مقالات الرأي

من يحمي الهزيمة كلّ حزيران؟

أكثر من نصف قرن مَرّ على هزيمة الجيوش العربية أمام المحتل الإسرائيلي، ولم يعد طرح السؤال: كيف تمت الهزيمة؟ أمرًا مغريًا، وهو يخفي ألغازًا وإجابات، طالما أوهم النظام العربي شعوبه بها، وعلى مدار العقود الماضية من عمر هذه الهزيمة، كانت تلك الألغاز تتكشف أمام الإنسان العربي في كلَّ لحظة، وتتفككك وقد قادت مجتمعةً إلى الإشارة إلى الأسباب الحقيقية التي تُوّجت بالخديعة التي أوصلت نظام الأسد الأب إلى هرم السلطة، وطالما تركت فائدته طمأنينة واستمرارًا للمحتل الصهيوني.

المشروع الصهيوني بحاجة إلى حمايةٍ ودعم، من خلال تثبيت ديكتاتورية في دمشق، وبعض العواصم الفاعلة، لحماية وتأمين ما أطلق عليه بعضهم “نكسة حزيران/ يونيو”.

تشييد المعتقلات وسوق مئات الآلاف إليها، وقتلهم تحت التعذيب، وتدمير معظم المدن والأرياف، يخدم حزيران الهزيمة أم يقاومها؟ التأرنب أمام كلّ جولات العدوان الصهيوني، والاستئساد على الأطفال النساء، والتطهير العرقي لقرى وبلدات سورية، بمساعدة عصابات مذهبية وطائفية، يخدم حزيران 67 أم لا؟

دبابات وصواريخ وطائرات مواجهة الهزيمة التي تغنّى بها الأسدان، وقد بدأ أثرها جليًا، ليس لاستعادة الأرض المحتلة، بل لتكريس واقعها “مهزومة” للأبد. آلاف وملايين الأدلة والأسباب غير المرتبطة بالسلاح، تشير إلى مسؤولية نظام الأسد في خدمة المحتل الصهيوني وإجراءاته.

كل الملفات التي عبث بها النظام في المنطقة العربية، بدءًا من تكريس الخوف والقمع والقهر في سورية، إلى استزلامٍ ومتاجرةٍ بالقضية الفلسطينية، وصولًا إلى ما تشهده سورية من مذابح وتدمير، عجزت “الهزيمة” قبل خمسة عقود عن تحقيقها، ولمّا كان الفضل كبيرًا للأسد الأب في تسهيل الهزيمة وتسليم الجولان وانكشاف دوره مع العصابة الحاكمة في تأمين هذه الهزيمة واستمرارها، كان رده داميًا على السوريين، وعلى جميع الملفات التي حاول إخفاء دوره بها، من خلال الضخ الكبير بالشعارات عن فلسطين والأمة العربية، حتى انهارت كلها مع اندلاع شرارة الثورة السورية.

في هذه الأيام التاريخية في مأساويتها وحراجتها، لم يعد اللسان معقودًا كما في عقود الهزيمة، التي عملت على شلّ التفكير بوظيفة وأداء النظام في دمشق، تدفع الأحداث إلى مزيد من التفكر والتعمق، كي يتأكد السوري أنه لم يُخطئ في خياره بالثورة على نظامٍ لم يزل سببًا لكل الكوارث والهزائم، وسيبقى كذلك، إن لم يُسقَط ويقدم إلى المحاكم أمام السوريين، كمجرم حرب ومجرمٍ ضد الإنسانية.

تبقى الفائدة من وراء سقوطه، كبيرة جدًا، ولها أثر على كل هذه الملفات، دوره كنظامٍ أخطبوطي في ملفات حماية المحتل وقهر المجتمع السوري، بما يخدم أجندات عدة، سياسية وأمنية، مشتركة مع العدو، أخرجت السوري من دائرته الخاصة، بعد ما يزيد عن خمسة عقود على الهزيمة، ليتابع الفصل الحقيقي عن الهزيمة أو النكسة التي غُلفت بانتصارات وهمية، وشعارات تخفي الخديعة، وتغيّرها بعكس ما وصلت إلى مسامعه عبر ذاكرة الآباء، إلى تلك المدونة في أحداث ووقائع الثورة السورية، عن جذور الهزيمة والملطشة التي يتلقاها الأسد من المحتل كل يوم، وردّه على السوريين بوحشيةٍ منقطعةٍ، ليحافظ على إرث أبيه في حماية الهزيمة ورعاية الملطشة، كُرمى لعيون الإرث ووظيفته.

ما يميز ذكرى هزيمة الخامس من حزيران/ يونيو، اليوم، أنها تأتي في ظل استغراق نظام الأسد ومحوره الممانع في حلمٍ عميق، سرعان ما استفاق منه السوريون، وقد سرت في عروقهم رعشاتٌ من الألم المفزع، والموت المحقق والملحق بهزيمة ذليلة، يقارن “صاحب الهزيمة” في الجولان، التي انتقلت إلى مسامع أهله وإلى مسامع السوريين عمومًا، معاني الإسهام في هزيمة وقتل السوريين ومنعهم من تصويب التاريخ.

هزيمة الوعي والذاكرة للسوري، ومقاومة عفويته وبداهته المليئة بالأسى وهو يفتش في حنايا ذاته عن نقيض المعاني التي جُلد بها جسده المتعب، وذاكرته المتقدة بالحسرات والآلام، هي التي يحاول واهمًا نظام الأسد تكريسها، فآباء السوريين وأجدادهم أوكلوا لهم وعيًا مكللًا بتاج الوعي الجمعي، عن من يحمي الهزيمة ويحافظ عليها، والذين أوكلت لهم هذه المهمة، هزوا قلاع الأسدية وأسقطوا أصنامها.

في حزيران، يقف السوري، في مخيمات عرسال وأطمة والزعتري، وفي كل مركز لجوء وتهجير وتشرد، لا ليتذكر طريقة سقوط الجولان أو القدس وسيناء، ولا ليتذكر علقم الخذلان العربي، وفشله في إنقاذ مليون سوري فتك بهم حامي الهزيمة في دمشق، بل ليتذكر طريقة الانفلات من طوق الإبادة والمحرقة والعنصرية والحصار، حتى لا تكون الهزيمة والنكسة قدرًا سعى له الأسد الأب، ويسعى له الابن في كلّ لحظة، بتكثيف حمم الموت فوق رؤوس السوريين.

لهذا ستبقى هناك مقارنة بين هزيمة حزيران 67، وبين فرض هزيمة في حزيران 2019، من خلال تراكم المذابح في إدلب وحماة وأرياف الشمال السوري، على أيدي نظام الأسد وموسكو وميليشيا إيران، تبدو المقارنة زائفةً إن لم نتوسل التحديد والتعيين، وهو ما أفلح به الشعب السوري، وهو لم يكن مثالًا نضاليًا فقط، بل فكريًا في الدلالة على طاغية يحمي الهزيمة، من خلال تدميره لسورية ومقدراتها. نعم أحسن السوري النطق بحريته وكرامته، ويقاتل بها ولا ينهزم، كي يهزم حُماة الخديعة وما أكثرهم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق