته، حزنًا على سنابل الرقة التي احترقت، والتي غنى لها قهرًا ورثاءً في آخر حفلاته، وهو، عادةً، يكتفي بصوت عوده الحزين حزن سورية: “في الحروب كانوا على خط النار، قبل الحروب وبعدها على خط الفقر، في سنين الخير محاصيلهم بأرخص الأثمان، اشتراها من اشترى بثمنها سيارات سوداء قلبًا وقالبًا، لو دهس من فيها أحد أبنائهم أو خطف إحدى بناتهم فمصير المعترض منهم وراء الشمس. في سنين القحط كانوا على خط استجداء الرغيف في أحزمة البؤس في المدن (الكبرى). استباح الغزاة مالهم وعيالهم، ومن جاؤوا بالغزاة كانوا ينامون في قصورهم على أنعم الفراش، عندما خرج الغزاة كان عليهم أن يقلعوا شوكهم بأيديهم، واليوم تلتهم نارٌ لئيمةٌ زرعهم، آخر ما بقي لهم بعد خراب الدار والجار، بعد كل هذا لا أخاف منهم، لا أخاف عليهم، إني أخاف علينا، فحمل الظلم أخطر من حمل السفاح بما لا يقاس”. ورسمت الفنانة التشكيلية المبدعة سميرة بيراوي، لوحتها التي تعيش تأبين حقول القمح في الرقة بعنوان “السنابل تحترق”، وقد أخذتها عن لقطة المصور المبدع أحمد إبراهيم العبدي، فيما عزف على روح تلك اللوحة الحزينة عازف العود أسعد شلاش بعنوان “وإذا الحنطة سئلت بأي ذنب حُرقت” حيث يقف الفلاح السوري، وهو يلوح بيديه حاملًا قطعة قماشه اليتيمة، وكأنه الساموراي الأخير في وجه تسونامي، يقف وحيدًا وهو الذي يواجه مدّ النار الذي ملأ السماء، وقد ابتلع هذا الشر، ألا وهو النار ودخانه الأسود المتصاعد، ملتهمًا براءة القمح وروح سنابله الشامخة، هذا الغازي الجديد للأرض السورية المعذبة، بالإضافة إلى نظام الأسد والروس والإيرانيين، والغرباء الذين دمروا البلاد، وقتلوا أطفالها ونسائها وشيوخها وشبابها، وهجروا شعبها، واليوم حرقوا محاصيلها ودمروا صناعاتها، لتشبع الغربان والجراد، كما أنشد السياب بقصيدته الشهيرة.

وقد رسمت سميرة بيراوي، ابنة إدلب، وزوجة الفنان التشكيلي والمترجم الشهير والراحل عبد القادر عبد اللي، لوحةً صورت الطفل السوري الشهير عمران ملكًا على عرشه بسيارة إسعاف، وهو مصاب في يوم الطفولة العالمي، ولها الكثير من اللوحات الشهيرة حول الثورة السورية، معبرة عن روح تلك الثورة الإنسانية العظيمة التي تنشد الحرية، على الرغم من حرق سنابلها وحقول قمحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق