كلمة جيرون

النخب الفنية وانقساماتها

عانى السوريون طوال عقود، من تمييز حقيقي على أكثر من مستوى، ونجح النظام السوري في استخدام آلته الإعلامية لتعميق هذا التمييز، من خلال تشويه صورة معارضيه وشيطنتهم، وسخّر أيضًا ما تُنتجه مؤسساته من فن وثقافة لهذه الغاية، واستثمر مثقفيه وفنانيه وحوّلهم إلى أدوات من أدواته التمييزية، ولبى البعض النداء فساهم بجدّية في تعميق الشرخ الاجتماعي والإنساني بين السوريين.

خلال السنوات الثماني الأخيرة، اعتقل النظام السوري عشرات الفنانين والمثقفين، واتهم المئات بالإرهاب والعمالة، لأنهم اتهموه بـ “الاستبداد والفساد الأمني”، وبـ “قتل السوريين العزل واغتيال أحلامهم وأرواحهم”، وطالبوه بكف يد الأجهزة الأمنية عن حياة المواطنين وإغلاق السجون السياسية، وتجلت المعركة الأزلية بين المثقف والسلطة.

مارس كثير من الفنانين والمثقفين السوريين المقربين من النظام دورَ “الشبيحة”، وغضّوا النظر عن العنصر الإنساني، وتملقوا للسلطة، وحرّضوها على معاقبة زملائهم بأقسى العقوبات، لمجرد أنهم مختلفون في الرأي معهم، بل إن بعضهم أظهر أمراضًا طائفية لا يجب أن تظهر في فضاء الثقافة والفن، ثم أنتجوا أعمالًا ضحلة لا دور لها سوى نصرة النظام وتعميق الفرقة، فساهموا في انحدار مستوى المُنتج الثقافي والفني عمومًا.

في المقابل، نتيجة الحل الحربي الذي انتهجه النظام، وتربّصه بالمثقفين والفنانين خصوصًا، لتهشيم ما يملكون من أقلام وأدوات، قمع النظام مثقفي المعارضة وفنانيها، فاضطر معظمهم إلى مغادرة سورية، ولم ينجح النظام في إلغاء نزوعهم الإنساني تجاه الحرية، وزاوجوا بين قناعاتهم وبين الكلمة والفعل الثوري، وحزنوا على الحاضر، وبشّروا بمستقبل أفضل.

على الرغم من جراحهم التي رافقتهم في بلدان الشتات، حاول هؤلاء أن يُبدعوا في مواجهة آلة القمع، وتفتحت المواهب عند من حبس النظام أصواتهم وأفكارهم ومواهبهم، وعبّروا في أعمالهم عن تطلعات وشجاعة المحتجين السوريين وروحهم الساخرة، وربما لأن النزوع الإنساني هو السبب الأساس لتأييدهم للثورة، لم ينحدروا إلى هوّة التحريض على قتل الآخر أو نبذه ونفيه، كما لم يُسيئوا أخلاقيًا حتى للموالين للنظام.

عانى السوريون كثيرًا من التمييز السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، وكان من المفترض أن تكون النخب الفنية والثقافية صمّام الأمان، وأن لا تنزلق وتساهم في زيادة سعير نار الحرب، وأن تستمر في حمل رسالة الدفاع عن البشر وحقوقها، وتستغل كل الأدوات التي تمتلكها لهذه الغاية.

في كل دول العالم، يُنظر إلى المثقف والفنان على أنه الطليعي حامل الشعلة التي تكشف المسار للجماهير، وأنه قلب العملية التنويرية والأدرى بالمصالح العامة، وأنه الريادي غير المنخرط في مشروع أيديولوجي، ويعمل للإنسان والشعب والوطن، لا للرئيس والمال والسلطان.

طرحت الثورة السورية النقاش، حول أهمية دور المثقف والفنان في التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، ومدى قدرته على التأثير في الحدث ووضعه في مساره الصحيح، وعلى الرغم من أن تأثير هذه النخب ضعيف عمومًا، بسبب قوة العوامل السياسية والعسكرية، فإن الإنسانية والوطنية تستدعي أن يُصر هؤلاء على لعب دورهم بأنظف صوره، وأن يترفعوا عن نزواتهم وغرائزهم ومصالحهم الضيقة، ويعملوا للوطن والإنسان، وأن يتذكروا أن الوطن باق وأن من يحكمه زائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق