أدب وفنون

جمال خاشقجي الصحفي الذي قُتل بمنشار دبلوماسي

قبل أن يُخصص تحالف ميدان “تايمز سكوير” بمدينة نيويورك الأميركية، احتفاله السنوي بليلة رأس سنة 2019، وهو احتفال سنوي تقليدي للاحتفاء بحرية الصحافة، خَصّت مجلة “TIME” الأميركية، شخصية العام بصحفيين من مختلف أنحاء العالم، تصدرت صورهم أغلفتها الأربعة، كانوا قد تعرضوا لمضايقات وضغوط وتهديدات مرعبة أثناء أداء مهامهم، دفع نصفهم حياته ثمنًا لذلك. أحدهم جمال خاشقجي، صاحب اللحية الرمادية الخفيفة، والسلوك اللطيف، والابتسامة الخجولة. لقد قُتل بوحشية على يد فريق استخباراتي متخصص، لأنه تجرأ فقط على الاختلاف مع حكومته، وكشف حقائق كان من الصعب على الجناة سماعها.

بعض هذه الحقائق، قدمتها وكالة أخبار الأناضول التركية، في بداية إصدار حديث لها باللغة العربية، تناولت فيه وقائع جريمة اغتيال الصحفي السعودي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، بعنوان: (جمال خاشقجي.. جريمة قتل) مترجمة أفكاره ومواقفه التي سبق أن تبناها، وفي طليعتها انتقاده للدكتاتوريات العربية التي فرضت -والقول له- على العالم العربي نسختها الخاصة من الستار الحديدي، مدعومة من قوى محلية تتنافس على السلطة، وتنشر الكراهية، والعداء لحرية الفكر والتعبير.

انتقد خاشقجي بشجاعة، ظاهرة انزياح السلطات إلى يد شخص، يفرض رأيه دون حوار، أو نقاش. إنه يمثل النموذج العربي للسلطة الراهنة التي تفتقر إلى الديمقراطية والتعددية، وتخضع لأحادية الرأي والحكم والقيادة، بعد أن أقصت الأطراف الفاعلة في المجتمع، ودجنت الشعوب بطريقة مذلة. ولم يتأخر عن انتقاد موقف حكومة بلاده، في عدد من القضايا الإقليمية والدولية. منها حصار قطر، والتدخل السعودي في اليمن، والتوترات السياسية مع لبنان وكندا.

مُنع خاشقجي من الظهور على شاشات القنوات السعودية، وتمّ حظر كتاباته في المملكة بسبب انتقاده سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأجرى دراسات حول مواقف الإدارات الأميركية -بخاصة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما- حيال الربيع العربي، أثبت ازدواجية معاييرها. كما انتقد الضغوط والاعتقالات التي يمارسها نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى سدة الحكم في مصر عبر انقلاب عسكري، والمذابح التي يرتكبها الرئيس السوري بشار الأسد ضد شعبه. لقد قال عن نظام الأخير “يعيش بالقوة، وبها يفاوض، ويتنازل، ثم يموت”، ولذلك “قرر أن كل من يعارضه إرهابي يستحق الموت”. وتنبأ بأن “المسافة بين بقاء بشار ورحيله، مسافة بعيدة، وبالتالي، فلا يُتوقع أن يبادر إلى حل تفاوضي، إلا إذا ضغط عليه الروس، بعدما باتوا يملكون قراره، أو يتركونه يواجه المصير الذي يستحقه”.

ينطلق محور الإصدار الذي أعد مادته الصحفية، سبعة من محرري الوكالة: (خيري تشيتينكوش، توغجة نور يلماز، غوكسل أولوطباق، أحمد براق أوزكان، مولود أران، أوغون دورو، ياسين دميرجي) من إصرار (الأناضول) على أن تأخذ العدالة مجراها، وتقتص من الجناة، على اختلاف مواقعهم ومناصبهم. ما يدل -بحسب “شنول قازانجي” مدير عام الوكالة- على (أننا لن ننسى الجريمة، ولن نسمح بنسيانها).

ولد جمال خاشقجي في 13 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1958 في السعودية. وخلال مسيرته الإعلامية، عمل مراسلًا وإداريًا في عدد من القنوات والصحف والمجلات اليومية والأسبوعية، مثل (سعودي غازيت الإنكليزية، عكاظ، الشرق الأوسط، المجلة، المسلمون، المدينة، الرياض). كما عمل في تسعينيات القرن الماضي، في عدد من دول الشرق الأوسط، وأجرى لقاءات صحفية مع العديد من الشخصيات المعروفة في العالم. وكان وصول محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في السعودية، لحظة مفصلية في حياته. فقد اضطر إلى مغادرة المملكة متوجهًا إلى الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن لاحظ اندفاع الأمير الشاب للإمساك بالسلطة، والتفرد بها، وجنوحه نحو تكميم الأفواه، للحد من الانتقادات التي يواجهها مشروعه المستقبلي “السعودية 2030”. اختار خاشقجي صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية، لانتقاد النظام العربي الذي فشل -باستثناء تونس- في التعامل مع ظاهرة الربيع العربي، واختار القوة العمياء لسحق تطلعات شعبه، مع أن الفرصة كانت مهيأة لبناء مكون ديمقراطي، تعددي، مدني، وعقد اجتماعي، يرسم آفاق جديدة للعلاقة بين الدولة والمواطن.

يركز الكتاب الذي جاء في 35 صفحة، على رصد وتحليل التطورات والمواقف التي رافقت عملية استدراج خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول، وقتله بطريقة متوحشة. مسحت الوكالة من خلالها الجهود التي بذلتها خلال الفترة السابقة، لإطلاع الرأي العام التركي والعالمي، على التطورات المتعلقة بالجريمة، انطلاقًا من مسؤوليتها المهنية، وحياديتها، وحزنها على مقتل أحد زملائها الصحفيين. وقد جمعت الأخبار والصور والرسوم البيانية المتعلقة بالجريمة، مترافقة بتفاصيل الحراك الدبلوماسي المكثف، الذي قامت تركيا به من أجل كشف ملابسات الجريمة، وتحديد مرتكبيها. وقد ركز الكتاب في هذا الصدد على موقف الحكومة الذي أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أكثر من مناسبة، بقوله: إلى جانب حقوقها في السيادة على أراضيها، ستواصل تركيا متابعة هذه القضية باسم المجتمع الدولي، والضمير الإنساني، على اعتبارها جريمة وحشية، كان مخططًا لها مسبقًا. كما عرض مواقف محلية وعربية ودولية، أبرزها مواقف فرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان، التي دانت الجريمة، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن ارتكابها والمحرضين عليها.

في إشارة إلى وجود خلل وتذبذب في موقفه إزاء الجريمة، استعرضت الوكالة بشكل سردي مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعدم وضوحها، بالرغم من المعلومات التي قدمتها له وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ومفادها أن ولي العهد محمد بن سلمان هو من أصدر الأمر باغتيال خاشقجي، وأنه تم إطلاع ترامب على الأدلة بشكل سري، ومن بينها رسائل أرسلها ابن سلمان أثناء وقوع الجريمة إلى مستشار له، كان يراقب الطاقم الذي نفذ الجريمة، ونقلت عن أسماء بارزة في الإعلام الأميركي، أن تجاهل ترامب للأدلة التي عرضت عليه، وتصرفه المنافي للعدالة، هو بمثابة عمل ملهم للدكتاتوريات كي تتوحش أكثر إزاء حقوق الإنسان، والحريات الصحفية. وأنه إذا كانت الأقوال والأفعال الصادرة عن الرئيس تعطي الأولوية للمكاسب التجارية، فهذا يعني فقداننا لمبادئنا الأخلاقية.

تشكل وقائع مقتل خاشقجي إدانة لنظام عربي، تسلطي، فاقد لشرعية الحكم، تفتقر دوله إلى مقومات الحكم الرشيد، والدولة المدنية الحديثة؛ ما جعل شعوبه تعيش بحسب خاشقجي “إما غير مطلعة، أو مضللة”، نتيجة الكراهية التي تكنها الدكتاتوريات للحقيقة والصحافة الحرة؛ وهي كراهية أصبحت اليوم معلنة، وسيكون لها، وفق كريستوف ديلوار، أمين عام منظمة (مراسلون بلا حدود) عواقب وخيمة على أرض الواقع، ستنجم عنها أوضاع مقلقة.

 

* الكتاب: جمال خاشقجي.. جريمة قتل

المؤلف: وكالة أنباء الأناضول التركية

ترجمة: زاهر صوفوأوغلو/ عاشور جوخادار

أنقرة، يناير 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق