هموم ثقافية

أوكسجين العنف

يظهر العنف في الإرث الفلسفي والأدبي، باعتباره من صميم الطبيعة البشرية؛ فسارتر -فيلسوف الحرية- جعل العنف “كرمح أخيل، بإمكانه أن يلأم الجراح التي يسببها بنفسه”، في قصته إيروسترات شخص مغمور يعيش في طابق علوي. يكره الناس. يصافحهم مرتديًا قفازًا. ويعامل العاهرة بدناءة وساديّة متمنيًا أن يثقب بطنها بست رصاصات، عوضًا عن ذلك ينزل للشارع ويقتل ستة من المارّة.. في هذه القصة تظهر لا منطقية العنف ولا معناه.  كان سارتر يوجه غضبه إلى مجتمع الزيف والنفاق، وما يعنينا هو تحليل جانب منه، يبدو جليًا للعيون المنتبهة والقلوب اليَقِظة.

توجد مناسبتان لهذا المقال: الأولى وهي شخصية، ما روته لي يومًا إحدى تلميذاتي وهي طالبة في السنة الثالثة بإحدى الكليات، من أن أستاذها استغلها ثم هددها بتحطيمها علميًا، إن هي تفوهت بحرف، وهذا بحد ذاته لا يُعدُ صادمًا؛ إذا أخذنا في الاعتبار شيوعه وتآلف الحس العام معه! لكن، بتحليل لهذا الموقف نعثر على ثيمة النفاق، وبخاصة إذا تنبهنا إلى أنّ أغلب الاساتذة -ومن هم في مواقع ثقافية أو اعتبارية- تجعلهم تحت أنظار الشباب.

ما يثير الهلع هنا -وهو رد فعل إنساني وطبيعي- أنه وبمجرد أن يتضح للشباب حقيقة زيف كلمات هؤلاء، وأنها مجرد قناع (ولا ندين هنا من موقع أخلاقي لكن الحرية لا تكون حرية حين يمارس الإكراه على أي إنسان) حتى يصابوا بالإحباط الذي يتحول إلى غضب وعنف. (هناك رجال دين يستغلون أطفالًا، وبعض مسؤولي الإغاثة يستغلون نساء المخيمات كي يعطوا ما يسدّ رمق أطفالهن، فيما بات يعرف بـ الجنس مقابل الغذاء).

وهذا يعني أننا أمام نفاق سميك، وقاس فهذا “الحربوق” الذي استطاع أن يكون أستاذًا جامعيًا أو حباهُ الله بموهبةِ أن يكون كاتبًا او شاعرًا، سيعيد إنتاج سلسلة العنف بطريقة جديدة. ففي المدرجات الجامعية يُمارس العنف الرمزي المتمثل بالإهمال والدرجات المتدنية والتجاهل، ضد الطلبة الذكور باعتبار أن “ديكين على مزبلة لا يجتمعان”، وسيعاني الذكور من الغبن، ما يخلق موجة كراهية لزميلاتهن اللواتي يتمتعن بالمحاباة والدرجات -بموافقتهن أو من دونها- سواء كان يدفعهن الطمع أو الخوف، لا فرق، فهن في أغلب الأحيان خائفات على النجاح والوظيفة وصامتات خوفًا من الأذى.

تكتب حنا أرندت: “إن الكلام لا يكون موثوقًا إلا حين تكون ثمة قناعة أنّ غايته الكشف لا الإخفاء، إن المظهر الكاذب للتصرف العقلاني هو الذي يستثير الغضب، واستخدام العقل كفخ، ويأتي التصرف العنيف كرد فعل على النفاق. وإذا سبرنا غور التاريخ، لنعرف كيف يتحول الأناس الملتزمون إلى أناس غاضبين؛ فسيتبين لنا أن السبب الرئيس لا يكمن في حدوث الظلم، بل في بروز النفاق“.

لنتقدم قليلًا.. بعملية حسابية بسيطة يجيدها طفل في الرابعة: يبدأ العنف من الأسرة ومن اللحظة التي يدرك فيها الطفل (الموت). لا بوصفه حالة طبيعية وقدرًا إنسانيًا -وإن كان مكروهًا- بل باعتباره استعدادًا لنوعين من العذاب: الأول في القبر الذي يضم الجسد ضمّة تحطم الأضلاع. والأفاعي والملاكان الشريران اللذان يختبران الذاكرة الشقية.. ولا أدري كيف سيتسنى لمن يمر بهذه الأهوال أن يتذكر! والثاني في الحياة الأخرى، حيث الحرق بالنار الذي يمارسه الملائكة أيضًا.

يضاف إلى ذلك ما تعرضه قوى الإكراه الخفية، كشاشات التلفاز والسينما وغيرها من أعمال درامية تشجع العنف والسلاح باعتباره رجولة وهيبة. أو فكاهات لا تهدف للمتعة، بل لتدبير المقالب والتمتع بخوف الآخرين وذعرهم. وكأن الإثارة لا تتحقق إلا بخوف وعذاب الآخر!

تأتي المدرسة لتكمل السلسلة، وبالرغم من تعديل البرامج التربوية، فالامتحان أشبه بعذاب القبر! من ينج ينج ومن لا ينج سيفشل، يضاف إلى ذلك التشجيع على سحق الآخرين.

في لعبة الكراسي الصينية يجب ألا يبقى طالب دون كرسي، وذلك يعني فشل الفريق كاملًا. القاعدة لدينا مقلوبة. عليك أن تحطمهم بعلاماتك، وهذا التحطيم الرمزي الذي يفتقر إلى أدنى معايير المنافسة الشريفة (غالبًا بشيوع وسائل الغش وتطورها) ينتج كائنًا انتهازيًا سِمَته الدناءة. والدناءة -بحسب سونتاغ- تحوّل منهجي “على غرار الشك الديكارتي”.

كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عبارة “طق البراغي” حين كنت طالبة جامعية. لم أعرف معناها، فتطوع صديق بشرحها: كي تنجح عليك أن تحفر لرئيسك في العمل، أو من يفوقك نجاحًا؛ فخًا لا قيامة له من بعده. والأمثلة كثيرة على بؤس الحياة الثقافية والأدبيّة، لكن هذه التصرفات المنافقة برأي أرندت “لا يمكن أبدًا مجابهتها عبر ما نسميه بالسلوك العقلاني“.

وبذا تعلّق الذات في شبكة العنف، وتعيد تدويره ثقافيًا ومعنويًا في الأدب والفن، وماديًا في العلاقات الإنسانية التي تفقد مغزاها الراقي. وهو ما يفاجئ البعض حين تصدر أفعال مؤذية عن شخصيات مرموقة تتمتع بحضور كاريزمي أو سياسي أو ثقافي أو تعليمي، فتسأل نفسك هل هذا الرجل الذي يلقي محاضرة شيّقة عن الحرية والإنسان، هو نفسه الذي يستغل الطالبات ويهدد تلميذة بالأذى! وكأننا أمام عرض سينمائي بنظارة ثلاثية الأبعاد، والفيلم هو “المتحولون”.!

في الحرب، يجد العنف أوكسجينه المثالي، عنف لفظي، جسدي، ساخر، مزدهر؛ تتخذ نبتة الشرّ شكلًا خفيًا بديهيًا ونسقيها دون وعي؛ لذا تستيقظ المجتمعات على جريمة تهز كيان المجتمع، أو تحوّل صارخ، وكأن حال من يمارس العنف يقول “هذه بضاعتكم ردت إليكم”. وبذا ينتهي عصر الإنسان ذي البعد الواحد الذي بشر به ماركيوز. الإنسان السطحي، الضحل، الآلة، السخيف… ليبدأ عهد الوحش. يقول ماركس: “إن الآلام التي تسبق الولادة ليست هي سبب الولادة“. إن انفجار العنف سلسلة كاملة مترابطة، وإن الاحتجاج على العنف يتخذ -شئنا أم أبينا- شكلًا من العنف في حد ذاته. لننتبه إلى عنف الإشباع البربري للغرائز، ردًا على عنفية الدين! التهكم وتشويه الرموز التي تعتبرها بعض الأديان مقدسة، والعدوانية والسخرية منها ردًا على المتطرف! صعود اليمين في عموم أوروبا يدل على تمجيد لا واع للعنف، ففي الوقت الذي يرفض فيه الأوروبي عنف الشرق، نرى أنه ينتخب فئات متطرفة، كـ دونالد ترامب وغيره.

لا يدرك من يمارس العنف -بوعي أو دون وعي- أنه في الشطرنج “لئن كان الرابح هذا الطرف أو ذاك، فإن اللعبة ستسفر عن نهاية الاثنين”.

يمكننا اليوم الرد على ستيفن سبندر الذي قال: “بات المستقبل أشبه بقنبلة موقوتة دفنت، لكنها تطلق دقاتها في اللحظة الراهنة”؛ بأن القنبلة انفجرت والكل الآن مجروح بشظاياها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق