هموم ثقافية

حين لا يرجع الغريب إلى الديار!

ظل طوال عمره يبحث عن الهوية والقضية في ثنايا قصيدته المفعمة بالأسئلة الوجودية، هى الهوية الأجمل لشعبه الذي احترف الحياة بقدر برغم صعوبتها، هو ليس بالشاعر العابر في الكلمات العابرة، بل هو الخالد في أشعار خالدة، إنه محمود درويش الذي يقف، بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، كأيقونة ثقافية وأداة يعرفون بها أنفسهم، لأن كل واحد منهم يستطيع أن يجد شيئًا مشتركًا بينه وبين محمود درويش. فالرجل الذي ولد في قرية البروة في العام 1941، عاش ما عاشه أبناء شعبه من تهجير وتدمير لمأواه الأول، قرية البروة الجليلية، وعاش الهجاج والتهجير كما عاشه أبناء الشعب الفلسطيني، حين غادر وعائلته قسرًا إلى جنوب لبنان. لجوء لم يستمر طويلًا حين قررت العائلة العودة خلسة إلى قرية دير الأسد، القرية التي تعلم في مدارسها، ثم تعرضه للاعتقال خمس مرات بين سنوات 1964 و1969، والتضييق عليها حتى غادر فلسطين مضطرًا في رحلة حملته من موسكو إلى القاهرة، ثم إلى بيروت التي عشقها وكتب لها الكثير، حتى عودته مظفرًا للمرة الأولى بعد خروجه الثاني في العام 1996، في الوقت الذي كان يسعى فيه الفلسطينيون للاعتراف بهم كشعب وكقضية، كان محمود درويش يعطينا هذا الاعتراف عبر ترجمة أشعاره وكتاباته إلى لغات وصل عددها إلى أكثر من اثنين وعشرين لغة، وأيضًا، الجوائز العالمية التي حصل عليها كانت بمثابة اعتراف آخر بنبل وعدالة القيم التي دافع عنها وتبناها، حتى الغضب العارم الذي اجتاح صدور الفلسطينيين بعد الخروج من بيروت وضياع حلم العائدين وأماني المنتظرين أمام أعينهم، استطاع درويش التقاطه والتعبير عنه في (مديح الظل العالي) التي جاءت تعبيرًا عن صوت جموع الغاضبين والباحثين عن أمل.

لقد كان درويش يعيش خذلان فلسطين، وحرمانها، وقهرها، وحسرتها، كأنه هنا، كأنه ما زال يسمع صوت مسيرات العودة، يسمع أصوات المعتقلين القادمة من أقبية التحقيق في سجون الاحتلال، ويسمع صوت ضربات السياط على ظهورهم، إن كان ياسر عرفات هو الفصل الأطول في تاريخ الشعب الفلسطيني، كما وصفه درويش في رثائه له، فإنه هو نفسه الفصل الأجمل في تاريخ القضية أدبيًا وإنسانيًا، ففي الوقت الذي كان يشهد ضياع فلسطين وتهويدها كسرطان صنعه الغرب، بعد انتصاره في الحروب العالمية وغرسه بعناية في جسد الأمة، كان ثمة شعراء قد ابتكروا الوطن البديل عن الواقع بشغفهم ومخيلتهم، من بينهم محمود درويش، فقد اندلع شعره ورفاقه سميح القاسم ومعين بسيسو وتوفيق زياد وآخرون، بعد الهزيمة العربية عام 1967، وكان شعر الأراضي المحتلة يرمم الهزيمة، ويتخيل وطن الحلم وكان شعر درويش مباشرًا وحارًا، لكنه بعد خروجه من فلسطين واحتكاكه بالثقافة والشعر خارج فلسطين، في القاهرة وبيروت بخاصة، اكتسب أبعادًا ثقافية وأسلوبية جديدة، فابتعد عن المباشرة والخطابة الشعرية، واقترب أكثر من جوهر الشعر في الصورة والاستعارة والإيقاع، ولعل أجمل أشعاره قصيدة (الجدارية) التي كتبها بعد زيارة الموت…

أسئلة قصائده ذهبت بعمق إلى الحياة ذاتها، لم تحقق تجربة شعرية عربية حضورًا في مسألة فلسطين كما فعلت تجربته، وبخاصة في ما يخص القضية الفلسطينية بوصفها تراجيديا العصر، وعن درويش بوصفه شاعرها الذي تنكب عن كتابة قصيدة وطنية بالمعنى الشائع والمكرر، وذهب بموهبته ووجدانه معًا، نحو تلك التراجيديا بجزئياتها وتفاصيلها التي لا تحصى. وقد تطورت تجربة درويش من خلال احتكاكه بالتجربة الشعرية العربية في بدايتها، واستطاع أن يستوعب تلك التجارب، وأعاد صياغتها كى يخدم بها قضيته، ومن هنا برز فى المشهد الشعرى العربى كأحد شعراء المقاومة، ونلاحظ ذلك فى النبرة العالية والصور المباشرة فى قصيدة (سجّل أنا عربي) ونسجت التجربة الدرويشية صورها وتعابيرها الشعرية من خلال (عاشق من فلسطين وأوراق الزيتون) ويصعب الآن أن نسميه شاعر المقاومة أو شاعر القضية، فقد طرأ تحول كبير في تجربته الشعرية، بدأ في فترة الثمانينيات، وتحديدًا في ديوانه (هي أغنية) فقد جاء الديوان بشكل شعري ولغوي جديد، فقد تحرر من الإرث الوطني الذى حملة على عاتقه، باعتباره شاعر فلسطين وشاعر القضية الفلسطينية، ولكنه كلما ابتعد عن هذا الإرث، ظل قريبًا منه، فالقضية هي قضية مأساة جماعية، والملاحظ أن الشكل الشعرى الجديد الذي ظهر به بعد تجربة أوراق الزيتون، هي أعمال حداثية بالمعنى الواضح للحداثة، وهي لا تشبه حداثة أي شاعر آخر، حداثة ظل مصرًا أن يكتب من خلالها قصيدة التفعلية، وحرّرها من إرثها الثقيل ومزج بينها وبين قصيدة النثر، من دون أن ينحاز إلى أي شكل من أشكال كتابة القصيدة”.

تجربة درويش هي تجربة الرؤية التي شحذها الألم ففارقت تاريخيتها، وتوغلت في أسئلة الضياع الجمعي التي لا تلغي الألم الفردي ولا تتنكر له. هي فرادة النظر الشعري المسكون بالمآلات الكبرى للحياة وبوعي انتماءاتها العديدة حتى المتناقضة. لقد أسلم درويش الروح قبل 10 أعوام في إحدى مستشفيات هيوستن، لكنه لم يمل من الشعر والحب والحياة، وما زالت أشعاره تتردد، وتتغلغل في أرواحنا ووجداننا، وتناصر القضية. رحل وهو يهدينا: “تحيّة.. وقبلة/ وليس عندي ما أقول بعد/ من أين أبتدي؟ وأين أنتهي؟/ ودورة الزمان دون حد/ وكل ما في غربتي/ زوادة ، فيها رغيف يابس، ووجد/ ودفتر يحمل عني بعض ما حملت/ بصقت في صفحاته ما ضاق بي من حقد/ من أين أبتدي؟/ وكل ما قيل وما يقال بعد غد/ لا ينتهي بضمة.. أو لمسة من يد/ لا يرجع الغريب للديار/ لا ينزل الأمطار”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق