مقالات الرأي

عسكر السودان وسباق الثورة المضادة

من أصل ثلاثة انقلابات عسكرية شهدها السودان بُعيد استقلاله، كان انقلاب 1989 الأسوأ والأطول تأبيدًا في السلطة، لأنه زاوج بين قوة المؤسسة العسكرية وبين العمق الأيديولوجي للإسلام السياسي ممثلًا بتحالف الشيخ حسن الترابي وتلميذه الغُفل العميد عمر حسن البشير.

مع أن هذا الأخير، بالتعاون مع بعض كوادر الحركة الإسلامية أمثال علي عثمان طه ونافع علي نافع، لم يتوان عن الإطاحة بشيخه بعد عشر سنوات من الانقلاب سيئ الذكر، قبل أن يزج به في السجن عام 2001. فكما أن الثورات تأكل أبناءها، فالانقلابات أيضًا تأكل قادتها، وأس الإشكال دائمًا يكمن في شهوة السلطة ونزوع الاستبداد.

لذلك لم يكن مفاجئًا أن يضحّي زواج الاستبداد المشبوه بين العسكر والأيديولوجيا بالرئيس عمر بالبشير ذاته، يوم 11 نيسان/ أبريل 2019، ولاحقًا برئيس المجلس العسكري ليوم واحد عوض بن عوف، على أمل استمرار النظام برموزه وآليات ديكتاتوريته العسكرية وفساده، عبر استدراج قوى الحرية والتغيير لدوامة مفاوضات معاقة.

فمن جهة تمّ بث أوهام مطمئنة للشارع، حيث قال الفريق ياسر العطا من المجلس العسكري، يوم 14 نيسان: “نريد إقامة دولة مدنية تقوم على الحرية والعدالة والديمقراطية”. فيما أعلنت الخارجية السودانية قبل ذلك، أن رئيس المجلس العسكري الجديد عبد الفتاح البرهان “تعهد بإقامة حكومة مدنية بالكامل”، مضيفة أن “دور المجلس العسكري سيكون الحفاظ على سيادة البلد”.

في هذه الأثناء، كان واضحًا أن المجلس العسكري يستجدي شرعيته الوحيدة من شرعية مطالب السودانيين المعتصمين مقابل مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، حيث طالب “تجمّع المهنيين السودانيين” بالقبض على عمر البشير وكل المقربين منه، والمسؤولين الأمنيين وقادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم والوزراء ومدبري ومنفذي “انقلاب 30 حزيران/ يونيو 1989″، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم بحق الشعب السوداني. كما طالب بإعادة “هيكلة جهاز الأمن والمخابرات بما يضمن له القيام بدوره المنوط به فقط، وحل ميليشيات النظام”، مع الإصرار على تشكيل حكومة مدنية، وفق ما أعلن تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير” الذي يقود الاحتجاجات.

ولم يتأخر المجلس العسكري الانتقالي باعتقال الرئيس المخلوع، ليقرر لاحقًا في 28 نيسان/ أبريل تجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل التي صنّعها نظام البشير، ووعد رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق الركن عبد الفتاح البرهان بالعمل على “محاربة الفساد واجتثاث النظام ورموزه”، كما أمر بإطلاق سراح كل الذين حوكموا بتهمة المشاركة في التظاهرات الأخيرة، وتوعد بمحاكمة جميع المتورطين في قتل المتظاهرين.

بدت قرارات المجلس العسكري في ظاهرها استجابة لمطالب المتظاهرين، غير أن جنرالات المجلس كانوا يستهلكون الوقت للحيلولة دون تسليم السلطة للمدنيين، وبدأت المماطلة في جلسات التفاوض والحديث عن وساطات، ثم التلويح بانتخابات مبكرة خلال ثلاثة أشهر. الأمر الذي أدى إلى استنقاع الحالة السودانية في دوامة المفاوضات المعطلة، بالتزامن مع سعي المجلس العسكري للعب دور سيادي في التواصل مع دول وأنظمة إقليمية لا يسرّها وجود دولة ديمقراطية في السودان، كما أمعن باللعب على صلاحية استصدار القرارات السياسية والأمنية، كما ماطل في محاربة الفساد واجتثاث رموز النظام البائد الذين ما زالوا يتحكمون في مفاصل الأمن والإعلام والدبلوماسية والاقتصاد، إضافة إلى اللعب على شرعية حزب المؤتمر الوطني الحاكم وبعض التيارات الإسلامية، انطلاقًا من ملف تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، والعودة إلى الدستور.

يبدو أن المجلس العسكري الذي بات يعتبر نفسه الآن الشرعية الوحيدة في السودان، قرر القطع مع قوى الحرية والتغير، وشعارات وأهداف المتظاهرين، مصرًا على الاحتفاظ بالسلطة السيادية، وعدم تسليمها للمدنيين، بذرائع النسب وتقاسم الحصص أحيانًا، وأحيانًا بحجة حماية مكاسب التغيير في السودان، وصولًا إلى تصريح نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو “حميدتي”، حين قال عن قوى الثورة والتغيير: “هؤلاء الناس لا يريدون مشاركتنا، يقولون إن (مجلس السيادة) حاجة تشريفية لاستقبال السفراء.. والله غشتنا شعاراتهم… الناس دول هدفهم نسلمهم ونمشي لثكناتنا… والله العظيم البلد دي ما نسلمها إلا لأياد أمينة”!.

ويبدو أن اشتراطات “حميدتي” المتتالية في ما يخص الحكومة المدنية، لكي تضم كل القوى السودانية، كان يقصد بها استعادة قوى النظام البائد وتنشيط قوى الثورة المضادة، التي أسفرت عن وجهها الكالح بفض الاعتصام بالقوة وإحراق الخيم واستخدام الرصاص الحي والقوة المفرطة في مواجهة جموع المعتصمين، والتي يُعتقد أنها أودت بحياة 9 أو 14 من المعتصمين، تبعًا لتباين الإحصائيات، مع وقوع أكثر من 60 إصابة في صفوف المعتصمين.

فالجيش لن يرجع إلى ثكناته، بل حول العاصمة الخرطوم إلى ثكنة له، ويطمح إلى أن يشكل مع بعض القوى التقليدية، ضمن جوقة الحزب الحاكم والمتحالفين على موائده السابقة، حكومة “الأيادي الأمينة” لتخلف البشير في حكم السودان واستمرار نهبه.

مسار الانتقال بين الثورة والثورة المضادة في السودان، لم يكن وليد اللحظات الأخيرة، بقدر ما وجد فيه كبار ضباط النظام السابق فرصتهم لخلافة البشير، وبشكل خاص بعد إزاحة عوض بن عوف، بعد يوم واحد من رئاسته للمجلس العسكري الانتقالي الأول، الذي رفض قائد قوات التدخل السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” عضويته، بدعوى التمسك بمطالب المعتصمين، ليتاح له فرصة هندسة المجلس العسكري الانتقالي الثاني برئاسة عبد الفتاح البرهان. هذا التوافق بين “حميدتي” والبرهان، دفع رئيس جهاز المخابرات “صلاح قوش” إلى إعلان استقالته سريعًا، تحت وطأة حملة التطهير في صفوف الجهاز استجابة لمطالب المحتجين.

وأصبحت بذلك، الاستجابة لمطالب المحتجين في ساحات التظاهر والاعتصام، هي العتلة التي ساعدت في إزاحة خصوم “حميدتي” من المشهد، ليصبح قائد الثورة المضادة، ومهندس كل ترتيباتها اللاحقة، والناطق الرسمي باسمها، هو القادم من عصابات “الجنجويد” التي ارتكبت أفظع جرائم القتل والإبادة والنهب والتهجير القسري في حرب دارفور، والتي ما زال مرتكبوها مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكابهم جرائم الحرب، وعلى رأسهم الرئيس المعزول عمر البشير.

عصابات “الجنجويد” التي تحولت من ميليشيا قبلية إلى قطعة نظامية من الجيش السوداني، تعرف باسم “حرس الحدود”، توسعت مهامها بعد القضاء على تمرد دارفور، وأصبحت تلعب دورًا إقليميًا، وبشكل خاص بعد عام 2013، حيث حوّلها البشير إلى “قوات الدعم السريع”، وأوكلت لها مهام إقليمية، لم تتوقف عند حراسة الحدود، بل تعدتها إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية باتجاه ليبيا، ثم مشاركتها في قوات التحالف الدولي بحرب اليمن، ويقدر البعض أن عديد هذه القوات ارتفع إلى 30 ألف مقاتل، مما شجع البشير عام 2017، على فصلها عن جهاز الأمن والمخابرات لتلتحق بإمرته شخصيًا، وأوكل إليها مهام التدخل وحسم الانقلابات الأمنية والصراعات التي تهدد سلطته، ضمن سعيه لخلق توازن قوى يمكن أن يتحكم فيه لاحقًا. إلا أن حسابات البشير خانته وباقي القادة العسكريين، وأصبح هذا “الجنجويد” هو المتحكم الآن في الأمر، وهو قائد الثورة المضادة.

يبدوا أن التطورات الأخيرة أنهت رهان البعض على العسكر بصفتهم حلفاء وليسوا أعداء، وزاد من تلاحم قوى الحرية والتغيير بيانها لوقف التفاوض مع المجلس العسكري، وبات على هذه القوى الآن المضي مجتمعة باتجاه الإضراب المفتوح والعصيان المدني الشامل، في مواجهة أي ردة فعل من قبل المجلس العسكري وجنرالاته فاقدي الشرعية.

كما يجب على هذه القوى المضي أيضًا بخيار الحكومة المدنية والديمقراطية، وإعلان هذه الحكومة المؤقتة بشكل مستقل، وتحديد فترة انتقالية تجري في نهايتها انتخابات ديمقراطية نزيهة، وعلى المجلس العسكري أن يتقبل الانتقال المدني، فالجماهير التي خرجت إلى الشارع بقيادة قوى الحرية والتغيير، لن يقبلوا بمجرد انقلاب على شخص البشير، لاستبدال سلطة انقلابية قديمة بسلطة انقلابية جديدة، وكلتاهما فاقدتان للشرعية، فكيف إذا كانت تلك السلطة العتيدة بقيادة “الجنجويد” ومجرمي الحرب!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق