سلايدرقضايا المجتمع

يزجون أطفال سورية في جبهات القتال

كشفت شبكات ومواقع إخبارية سورية محلية، قبل أيام، عن إنشاء الحرس الثوري الإيراني معسكرات خاصة لتجنيد وتدريب الأطفال، في ريف ديرالزور شمال شرق سورية، وأشارت إلى أن أعمار الأطفال الذين تجندهم إيران تراوح بين 10 و17 عامًا، وأنهم يتلقون تدريبات عسكرية على استخدام السلاح وخوض ‏حرب الشوارع، وتنفيذ عمليات الاغتيال والتفجيرات، إضافة إلى دروس دينية.

وبحسب صفحة (الرقة تذبح بصمت) فإن المعسكرات تتوزع في قرى (حطلة والقورية والمجاودة والحمدان) وغيرها في ريف ديرالزور، وقالت إن “الغاية هي استخدام الأطفال في المعارك التي تخوضها الميليشيات الإيرانية، والمساهمة في التغيير الديموغرافي وتشييع المنطقة وتغيير هويتها الاجتماعية”.

قبل أكثر من ثماني سنوات، اعتقل الأمن السوري أربعة عشر طفلًا، جميعهم دون الثالثة عشرة من العمر، وعذّبهم بوحشية واقتلع أظفارهم، لأنهم كتبوا شعارات ضد النظام على جدار مدرستهم، في مدينة درعا جنوب سورية، متأثرين بالثورات العربية التي بدأت بتونس ومصر وليبيا، فكانت قضيتهم السبب المباشر لبدء انتفاضة ضد أجهزة الأمن والاستخبارات، وتطورت إلى ثورة عارمة ضد النظام من أسفله إلى رأسه.

أطفال سوريون ثائرون غاضبون على واقعهم، لم يعيشوا سوى القهر والخوف والحرمان، في دولة أمنية حكمتها أسرة مستبدة بقوة السلاح طوال خمسين عامًا، وخلال السنوات الثمانية الماضية، ومع اعتماد النظام السوري الحلّ الحربي في قمع الثورة التي امتدت لتطال كل أنحاء البلد، قتل النظام السوري -وفق إحصاءات مراكز حقوقية سورية- عشرات الآلاف من الأطفال، وخلفت هذه الحرب 8.6 مليون طفل، بحاجة ماسة إلى المساعدة، وما يقرب من ستة ملايين طفل إما نازحون أو يعيشون كلاجئين، ونحو 2.5 مليون منهم خارج مقاعد الدراسة، ويتعرض أكثر من ثلاثة ملايين طفل لخطر الألغام والذخائر غير المنفلقة.

قُتل أمام أعين الأطفال آباؤهم وإخوتهم وأصدقاؤهم، واقتاد النظام آلاف الأطفال إلى السجون، حيث أُهينوا وعُذّبوا، فكبروا قبل أوانهم، وفقدوا الأهل والأصدقاء، ودُمّرت منازلهم، وحُرموا من التعليم، وعايشوا أعمال العنف وعمليات القتل والإعدام والرجم، وما عاد ممكنًا لهم إلا أن يقتدوا بأقربائهم ورفاقهم بالمأساة، فحملوا السلاح وأصبحوا مقاتلين قبل الأوان، وبات إبعادهم عن الدور الذي يقومون به أو ضبطهم في المنازل مهمةً شبه مستحيلة.

دمار نفسي

مارست المخابرات السورية وميليشيات النظام المسلحة التعذيب الشديد على الأطفال، من أجل الضغط على أسرهم والوصول إلى أفراد منها كالآباء والإخوة، وقضى الكثير من الأطفال، وأعمارهم لا تتجاوز سن المراهقة، تحت التعذيب الوحشي الذي لم تحتمله أجسادهم الغضة.

وَصَف أطفال سوريون، لبعثات تقصّ دولية متخصصة، كيف تحوّلت مدارسهم إلى مراكز اعتقال وتعذيب، وكيف اعتقلتهم قوات النظام، ومنعت عنهم الطعام لأكثر من عشرة أيام، وكيف عذّبهم سجانوهم بالعنف الجسدي وبإطفاء السجائر على أجسادهم، ثم كيف أن بعضهم رأى أطفالًا آخرين يموتون من جراء التعذيب الشديد، وبعد مرور ثماني سنوات، اتّضح أن أطفال سورية هم أكبر المضحّين والخاسرين.

عام 2015، حذّر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أكثر من مليوني طفل سوري قد يصبحون “جيلًا ضائعًا”، وفي عام 2018 يمكن القول بالقياس إن أكثر من 5 ملايين طفل سوري مهددون بالضياع، منهم من هو داخل سورية، ومنهم من هو خارجها.

تجنيد الأطفال

أبرز الأطراف التي قامت بتجنيد الأطفال النظام السوري، يليه “تنظيم الدولة الإسلامية”، ثم “قوات الحماية الكردية”، وأخيرًا كتائب المعارضة المسلحة، لكن لكل من هذه الأطراف خصوصية في تجنيده للأطفال واستخدامهم في الحرب، كما أن هناك اختلافًا في حجم تورّط كل من هذه الجماعات.

لم توجد إحصاءات دقيقة تقدر أعداد الأطفال المقاتلين في صفوف ميليشيات النظام أو الجماعات المسلحة الأخرى، والمؤكد أنه تم استغلال الأطفال في عمليات القتال المباشرة وغير المباشرة، وأنهم استُعملوا لأغراض الوقوف على الحواجز، مراقبة ورصد، توصيل معلومات وتجسس، حراسة في نقاط الأمن، وكذلك نقل الذخائر وإمدادات أخرى إلى الجبهات.

وطالبت منظمة (هيومن رايتس ووتش) جميع الجماعات المسلحة في سورية بالتعهد علنًا بحظر تجنيد واستخدام الأطفال، وبتسريح جميع المقاتلين أو المساعدين تحت 18 عامًا في صفوفها. كما طالبت المانحين بتجميد جميع المبيعات والمساعدات العسكرية، ومنها التدريبات والخدمات الفنية، المقدمة للقوات التي توجد معلومات موثوقة عن ضلوعها في الانتهاكات المتفشية والمنهجية، ومنها استخدام الأطفال كجنود.

تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي كان يسيطر على نحو ثلث مساحة سورية، والذي تعتبر قياداته من غير السوريين، عمد إلى تجنيد الأطفال من خلال زجهم في معسكرات تدريب سُمّيت (دورات الأشبال)، وتم ذلك بإغراء الأهالي لإرسال أطفالهم للتدريب مقابل مبالغ مالية خاصة، مع تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية وانتشار الفقر والجوع، في بعض مناطق النزاع.

وكثيرًا ما لجأ التنظيم إلى تجنيد أطفال من دون موافقة أهاليهم، في حالة تشبه الاختطاف، وعمل بعض رجال الدين التابعين للتنظيم على توجيه الأطفال للانتساب إلى تنظيم الدولة طوعًا، واستغلوا حاجة الأهالي إلى راتب شهري لتأمين أولويات الحياة.

هذا التنظيم الإرهابي المتشدد، المرتبط بالقاعدة، والذي تقول المعارضة السورية إنه مرتبط أيضًا بالنظامين السوري والإيراني، نشر أكثر من مرة مقاطع فيديو تُظهر أطفالًا، سوريين وغير سوريين، يقومون -بتوجيه من بعض المسلحين- بإعدام أشخاص بالرصاص، وأحدهم كان طفلًا روسيًا، قام بقطع رأس أحد مقاتلي “الجيش الحر” بإشراف والده الروسي.

ووفق تقديرات منظمات حقوقية سورية، فقد قتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما لا يقل عن 500 طفلًا سوريًا، خلال السنتين الأخيرتين.

يقاتل الكثير من الأطفال دون سن الـ 18 في صفوف (وحدات حماية الشعب) الكردية، وشرطة (الأسايش)، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الذي أعلن “إدارة ذاتية” لمناطق في شمال سورية.

اللافت في الأمر أن هذا الحزب تورط ليس فقط في تجنيد الأطفال الذكور فقط وإنما الأطفال الإناث، واختطف العديد من الفتيات والفتية، غالبية الأهالي كانوا موافقين أو خائفين ولم يشتكوا، لكن قضية اختطاف الطفلة (همرين عيدي) 13 سنة، و(حزبية شيخموس) 15، فضحت الحزب، فقد اختطفت قوات الحزب الطفلة هيرمين من أمام منزل ذويها من دون علمهم أو قبولهم، وأرسلتها إلى معسكر للتدريب في جبال قنديل معقل حزب العمال الكردستاني شمال العراق، وتم تهديد أسرتها بضرورة الصمت وعدم إثارة المشكلات، وعدم المطالبة بالفتاة، ورفض أهلها التهديد ونشروا الأمر في وسائل الإعلام.

الغريب أن إحدى أكبر القياديات الكرديات في سورية (هدية يوسف) دافعت عن تطوع القاصرات، وقالت: “هل تطوع الفتيات لأجل حماية ذاتهن جريمة؟ إذا كانت جريمة فلنأتي ونتقاضى”!.

لم يسلم الطفل السوري من انتهاكات أطراف المعارضة المسلحة السورية الأخرى، فقد انتقدت مراصد حقوقية قوات المعارضة المسلحة، لأنها قبلت ضمّ أطفال إلى صفوفها، لنقل المؤن أو لاستطلاع المناطق وتهريب الأسلحة، وأخفقت في حماية الأطفال بشكل ملائم، بسبب تنفيذها أعمالًا حربية داخل مناطق مأهولة، لكنّ الأمم المتحدة حمّلت المسؤولية الكاملة للنظام الذي مارس عنفًا مفرطًا أدى إلى مثل هذه الظواهر.

المسؤولية

لا شك في أن النظام السوري الذي قتل الأطفال، وشردهم ودمّر حاضرهم ومستقبلهم، سعيد بأن تنتهك الأطراف الأخرى حقوقهم، لأن هذا يدعم ادّعائه بأن الفوضى ستعمّ في سورية بحال سقط، وكلما زاد وضع الأطفال سوءًا زادت سعادة النظام.

المسؤولية الأخلاقية تحتّم على السوريين وعلى المجتمع الدولي، العمل على وصف الأطراف التي تجبر الأطفال على الانخراط في الصراعات الداخلية والحروب الدولية على أنهم مجرمو حرب، ويترتب على هذا الوصف عقوبات رادعة، وألا يكتفي فقط بالدعوة إلى احترام حقوق الطفولة، بل أن يستخدم كل أدواته المُلزمة لمنع استخدام الأطفال في الصراع السوري.

والأهم من ذلك، العمل بكل الوسائل لوقف الحرب، ومحاسبة كبار قياديي النظام السوري المسؤولين عن القتل، والمسؤولين عن تحوّل سورية إلى مستنقع حربي، يغرق فيه الأطفال قبل الكبار، والعمل بكل الوسائل على وضع حد لممارسات الأطراف الأخرى ضد الأطفال، وتأسيس نظام سياسي ديمقراطي تعددي غير أمني، وتحقيق عدالة انتقالية تضمن القصاص للمتضررين والمنكوبين، ودون تلك الإجراءات فإن أحدًا لن يستطيع تخيّل ما سيكون عليه أطفال سورية في المستقبل، فنحن أمام ضياع جيل كامل، لا بد من إعادة تأهيله بأسرع وقت، وحمايته من كل الأخطار، وهي من دون شك مسؤولية تفوق قدرة المجتمع السوري وحده.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق