سلايدرقضايا المجتمع

العيد القادم

كل العبارات المستخدمة في الأعياد في سورية بعيدة من الواقع، وتبدو مستحيلة، بحسب روزنامة القتلة. تقديم التهنئة بتلك المناسبات منذ ثمانية أعوام أصبح ثقيلًا على الألسن والأفئدة، إذا اعتبرنا أن أكثر من نصف المجتمع السوري مثخنٌ بالجراح والآلام. الأمر غير مرتبط بعدم التفاؤل، وكي لا نُتّهم بتوفير أجواء محبطة، عن واقع يشير إلى تجويف التهنئة من مضمونها الإنساني والقيمي، تجاوزًا لواقع الحطام الواقع فوق رؤوس السوريين، وتلك عبارات ارتبطت دومًا بالآمال التي يلجأ إليها الإنسان عادة، وتعطي للعيد بهجة وألقًا، نتساءل: كيف لنا اللجوء تحت عباءة شعارات لا تختلف كثيرًا عن المستخدمة للتستر على الجريمة والألم، والعبارات المرتبطة بالتهنئة، مثل المستخدمة في قاموس الأدب والفن، كي تخدم القتل والدمار؟

وبما أن السوريين لا يعيشون الوضع الطبيعي للجوء إلى الأمل والحلم، تحت ضربات الصواريخ والبراميل، وليس بمقدورهم ممارسة الحياة بحدها الأدنى، ليُطلق السوري عبارته “كل عام وأنتم بخير” لسوري آخر، لم يبق من سلامته ومن الخير المنتظر سوى شواهد قبور أو قضبان زنازين تحجب خلفها وتحتها كل الخير والأمل المفترض أنه قادم منذ عقود، ولم يعد التطلع سوى نحو هدم هذا الوهم القابع فوق الصدور حتى يأتي الخير الحقيقي، لن تكون هناك أعياد لأطفال ما يزالون تحت ركام المنازل، ولا خير منتظر، في حضرة نظام يحرق أجساد البشر كل لحظة، وأعظم عطاياه قدرته على إزهاق أرواح الآلاف.

نعم، هذه بدعة عن عيدنا المنتظر في سورية، ما إن يُقبل موعده حتى تتفتح أمام خيالاتنا معاني مختلفة عن الفرح الذي يدفنه سفاح سورية وعصاباته، روائح الموت غطت على كعك العيد، وأمام واقعة اغتصاب الفرح من عيون الأطفال المدماة، وفي إطار الجراح التي لا تُضمد، هل يمكن للسوريين التظاهر بالفرح؟! بالطبع لا يمكن للمرء تزوير حقيقته، وهذا مختلف عن قدرته على المشاركة في تزوير وقائع الغير أو إنكارها والمشاركة في إقامة حلقات الدبكة، بعد كل جولة عدوان وارتكاب مجزرة، في مثل هذه اللحظة، وفي هذه البقعة بالذات من مساحة البسيطة، يكاد السوري أن يلخص كل الحالة الإنسانية بكل تاريخه الفجائعي، فيما يمثل الأسد وعصابته خلاصة الجبروت والقهر.

ثم، ما الذي تعنيه الأعياد التي تتوج بتراكم الجثث وحطام المدن والبلدات، وبما يمكن للسوري أن يتقدم لمن بقي من أسرته، في مناسبة كهذه، غير الإصرار على كنس المجرم من على صدر السوريين، وهي الهدية المشتهاة في أحلام الأعياد الحقيقية التي تمكّن من الوصول إلى تبادل التهاني بالخلاص من طاغية مدجج بكل أنواع الموت.

يبدو يوم العيد والفرح في سورية، يومًا نائيًا وعميقًا، في ابتعاده من أجواء السوريين، وكأنهم حين يتذكرونه يستحضرون كل الراحلين والمعذبين والمفقودين، أي باختصار، العيد ليس يومًا من أيامهم الحالكة هذه، وليس يومًا تبتدعه فرق التلفيق والتزوير، بعدما شاخ وانعطب الذي ينخرط في جرائم الطاغية.

مضت أعياد السوريين، يوم بدت براميل وصواريخ السفاح وزنازينه تحاصر كل شيء، وتطبق على الأعناق والأجساد. ويوم أشرقت شمس الثورة، كانت ملامح العيد بادية من حيث لا يحتسب المجرم.

الآن، وقد بدت الهزيمة شاملة والخراب محيطًا، هل يُبرق يوم العيد ثانيةً في لحظةٍ مفاجئة، من حيث لا يتوقع استراتيجيو الخديعة؟ وهل يعيد البسطاء في حقول درعا والجزيرة وإدلب الاعتبارَ لمعنى العيد، فيقلبون موازيين الطاغية وينتفون ريش الطواويس المنتشية بانتصار المجرم وسطوته المطلقة على الأحلام والأعياد؟ العيد قادم في طيات القادم من السنين، يحمل على جناحية باقة الحرية والخلاص من طاغية ومحتل، ودونها الفرح مؤجل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق