مقالات الرأي

هل بقي للسوريين مكان في الصراعات الخسيسة في المنطقة!

سورية بلد الحضارات والديانات والتاريخ والثقافات المتنوعة، وفي أراضيها عاشت شعوب وشعوب، وتركت آثارًا تاريخية علمية وثقافية ودينية وإنسانية. ومن سورية انتشرت تعاليم السيد المسيح إلى العالم، ومن سورية عرف العالم الموسيقى والتجارة وأول أبجدية في التاريخ. وليس صدفة أن يقول العالم الفرنسي لكل إنسان في هذا العالم وطنان: سورية ووطنه الأصلي. ودمشق عاصمة الدولة الأموية، التي كانت دولة عربية بامتياز، حتى الأفكار القومية التحررية كان مركزها دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.

عندما كنت طالبًا في الجامعة في موسكو عام 1977، زرنا بلدًا سوفيتيًا اسمه جورجيا، والتقينا بمسؤول كبير ليشرح لنا عن الجمهورية. حينها طلبوا منا تقديم أنفسنا والتعريف ببلدنا. فجاء دوري وقمت وقلت أنا من سورية، التي عاصمتها دمشق، وسأحدثكم قليلًا عنها. فرد عليّ المسؤول الجورجي قائلًا: أليس من المعيب أن تحدثنا عن دمشق، وهي أقدم عاصمة في التاريخ! دمشق هي ليست عاصمة الآراميين والعرب والمسلمين بل هي عاصمة التاريخ، ونحن نعرف تاريخها ليس أقل منكم السوريين. كنتُ فخورًا بذلك أمام زملائي من قارات العالم كافة.

وطوال حياتي العلمية وعملي في الجامعات العربية والأجنبية، أنا افتخر بأنني سوري، ولدينا مقاييس من الإرث الأخلاقي والحضاري والثقافي والانفتاح على الشعوب وتقبّل الرأي الآخر، ولدينا خطوط حمراء في موضوع الكرامة وعزة النفس. تلك القيم رضعناها مع حليب أمهاتنا، بغض النظر عن انتماءاتنا المختلفة.

لكن سورية ابتُليت بحزب البعث وعائلة الأسد، الذين عملوا على مسخ سورية وشعبها، وقزّموا تاريخها وأعادوا تفصيله على مقاساتهم. فأصبحت الأجيال لا تعرف إلا “سوريا الأسد”، يولدون ويموتون وعائلة الأسد قائمة. تخيلوا سورية ذلك البلد العظيم بموقعه الاستراتيجي وتاريخه ومكانته بين العرب والمسلمين والعالم، أصبحت رهينة بيد عائلة مجرمة حوّلتها إلى مزرعة لها ولشبيحتها من الأميين الذين لا يعرفون إلا المال والسلطة والعنف.

قرأنا في تاريخ سورية في أواسط القرن الماضي كيف كان رئيس الجمهورية لا يستطيع إصلاح سيارته إلا بموافقة البرلمان، وكيف كان وزير الأوقاف مسيحيًا ورمزًا وطنيًا، وكيف كان نائب البرلمان عن مدينة دمشق في الأربعينيات علويًا، وكيف كان زعيم الثورة السورية الكبرى درزيًا. وكيف كان رئيس المجمع العلمي العربي (أكاديمية اللغة العربية) كرديًا. ذلك كان تاريخًا حقيقيًا. وكانت سورية، بالرغم من كل الصعوبات، بخير وعافية، لأن الإنسان له قيمة. وقرأنا كيف كانت سورية لا تعرف السجون قبل الوحدة السورية المصرية.

فقدنا تلك الصور الجميلة والمتكاملة في تاريخنا وواقعنا. ولكن هل كان لمجيء البعث وعائلة الأسد إلى السلطة في دمشق، علاقة بكل ما جرى ويجري حتى اليوم من تغيير لدور سورية الحضاري وصورتها الجميلة، كونها فسيفساء رائعة؟ وهل كل ما حدث منذ انطلاقة الثورة من قيام النظام الأسدي بتدمير منهجي لسورية الأرض والبنية التحتية والشعب والتاريخ؟ وهل ما شهدناه من تدخلات خارجية ساهمت في المحصلة في تنفيذ الجريمة التي قامت بها عائلة الأسد، كان صدفة؟!

قرأنا بروتوكولات حكماء صهيون (التي صدرت عن اجتماع بال بسويسرا وترافق مع اجتماع المؤتمر الصهيوني الأول في نفس المدينة) التي تُرجمت إلى اللغة الروسية ونُشرت قبل أكثر من 100 عام في روسيا. من يقرأها يصب بالذهول، لأن كل ما جرى خلال 100 عام هو تطبيق مباشر لتلك البروتوكولات.

وعد بلفور و”دولة إسرائيل” وحرب حزيران/ يونيو، وحرب أكتوبر، وتفكك الاتحاد السوفيتي، واختفاء “الشبح الشيوعي”، وتفجير البرج التجاري في نيويورك، واختراع مقولة “الإرهاب” الذي ألصق عنوة بالإسلام، ومسرحية حرب تموز في لبنان مع “إسرائيل”، والصراعات الوهمية مع إيران، وقرارات ترامب الإجرامية بمنح القدس لـ “إسرائيل” ومعها الجولان السوري المحتل، والحروب التي أُقحمت فيها دول عربية وقوى محلية، وصراعات بينية، وليس آخرها “صفقة القرن” التي ستؤدي إلى بيع القضية الفلسطينية بدعم أو تخاذل عربي واضح.. كل ذلك يقربنا من المشاريع الحديثة لـ “إسرائيل” وأميركا وخاصة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي على ما يبدو سيختم المخطط الصهيوني العالمي. ونحن هنا لا نتحدث عن حجم الأمية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفكري الذي يقدر بأرقام مرعبة، مثلًا ما تصرفه “إسرائيل” وحدها على البحث العلمي، يزيد عن كل ما تنفقه الدول العربية مجتمعة بعدة مرات.

انظروا إلى حال العرب والمسلمين. إنها تدفع إلى البكاء: دول غنية بالثروات والقدرات وتتمتع بأهمية جيوسياسية ولا ينقصهم إلا شيء واحد هو احترام شعوبهم ومنحهم إمكانية المشاركة في تقرير مصير أوطانهم. لكن ما نشهده أن الأنظمة العربية أصبحت أداة طيعة بيد القوى الخارجية، التي تدعم تلك الأنظمة وتضمن بقاءها في السلطة إذا كان لهم وظائف، لتنفيذ خطط تلك القوى، وإن كان ذلك على حساب تدمير وقتل وتهجير الشعوب.

كل الطرق تؤدي إلى روما، كما يقول المثل، وعندنا في سورية أدت إلى تدمير سورية.

قد ينزعج أحدهم ويقول إنني أؤيد فكرة المؤامرة. وأنا بالفعل لا أرفض هذه الفكرة، ولكنني اسمّيها “المشاريع الاستراتيجية والجيوسياسية” وغيرها، ضد أوطاننا وشعوبنا.

ما جرى في سورية على مرأى وصمت وتخاذل الأنظمة العربية لهو مثال ساطع على قصر نظر دول وشعوب المنطقة، حيال خطط أعلنتها القوى الدولية وبدأت بتنفيذها خطوة خطوة، ولسان حالنا يقول إننا ضد نظرية المؤامرة. ولكن الحقيقة أن المؤامرة موجودة، وهي ضد شعوبنا وأوطاننا وليست ضد الأنظمة القمعية الفاسدة التي هي جزء من تلك المؤامرات.

ما جرى في سورية شيء معقد ومحبوك على أعلى مستوى، وأقصد الدور الذي قامت به قوى خارجية من دول وأجهزة استخبارات ومراكز مالية مؤثرة لإجهاض ثورة السوريين التي هزت المنطقة والعالم. وقد قال دبلوماسي روسي في بداية الثورة عام 2011: “إن دمشق هي خط الدفاع الأول عن موسكو”، ليؤكد أن هناك أجندة عالمية حيال ما يجري في سورية. وإلا فما دخل روسيا بالثورة السورية؟ وواضح أن روسيا تعاملت وفق هذا المبدأ، حيث اعتبرت المعركة في سورية معركتها، حتى بشار الأسد فهم ما يجري واستفاد من ذلك لأنه جزء منه، وسبق أن قال في مقابلة مع صحيفة لبنانية عام 2012 بأن “روسيا تدافع عن نفسها في سورية”.

وقد أدت الأقدار المتمثلة بالتقاطعات السياسية والتاريخية والجيوسياسية إلى جعل سورية ساحة للصراع الدولي الحاسم، لأنها في قلب الشرق الأوسط وبجوار “إسرائيل” التي يُعدّ أمنها من وجهة الروس والأميركيين أولوية، بالنسبة إلى كل منهما. وإلا فلماذا لم تخرب الدنيا بسبب أوكرانيا أو فنزويلا أو أي دولة أخرى.

للأسف، لم تكن القوى الديمقراطية مستعدة لتصدر المشهد الثوري، بل أعاقته في كثير من المواقف، بسبب انتمائها إلى الماضي وعدم قدرتها على استيعاب الحالة والوعي الثوريين. الثورة والعمل الثوري مختلف كثيرًا عن العمل السياسي والحزبي. ونقول بكل صراحة وألم إن القوى الثورية والمدنية المستقلة قُمعت بقوة، ولم يُسمح لها بتنظيم نفسها. قمعها النظام المستبد وقمعتها المعارضة المتصدرة للمشهد السياسي والمسلح في المعارضة.

هيمنت على المعارضة شخصيات وقوى سياسية وأفكار لا علاقة لها بالثورة إلا بالكلام. والدليل أن السياسيين ما زالوا يوهمون الناس بجدوى عملهم البائس، والمسلحون باعوا الثورة وسلموا الأسلحة للنظام، وهناك قوًى ما زالت تعمل على تثبيت مواقعها المهيمنة، بالرغم من كل المآسي والكوارث التي حصلت. ولا تريد تلك القوى الاعتراف للشعب السوري بأنها فرطت بالثورة لأجندات حزبية وأيديولوجية ومصالح شخصية.

النظام السوري الأسدي جزءٌ من منظومة عالمية تشبيحية، لذلك استقتلت تلك المنظومة لإبقائه، لكونه مهمًا لها ويؤدي وظائف كبيرة. ولم يقف أحد مع الثورة بشكل جدي. والقطب الدولي الأول وهو الولايات المتحدة اتخذ سياسة إدارة الأزمة وإطالة أمدها، بدلًا من المساعدة في إيجاد حل سريع.

الخطة – المؤامرة، برأيي، اقتضت تدمير سورية وقتل شعبها وتهجيره وتغيير تركيبته الديموغرافية لترتيب وضع جديد خطير يؤدي إلى تقسيم سورية وغيرها إلى دويلات طائفية واثنية وهذا هو جوهر المشروع الشرق الأوسطي الجديد بزعامة “إسرائيل” اليهودية.

القوى الدولية لديها أجندات وخطط تدميرية على مستقبل المنطقة، ولكن ما هي خطة العرب وشعوب المنطقة في التصدي والمقاومة؟

طبعًا من السهل الحديث عن مشروع نهضة عربية. وقد كتب مفكرون وباحثون عرب في ذلك ولم يسمعهم أحد. ولكننا اليوم أمام تحد وجودي أكثر من اختيار مسارات سياسية وفكرية.

سورية مهددة بالتقسيم، وهي عمليًا مقسمة. وهناك عشرات من أبناء آوى يسنّون أسنانهم لنهش هذا البلد الصغير المنهك، متناسين جميعهم أهمية هذا البلد وقيمته الحضارية.

نحن بحاجة إلى بلورة تيار وطني مؤمن بالوطنية الجامعة، وليس بمشاريع تحت أو فوق الوطنية. نحن بحاجة إلى جسم سياسي ثوري يقود الثورة، فالثورة مستمرة، ويخطئ من ينظر إلى أننا يجب أن نشتغل بالسياسة ونعمل للحصول على حقوق شعبنا بالطرق السياسية. هذه العصابة لا تفهم السياسة ولا يمكن أن تقبل بالآخر إلا تابعًا وعبدًا. وأنا على قناعة بأن لن يزول النظام لا بلجنة دستورية ولا بالانتخابات، وإنما بإرادة دولية ترغمه على الرحيل، وهذا غير متوفر حاليًا. وإن لم يرحل الأسد وعصابته ويتم البدء بمرحلة انتقالية مقترنة بعدالة انتقالية ومصالحات وطنية، فلن يكون هناك استقرارا في سورية، وهذا يهدد حتى أجندات الدول المحتلة الطامحة إلى تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية، لأن ما نراه أمامنا في سورية هو دولة فاشلة تعيش حالة فوضى وصراعات، وشعب ينزف بالتدريج. وهذه من أكبر جرائم التاريخ. ولكن العالم أصيب بالعمى ولا يرى ما يتعرض له الشعب السوري من إبادة منهجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق