أدب وفنون

الرقص وآلة الخياطة

بعد مضي ثلاث سنوات على هجرتي، التي كان من أبرز معالمها اتساع دائرة أحلام اليقظة، وتعلم الفرنسية على هوامش تلك الدائرة، قررت أن الوقت قد حان للتقدم خطوة ثانية في “حقل” التأقلم مع المجتمع الجديد، فلغتي الفرنسية أصبحت قادرة على مساعدتي في مغازلة “خلبية” لصبية شقراء، ولكن خلو جيبي من النقود كان يقود “غرامي” إلى زقاق أسود مغلق، فنساء الغرب، كرجاله، لا تثيرهم المشاعر وكلمات الغزل، والحديث عن أخلاق “قيس وليلى وعنتر وعبلة”، فهؤلاء “إرهابيون” في عشقهم، ورجال الغرب مهتمون عادة بخيرات الجسد وخيرات الأرض، لذلك لا بدّ من امتلاك المال والقوة، كي يكون تأقلمك جيدًا، وبالنسبة إلى مهاجر أو لاجئ مثلي، تم تجريده من كل شيء قبل رميه خارج الحدود “الوطنية”، لا بديل عن العمل، ولمّا كان العمل العضلي مرهقًا، ومردوه قليلًا لا يلبّي شوق “الشرقي” وحاجاته إلى امتلاك منتجات الغرب، ذهبت زحفًا إلى مدرسة مهنية، وقد ساعدني المرشد الاجتماعي في اختيار المهنة الجديدة “تصليح ماكينات خياطة”. والسبب في هذا الاختيار أن زوجتي كانت قد قررت تحويل البيت إلى ورشة خياطة لصالح أحد المتعهدين، ولكن عملها الطويل والمرهق لم يكن يغطي أجرة “الميكانيكي”، عندما يصيب عطل آلة الخياطة، فكان أن تأبطتُ مفكًا للبراغي وقلمًا وزوادة، وولجت عالمًا لا أعرف فيه الفرق بين “برغي” الخشب و”برغي” الحديد، وأمضيت عامًا كاملًا في تعلم الفرق بين البرغيين، وما إنْ نلت شهادتي الجديدة حتى قررت كندا والمكسيك توقيع اتفاقية للتبادل التجاري الحر، فرحلتْ كل معامل الخياطة -تقريبًا- إلى المكسيك، لرخص الإنسان فيها ويده العاملة، وعدتُ سعيدًا إلى البطالة المدفوعة وأحلام اليقظة!

في عام 1992، وهو العام الذي التحقت فيه بمدرسة تعلم تصليح “مكنات” الخياطة، تعلمت عدة أشياء مهمة، رغم عمري الأربعيني، أولًا، كما قلت سابقًا، الفرق بين البرغي المستخدم في الخشب، والبرغي المستخدم لربط قطع الحديد ببعضها، وهذا كان تقدمًا مهمًا في معارفي. النقطة الأخرى هي ما كان يؤكد عليه المعلم عند فحص المكنات العاطلة، كان يقول: فكروا في الأعطال البسيطة أولًا، تفقدوا تركيب الخيط، ثم تفحصوا إبرة الخياطة: هل هي في وضعها الصحيح أم لا، بعد ذلك انظروا إلى ميكانيك الآلة، إن 90 بالمئة من الأعطال قادمة من سوء الاستخدام البشري، فقلب الآلة المعدني قوي، ووضع الإبرة “بالمقلوب” قد يحول تلك الآلة السحرية إلى مجرد خردة معدنية، فدققوا في تصوراتكم المسبقة قبل أن تمتد أيديكم ومفكاتكم إلى الآلة للفتك بها، معتقدين أنكم تقدّمون خدمة للبشر والإنتاج الإنساني، ولكنكم في الحقيقة تكونون مدمرين لهما. انزعوا يا أعزائي الأيديولوجيات الكبرى من عقولكم، عندما تتحسس أصابعكم حديد الآلة، ولا تجعلوه يقوم بوظيفة ليس مصممًا لها، وانظروا إلى الأخطاء البشرية الصغيرة، فتقويمها هو المدخل الصحيح.

كان من النادر، في ذلك الزمن، أن ترى شابًا أسود يسير مع صبية شقراء، أو العكس، في مونتريال، لذلك كان وجود شابين أسودين في صفنا من العلامات المميزة، ولا أعرف حتى الآن سبب تقربنا من بعضنا، قد يكون الفقر “الأسود” أو الهجرة التي زعزعت الأرض تحت “مسلماتنا” التي حملناها معنا، أو كما زلزلت الأرض تحت أقدامنا فقربتنا وجعلتنا أصدقاء.. أحد الأيام كنت أجلس في فترة الغداء مع أحد الشابين، وكان قد نال علامة سيئة في الامتحان، قال: آه يا ميخائيل لو أن الميكانيك سهل كالموسيقى والرقص؛ لكنت نلت الدرجة الأولى في الصف!!

وبقي السؤال عالقًا: هل يتوارث الإنسان الأسود الموسيقى والرقص والرياضة جينيًا أم هي ثقافة مكتسبة تم تداولها في أزمنة العبودية للتغلب على ظروف القهر والظلم والاستعباد، وماذا ستورث المقتلة السورية من عادات جديدة عند السوريين اللاجئين والمقيمين؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق