مقالات الرأي

مواطنو ومواطنات المتوسط

في اجتماعها الأخير في مدينة بلنسية الإسبانية، قررت مؤسسة “مجلس مواطنات ومواطني المتوسط” التركيز على دور الشباب في صنع مستقبل المنطقة، في مختلف جوانب الحياة البيئية والاقتصادية والسياسية. وبالتالي، فقد أطلقت عام الشباب المتوسطي الذي سيُتوج بلقاء كبير، يجمع ممثلين عن هؤلاء الشباب في مدينة برشلونة، في تشرين الثاني القادم.

تأسست المؤسسة منذ عشرة أعوام، سعيًا لتقديم بديل عن العلاقات المتوسطية الرسمية التي تراوح، منذ اتفاقية برشلونة لعام 1995، في إطار العلاقات التي تحكمها المؤسسات الرسمية الممثلة لمصالح الدول. وهدفت إلى تكوين تعبير بديل عن إرادات مواطني الدول المطلة على هذا البحر الصغير بحجمه، والملوّث بمياهه، والثري بحضاراته. وقد وضع مؤسسوها، وأنا منهم، نصًا جامعًا يضع نصب عينه التنوّع والمساواة والعدالة والحقوق التي يجب نشر وعي المواطنين حولها، وعلى ضرورة تعزيز المطالبة بها، بمعزل عن إرادات الدول. وقد سعى ميثاقها التأسيسي، الذي يُعدّ التوقيع عليه الشرط الوحيد للانضمام إلى حلقاتها الوطنية التي تبلغ 28 في 15 دولة متوسطية، للتطرّق -على العكس من ميثاق “الاتحاد من أجل المتوسط”، المؤسسة الرسمية بامتياز التي أطلقها سنة 2008 الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي- إلى كل النزاعات في المنطقة، من دون تابوهات، وإلى ضرورة حلّها بشكل عادل يحفظ حقوق المواطنين العادلة في تقرير مصيرهم، والحصول على دولهم المستقلة، وخصوصًا في ما يخص المسألة الفلسطينية.

من جهته، أكّد الاتحاد من أجل المتوسط، بطريقة فجّة أحيانًا، دورَ الاقتصاد كأولوية في تجاوز الخلافات السياسية، وهي النظرية التي أعاد استنباطها مؤخّرًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره المصون، في اختراعهما، بمؤازرة بعض العرب المتخاذلين، ما أسموه بـ “صفقة القرن”، وهو مشروع فاشل قبل الولادة. وليس في هذا التنويه مجرد تمنّ، بل نظرة شاملة وهادئة إلى مختلف جوانب ما تسرّب عنه، بالاستناد إلى معرفة حقيقة المنطقة العربية وصراعاتها، حيث لا يمكن لمعايير التقييم والتحليل العلمية إلا أن تعلن موته الجنيني منطقيًا، إلا إذا تم فرضه عنفًا. وصفقة القرن هذه، التي يستمر تأجيل إعلانها وفقًا للأجندة الانتخابية الإسرائيلية، تعتبر أن ضخ الأموال في اقتصاديات المنطقة، من قِبل دول الخليج النفطي حتمًا، كما إطلاق المشاريع “التنموية”، من شأنه أن يحلّ، بلمسة سحرية، كل مشكلات المنطقة.

خطأ بنيوي تنبّهت إليه المؤسسة المستندة في فكرها وفي عملها إلى تعزيز دور المواطنين، حيث ركّزت على مسائل كتحقيق العدالة في التبادلات التجارية، بما يكفل تنمية دول الجنوب، وتأمين حرية التنقل للمواطنين للعمل وللدراسة، بين ضفاف المتوسط من دون استثناء. وقد ترافق موعد إطلاق نشاطات المؤسسة مع بزوغ براعم الربيع العربي، فأعطاها ذلك بعدًا نضاليًا يلتزم بما طالبت به الشعوب في كل الدول التي عرفت الانتفاضات، أيًا كانت المآلات.

نظّمت مؤسسة مجلس مواطني ومواطنات المتوسط، منذ انطلاقتها، عديدًا من اللقاءات الشاملة سنويًا في مدن متوسطية عدة لمناقشة أهم المحاور التي لا تقررها هي إلا بالتشارك مع حلقات المواطنين، في أكثر من 27 بلدًا متوسطيًا. وقد برزت محاور مرتبطة بحرية التعبير، كما المشاركة السياسية والحقوق الإنسانية للاجئين الذين كان وما يزل المتوسط بحرَ الأمل بالنسبة إليهم للعبور نحو النجاة، كما أنه بحر الألم الذي تعايشوا معه والذي احتضن جثث الآلاف منهم غرقًا. كما أخذت مسائل المساواة بين الجنسين والحقوق الاقتصادية والعدالة الاجتماعية مكانتها، في محاور النقاش والتفكير والتصريح والمشاريع المشتركة بين الحلقات الوطنية.

ليس بالهين الانتقال من إطار الأداء الرسمي المحكوم بالعلاقات بين الدول، إلى تعزيز الأداء الذي ينشطه المواطنون. وليس من المتعارف عليه أن يحظى “مواطنو” الدول التي يحكمها نظام الاستبداد وتهيمن عليها آلة القمع، وتنتشر في جنباتها معالم الفساد المزدهرة، بالقدرة على التعبير وعلى التفاعل مع أقرانهم في الدول الأكثر دمقرطة في شمال المتوسط. في المقابل، فإن التبادل المعرفي، كما في مجال الخبرات العملية، يمكن له أن يُغني تجارب من ليس لهم باع في ممارسة التعبير الحر عن الرأي ومساءلة الحاكم، أو من ليس متاحًا لهم مجال العمل المدني في المشهد العام.

سيكون إذًا للشباب هذا العام أن يحتلوا مقدمة المشهد في نشاطات المؤسسة، وبالتالي، سيكون تعبيرهم مختلفًا حتمًا في مختلف محاور الأنشطة التي أسست لها المؤسسة طوال عمرها الفتي، والتي تجاوزت من خلالها، بإمكانات ضئيلة للغاية، ما نفّذه الاتحاد من أجل المتوسط الذي يكاد يكون أثره وعمله شبه غائب، بالنظر إلى تعقيدات الصراعات التي تفرض البرود والتباعد والعدائية بين دوله الأعضاء. وعندما يتم الاعتماد على الشباب في تنشيط المشاريع المواطنية في المتوسط، فإن من المحتم الاعتماد عليهم في خط مشروعاتهم وتقرير محاورهم التي يودون الخوض في نقاشات مواطنية لتفكيكها وإيجاد الحلول -ولو المثالية- لها.

أما دورنا نحن -كمؤسسين ومطلقين للمشروع الطموح- فيجب أن يقتصر على المساعدة العلمية، في بعض الملفات الشائكة التي يعتمد تفكيكها على خبرة سنوات النضال أو البحث أو العمل. كما أن تأطير نقاشات الشباب يمكن أن يعيد روح الشباب لمن تخلى عنها أو تخلت هي عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق