أبحاث ودراساتسلايدر

المعارك والمناوشات التي جرت بين سورية و”إسرائيل” بعد الهدنة من 1949 حتى حزيران 1967

ما زالت أسرار السقوط العربي، في هزيمة حزيران/ يونيو عام 1967، تثير العديد من الكتّاب والباحثين والمؤرخين العرب والأجانب على حدٍّ سواء، وذلك بانعدام الرواية العربية الرسمية المستندة إلى الحقائق والوقائع التي حدثت قبل وأثناء وبعد الحرب الإسرائيلية على مصر والأردن وسورية.

استخدمت “إسرائيل”، وما زالت، دعايتها الإعلامية في تفسير وقائع الحرب وما تلاها من إفرازات سياسية وإقليمية ودولية، عززت دورها ومكانتها وموقعها كقوةٍ إقليمية، تفرض شروطها في معركة وجودها كعضو فعال وأساس في منطقة تُعدّ قلب الوطن العربي وشريانه الرئيسي.

أشار دافيد بنغوريون، أول رئيس وزراء لـ “إسرائيل”، في مذكراته، إلى أنه عندما سافر في 13 حزيران/ يونيو 1966 وقابل الجنرال الفرنسي ديغول، سأله الأخير عن أحلامه حول حدود “إسرائيل”، وطمأنه ديغول بأنه لن يخبر أحدًا عما سيقوله، فأجابه بنغوريون بقوله: “لو أنك سألتني هذا السؤال قبل 25 سنة لقلت: أريد للدولة أن تمتد على ضفتي الأردن، وتمتد حتى نهر الليطاني في لبنان، ولكن الآن فإنني مهتمٌ بالهجرة والسلام، ونحن مقتنعون بحدودنا، ولا نريد أن يُعرّض شعبنا للخطر، ونريد مهاجرين”.

بعد عامٍ واحد من اللقاء الذي يتحدث عنه بنغوريون، حققت “إسرائيل” حلم بنغوريون واحتلت الضفة الغربية والجولان وأجزاء من الجنوب اللبناني، بالإضافة إلى سيناء، في حزيران عام 1967، في احتلالٍ يجسّد حقيقة الأحلام والأطماع الصهيونية في المنطقة، ويناقض التصريحات والوعودات والالتزامات الصهيونية التي كان زعمائها يروّجون إليها لدى زعماء العالم والمحافل الدولية المختلفة، مستثمرين الخطاب الحماسي والتنويري الذي ميز الحالة القومية العربية، التي كانت آلةً إعلاميةً جوفاء، وخاليةً من الموضوعية وقراءة الواقع السياسي والدولي صحيحًا.

تهيجير منظم لسكان بلدة كراد الغنامة بعد إجبارهم على توقيع طلب النزوح

منطقة الجولان التي كانت محطّ أطماع الحركة الصهيونية وقادتها على مدى مختلف المراحل التاريخية منذ أواخر القرن التاسع عشر ولغاية اليوم، شهدت أحداثًا هامّةً ومميزة في الصراع القومي والحضاري، بين حركة التحرير الوطني العربية والمشروع الاستعماري الإسرائيلي في المنطقة، أبرزها خلال السنوات التي أعقبت اتفاقيات الهدنة الموقعة في 20 تموز/ يوليو 1949، بين “إسرائيل” والحكومة السورية آنذاك، بعد اغتصاب فلسطين وإقامة “الدولة العبرية” على جزء من أنقاضها.

1. اتفاقية الهدنة مع سورية في كيبوتس محانيم في منطقة الجليل الأعلى (توقيع الهدنة الدائمة بتاريخ 20 تموز/ يوليو 1949.

على الرغم من تراجع سورية عن احتلال قرية (سمخ) التي أقامت “إسرائيل” مكانها مستعمرة “دجانيا آ”، ومستعمرة “دجانيا ب” في عام 1948، فإنها بقيت على الضفة الشرقية لبحيرة طبرية، وحول بحيرة الحولة في الأراضي الفلسطينية، وأصرّت “إسرائيل” على خروج سورية من فلسطين، متذرعةً أنها وريثتها، وأن هذه المنطقة جزءٌ من “الدولة اليهودية” بحسب قرار التقسيم، وأشار القنصل الأميركي في القدس إلى هذه المغالطة، أن إذا كانت “إسرائيل” ترغب في التقسيم، فلتنسحب إلى حدوده، وبذلك لا يكون لها أو لسورية حقٌ في احتلال أي منطقة خارج التقسيم، وإن كانت ترغب في الاحتفاظ بأراضٍ سيطرت عليها، فإن لسورية حقًا في ذلك أيضًا.

نجح رالف بانش، نائب الوسيط الدولي للجان الهدنة، في إقناع حسني الزعيم رئيس سورية آنذاك بشروط الهدنة، خصوصًا وكان الزعيم يسعى إلى توثيق علاقاته، والحصول على معونةٍ من أميركا، وعرض على بنغوريون اتفاق سلامٍ يوافق بموجبه على توطين اللاجئين في سورية، وكان من أهم شروط الهدنة تحويل المناطق التي سيطرت عليها سورية إلى مناطق منزوعة السلاح، وهي ثلاث:

الأولى الشمالية، في أقصى الشمال الشرقي من فلسطين، شمال تل العزيزات، ومساحتها 4 كم مربع،

والثانية الوسطى، مثلثٌ واسعٌ جنوب بحيرة الحولة، يصغر إلى شريطٍ في محاذاة نهر الأردن حتى مصبه في طبرية، ومساحتها حوالي 34 كم مربع،

والثالثة الجنوبية، جنوب شرقي طبرية، في خطٍ يمتد حتى شرق الحِمّة ويعود غربًا في محاذاة نهر اليرموك، ثم يتصل ثانية ببحيرة طبرية شرق سمخ، ومساحتها 32 كلم مربع، ومجموع المناطق الثلاث حوالي 70 كلم مربع.

المشروع القُطري الإسرائيلي (من الأرشيف الإسرائيلي)

في المنطقة الثانية (الوسطى) توجد 4 قرى فلسطينية هي كراد الغنامة وكراد البقارة ومنصورة الخيط ويردة، وفيها مستعمرة واحدة هي “مشمار هايردن”، وفي المنطقة الثالثة (الجنوبية) توجد 3 قرى فلسطينية هي الحمة والنقيب والسمرة، ومستعمرةٌ واحدة هي “عين جيف”.

كانت شروط الهدنة واضحةً، ومنها أن يتمتع السكان المحليون بحرية العيش والعمل، ويُمنع دخول قوات عسكرية إلى المنطقة، عدا شرطة مدنية من الأهالي لحفظ الأمن الداخلي، ويحملون أسلحةً خفيفة، وأعطى مجلس الأمن سلطةً كاملةً لرئيس لجنة الهدنة المشتركة، لتطبيق الاتفاق وحلّ النزاع الناشب، وتأكيدًا لطابع نزع السلاح عن المنطقة حددت اتفاقية الهدنة منطقةً محيطة بالمناطق المنزوعة السلاح، عرضها 5 كلم، لا يُسمح فيها بوجود الأسلحة الثقيلة.

من الضروري الإشارة إلى أن سورية لم توافق على وجود مناطق منزوعة السلاح أو على توقيع اتفاقية الهدنة إلا بعد أن حصلت على ضمانات بأن هذه المناطق لن تكون خاضعة لسيادة “إسرائيل”، لذلك فقد وجّه بانش الرسالة التي أصبحت تعرف باسم (التفسير الرسمي)، في 26/6/1949، قبل التوقيع، إلى كل الأطراف والأمم المتحدة، وجاء فيها أن “مسألة الحدود الدائمة، والسيادة على المنطقة، والجمارك والعلاقات التجارية وما شابه ذلك، يجب أن يُتفق عليها في اتفاقية السلام النهائية، وليس في اتفاقية الهدنة، لقد واجهتنا صعوبةٌ كبيرة في المفاوضات، لنعالج طلب (إسرائيل) غير المؤهل بانسحاب القوات السورية من فلسطين، وبعد جهدٍ شديد أقنعنا السوريين بذلك، وآمل ألا ينقض هذا بمماحكات قانونية حول موضوع السيادة والإدارة” وبعد فترة هدوء استمرت سنتين، بدأت “إسرائيل” بإثارة القلاقل للاستيلاء على هذه المناطق ومياهها.

2. مشروع “إسرائيل” لتجفيف الحولة، وقد أتمّته على الرغم من كلّ اعتراضات سورية والدول العربية والدول المؤيدة لها، وكان ذلك منذ عام 1952.

هدفت “إسرائيل” من خلال مشروع تجفيف بحيرة الحولة إلى السيطرة والاستيلاء على المنتطقة المجردة من السلاح، المتفق عليها في اتفاقيات الهدنة للعام 1949، وزيادة حصة “إسرائيل” من المياه بما لا يقل عن 100 مليون لتر مكعب من المياه سنويًا، لري حوالي 200 ألف دونم من الأراضي ،كما وفّرت خطة التجفيف الأساس لإنشاء محطة توليد الطاقة بين بحيرة الحولة وبحيرة طبرية.

وقبل إنهاء “إسرائيل” مشروع تجفيف بحيرة الحولة عام 1958، كان نهر الأردن يمرّ عبر مستنقعات وادي الحولة ويخرج من الطرف الجنوبي لبحيرة الحولة، أما الوادي فيبلغ طوله 25 كم وعرضه الأوسع 8 كم، وأما البحيرة نفسها فكانت مساحتها قبل التجفيف نحو 16 كيلو مترًا مربعًا، وكان الشاطئ الشرقي للبحيرة والوادي الجنوبي ضمن المنطقة المجردة من السلاح.

أدّت خطة التجفيف إلى نشوب أعمالٍ عسكرية بين الجانبين، السوري والإسرائيلي، تمثلت في عدد من المواجهات التي استمرت من منتصف آذار/ مارس إلى أوائل نيسان/ أبريل 1951، إذ كانت “إسرائيل” ترسل قواتٍ عسكريةً أو شبه عسكريةٍ إلى المنطقة المجردة، وكانت سورية تطلق النار عليها، وكان أعنف هذه الاشتباكات ما وقع يوم 4 نيسان 1951، عندما أرسلت هيئة الأركان الإسرائيلية دوريةً على امتداد نهر اليرموك إلى الحمة، وقد تخفى أفرادها في زيّ رجال الشرطة، لأنه كان محظورًا على “إسرائيل” الاحتفاظ بجنودٍ في المنطقة، وقد كمن السوريون للدورية، وقتلوا سبعةً من عناصرها، وفي اليوم التالي هاجمت الطائرات الإسرائيلية المواقع السورية في منطقة الحمة (باب الحديد، ومركز شرطة الحمة)، كما دمرت بيوتًا عربيةً في كراد الغنامة وكراد البقارة والسمرا والنقيب، ونجحت “إسرائيل” في إكراه سكان هذه القرى العرب على الرحيل منها لاحقًا.

وقد أشار بوضوحٍ محضرٌ سريٌّ لاجتماع الحكومة الإسرائيلية في 5 نيسان/ أبريل 1951 إلى الهدف الحقيقي من هذه الأعمال العسكرية، وهو جعلُ المنطقة المجردة من السلاح خاليةً من العرب إلى الأبد.

جنود المدفعية السورية شرقي بحيرة طبريا

هذه الأحداث في مجموعها غيرت الوضع في المنطقة المجردة، وقادت إلى تقسيمها فعليًا، حيث ضمت “إسرائيل” معظم القسم الجنوبي منها، وكل المنطقة الوسطى إلى الغرب من نهر الأردن، بينما سيطرت سورية على الحمة والممر المؤدي إليها، وعلى مرتفعات التوافيق والنقيب، والشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية والشريط الضيق من الأرض على الضفة الشرقية لنهر الأردن بين بحيرتي الحولة وطبرية ومنطقةٍ على الشاطئ الشرقي لبحيرة الحولة، وكل المنطقة المجردة من السلاح الشمالية، وسيطرت “إسرائيل” أيضًا على النصف الشمالي من المنطقة المجردة الجنوبية والقريبة من عين غيف، في حين سيطرت سورية على النصف الجنوبي، وبدأ صيادو الأسماك السوريون يصطادون في بحيرة طبرية التي كانت منطقةً خاضعةً للسيادة الإسرائيلية بحسب اتفاقية الهدنة.

أوقفت “إسرائيل” أعمال التجفيف بعد أن صدر قراران بذلك من مجلس الأمن في 8 أيار/ مايو 1951 وتوقف القتال.

لكن التوقف لم يستمر أكثر من أسبوع، حيث كانت الشرطة الإسرائيلية تمارس سيطرتها على المنطقة المجردة من السلاح عمليًا، باستثناء النقيب والحمة، وكانت الاشتباكات مستمرةً بين الحين والأخر، نتيجة مواصلة “إسرائيل” قضم المنطقة المجردة من السلاح، وإبعاد السوريين عنها.

واستطاعت “إسرائيل” منذ أواسط 1955 أن تُنجز بعض أهدافها المائية الاستراتيجية، وبالتحديد تجفيف مستنقعات الحولة، وممارسة السيطرة الحصرية على بحيرة طبرية، وبناء قناةٍ في أعلى نهر الأردن تجر المياه منه الى النقطة التي يمكن استخدامها لتوليد الطاقة الكهربائية.

بنغوريون يتفقد أعمال تجفيف الحولة

3. أعمال “إسرائيل” للبدء بتحويل نهر الأردن، تصدى لها الجيش السوري، وانتقل النزاع إلى أروقة مجلس الأمن، واستطاعت سورية إجبار “إسرائيل” على وقف الأعمال في الجزء الأول من هذا المشروع، وهو الجزء الواقع في مواجهة الجولان، ويشكل اعتداءً على قسمٍ من الأراضي المجردة العربية، وعلى المياه العربية فيما لو نُفّذ.

4. الإغارة الكبرى التي قامت بها “إسرائيل” على منطقة البطيحة وسكوفيا (شمال شرق بحيرة طبريا) بتاريخ 11/12/1955، وقد أدان مجلس الأمن العدوان الإسرائيلي إدانةً واضحةً عقب ذلك الهجوم.

5. مشكلات قرية التوافيق التي أسفرت عن اشتباكاتٍ عنيفة مع “إسرائيل” خلال عامي 1957 و1960.

6. معركة تل النيرب عام 1961، وفيها هاجمت “إسرائيل” موقع تلّ النيرب شرق بحيرة طبريا، وفشل فيها هجومها وكانت خسائرها كبيرة، وكان نصرًا للمدفعية السورية فريدًا من نوعه في تاريخ الجيش.

7. هجوم الطائرات الإسرائيلية على الجبهة (منطقة بانياس)، في 13/11/1964، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها الطائرات الإسرائيلية قنابلَ النابالم ضد القوات السورية.

8. هجوم “إسرائيل” بالطائرات على مواضع ومشاريع تحويل روافد نهر الأردن (منطقة بانياس) وتدميرها المنشآت العربية والآليات التابعة لها، وقد أسفر عن توقف سورية عن متابعة المشروع على الرغم من دعم الجامعة العربية لها.

9. حرب الخامس من حزيران عام 1967، واحتلال باقي أنحاء فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس، بعد هزيمة مصر والأردن في الحرب، واحتلال ثلثي مساحة الجولان السوري (1250 كم من أصل مساحته الإجمالية البالغة 1860 كم) في اليوم الرابع من الحرب، بعد حربٍ دامت أقل من 48 ساعة على الجبهة السورية، ويقول الباحث الإسرائيلي “يغال كيبنيس” عن تلك الحرب: “اختفى الطابع السكاني في الجولان بأكمله بعد الحرب، غالبية القرى السكانية دُمرت، وبدأت عملية استيطانٍ يهودي في الجولان، لتنطلق مرحلةٌ جديدةٌ من فكرة الاستيطان اليهودي في الجولان، التي بدأت قبل أكثر من 90 عامًا في سنة 1878، وما زالت مستمرةً منذ 127 سنة”.

وفد إسرائيلي يدخل المناطق السورية بعد جسر بنات النبي يعقوب أثناء لقاءات الهدنة

المصادر:

1- مركز مدار للدراسات الإسرائيلية

2- قضية اللاجئين بين المستحيل والممكن. بقلم يوسف حجازي

3- من أرشيف الجش الإسرائيلي

4- موسوعة ويكيبيديا

5- أرشيف بنغوريون

6- موقع الجولان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق