سلايدرقضايا المجتمع

إشكالات الهوية بين تقليدية الثقافة وتدهور الأوضاع الاجتماعية

ما تزال الهوية إحدى القضايا الكبرى التي تثير إشكالات جدية في العالم المعاصر، يمكنها أن تبلغ درجة تستطيع معها إثارة الصراعات أو تقسيم البلدان؛ ويمكن اعتبار القومية والدين أكبر أشكال الهوية وأكثرها حساسية، وإذا ما نظرنا إلى العالم المعاصر، فسنجد أن الكثير من الصراعات والخلافات متربطة بها؛ وهذه المشكلة لا تقتصر فقط على البلدان التقليدية، ذات الثقافات المتدنية والمستوى المتدني من التطور الاجتماعي في آسيا وإفريقيا، بل هي ما تزال موجودة حتى في أوروبا وأميركا، وإن كانت درجتها أقل بكثير، ويغلب عليها الجانب القومي أكثر من سواه، فبعد انهيار المنظومة الاشتراكية العالمية مثلًا، تفككت العديد من الدول الاشتراكية سابقًا بشكل سلمي أو عنيف على أسس قومية، فيما شهدت أخرى صراعات عنيفة، وإن لم تنته بالتفكك، فالاتحاد السوفييتي نفسه تفكك على أساس قومي سلميًا في بدايات التسعينيات، ثم شهدت روسيا نفسها صراعًا عنيفًا بين الروس والشيشان الساعين للاستقلال، وتفككت أيضًا تشيكوسلوفاكيا سلميًا في تلك الآونة، فيما شهدت يوغوسلافيا الصراع الأعنف الذي دار على أسس قومية ودينية، وأدى إلى تفتتها بعد حروب عنيفة ارتكبت فيها أبشع الجرائم، وما يزال شرق أوكرانيا يشهد توترات ذات طابع قومي بين الروس والأوكرانيين وغيرهم من القوميات؛ أما غربيًا فقد شهدت كندا مثلًا استفتاءً على استقلال مقاطعة كيبيك الناطقة بالفرنسية، في أواسط التسعينيات المنصرمة، فيما شهدت بريطانيا استفتاء على استقلال إسكوتلندا بالأمس القريب، وقد حاولت كتالونيا فعل الشيء نفسه في إسبانيا.

ما لا شك فيه أن محرك الهوية هو محرك أساسي من المحركات التي تحرك وتوجه السلوك البشري، وهو يتناسب بشكل طردي مع كل من طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع وطبيعة وضعه الاجتماعي، فإن كانت الثقافة ما تزال تقليدية كان الإحساس بالهوية التقليدية شديدًا، حيث يركز الشخص كثيرًا على هويته الدينية أو القومية مثلًا، وإن كانت الظروف الاجتماعية متردية، فهذا التركيز أيضًا يصبح شديدًا، ويمكنه أيضًا أن يصبح حادًا، والسبب في ذلك أن الثقافات التقليدية هي بطبيعتها ذات هوية فئوية، أو عنصرية، تقوم على عناصر هوياتية كالدين أو القومية أو الطائفة أو القبيلة وما شابه، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون شدة الإحساس بهذه الهويات أكبر، كلما كانت الثقافة أكثر انغلاقًا على نفسها واعتدادًا بنفسها، كما هي الحال في الثقافات التقليدية عمومًا، أما في الظروف الاجتماعية المتردية، فالشخص الذي يعاني من وطأة ومخاطر هذه الظروف يحاول عادة أن يلجأ إلى الجماعة التي ينتمي إليها، ليجد فيها العون والحماية المفقودين، ولذلك يلتف أبناء هذه الجماعة على بعضهم في هذه الظروف أكثر، وهذا الالتفاف بالطبع يصبح أقوى عند وجود تهديدات أو أخطار من قبل جماعات أخرى.

هكذا يصبح مفهومًا لماذا تكون صراعات الهوية حادة في المجتمعات التقليدية، التي تجمع غالبًا وبنفس الوقت بين تقليدية الثقافة وبين تدهور الأوضاع الاجتماعية، وهذا هو حال أكثرية المجتمعات الآسيوية وكل المجتمعات الأفريقية، التي ما تزال تسود فيها الانتماءات القبلية أو الطائفية أو العرقية، وتنتشر فيها ثقافات غيبية وخرافية وذكورية وعنصرية، وتهيمن عليها الدكتاتوريات السياسية والفقر وتدني مستوى العلم والتعليم وهلمّ جرًا، وفي هذه المجتمعات لا تعود حتى أشكال التنظيم والاجتماع والتجمع الحديثة منفصلة وبريئة من عنصرية الانتماء هذه، فإما تنشأ الأحزاب والتجمعات من الأساس بشكل متربط بهذه البنى الهوياتية الدنيا، بحيث يكون لكل طائفة أو قبيلة أو عرق أحزابها أو تنظيماتها السياسية المرتبطة بطبيعة هذه الجماعات بشكل مباشر، فعربيًا، الإخوان المسلمون مثلًا هم من الأساس تنظيم إسلامي، بل سنّي، و”حزب الله” هو تنظيم إسلامي وشيعي، والكتائب والقوات اللبنانية هما من التنظيمات المسيحية المارونية، والبعث هو تنظيم قومي عربي، والسوري القومي هو حزب قومي سوري وهكذا دواليك؛ أو تنشأ نشأة منفصلة عن هذه الهويات، ثم يهيمن عليها لاحقًا من قبل جماعة أو أخرى، كما كان حال الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني، الذي تحول لاحقًا إلى حزب للطائفة الدرزية، وهذه الهيمنة تحدث عادة بسبب عدم نضج هذه التجارب من الأساس وعدم انفصال الجماعوي عن السياسي في ذهنية المنتمين إليها وانجذابهم غالبًا إلى هوية الزعيم الحزبي أكثر من فكره أو نهجه؛ حتى الأحزاب التي يتاح لها بقدر كاف أن تبقى في منأى عن تأثير الهويات التقليدية، كالشيوعيين مثلًا، هي نفسها كثيرًا ما تتحول إلى بنى تشبه هذه البنى التقليدية، فيصبح الحزب نفسه أشبه بالطائفة أو القبيلة.. وزعيمه أشبه بزعيم الطائفة أو القبيلة، ويتم الولاء لهذا الحزب وزعيمه، والأصح الزعيم وحزبه، بنفس الذهنية التي يتم فيها الولاء للقبيلة أو الطائفة وزعامتيهما.

كما يصبح مفهومًا أيضًا لماذا اندلعت وتفاقمت المشكلات في مجتمعات المنظومة الاشتراكية بعد انهيارها، فقد ترافق هذا الانهيار غالبًا بتدهور حاد في الأوضاع الاجتماعية من ناحية، ومن ناحية ثانية وجدت عصبيات الهوية، التي لم تكن قد حلّت بشكل صحيح، خلال مرحلة الاستبداد السابق التي كانت تقمعها قمعًا ولا تحلها بشكل يجعل المجتمع يتجاوزها عبر نمو ثقافي صحيح، فرصتَها بعد زوال القوة القامعة لتظهر وتنمو من جديد.

في المجتمعات التقليدية تصبح مسألة الهوية هذه من أكثر القضايا حساسية وخطورة، بسبب حدتها العائدة إلى كل من تدني مستوى الثقافة وتدهور الأوضاع الاجتماعية العامة، ولذا فهي إما تتحول من تلقاء نفسها، أو بفعل مغرض خارجي مستغل، في كثير من الأحيان، إلى عوامل إثارة صراعات عنيفة ذات طابع هوياتي.

وللتعامل الصحيح مع هذه القضية، يجب أولًا فهم الهوية في خصوصيتها الذاتية، ومن ثم يجب فهم العلاقة الجدلية بينها وبين مكونات الواقع الموضوعي الأخرى.

على المستوى الذاتي ثمة خطورة كامنة في كل هوية، فكل هوية، حتى على المستوى الشخصي، تكون عمومًا مرتبطة بفكرة الأفضلية المسبقة، حيث يعتبر صاحب الهوية أن الخصوصيات التي تتصف بها هويته هي الأفضل أو الأصح، أو الصحيحة وحدها في حالة التطرف، وهكذا بالنسبة إلى هوية دينية قائمة على فكرة الإيمان الصحيح، يصبح هذا الدين هو وحده الدين الصحيح، وما سواه من الأديان لا يبقى لها إلا أن تتموضع بين الضلال والبطلان، ليصبح أصحابها إما ضالين أو كافرين، وفي الحالة القومية يمكن أن تغلو القومية بنظر أبنائها فتصبح هي أفضل القوميات وأرقاها، وقد تتطرف هذه الفكرة لتصبح تفوقًا وتعاليًا واستكبارًا على الآخرين الذين ينحدرون إلى مستوى الحطة والاحتقار. وفي الحالة الحزبية، يمكن أن يتحول الحزب نفسه بذهن أتباعه إلى “فرقة ناجية”، فيصبح هو الحزب ذا الإيديولوجيا المعصومة عن الخطأ، وهو وحده المخول بحمل رسالة هذه الأيديولوجيا ونشرها وتحقيقيها، فيما يصبح الآخرون خاطئين جزئيًا أو كليًا، ويصبحون آثمين بقدر ما هم خاطئين، وكثيرًا ما يتم إما تسفيههم أو تخوينهم.

إن الهويات الحادة المنغلقة على نفسها، بقدر ما تكون حادة فهي لا تستطيع التعايش والتفاعل مع الهويات الأخرى، إذ إنها غالبًا إما أن تغالي في تفضيل وإعلاء خصوصياتها أو تجعل مصلحتها وحدها هي المهمة من دون مبالاة بمصالح الآخرين أو حتى بالتناقض مع مصالحهم، أو تفعل الأمرين معًا، وبذلك يصبح كل دين آخر أو كل قومية أخرى أو كل حزب آخر.. شكلًا من أشكال الخطر والعداء، ولذا لا بد من إلغاء الآخر أو تهميشه، ما يعني إلغاءه وجوديًا أو إلغاءه نشاطيًا بحيث يصبح فعليًا أو تقريبًا عديم التأثير، ما يؤدي بالتالي إلى إثارة ردة فعله المعاكسة المكافئة على هذا المسعى الإلغائي.

هنا نرى أن هذه الهويات ذات الطابع الفئوي أو العنصري المتنافية مع الغير تضع نفسها في إطار عنصريتها نفسه في الموضع الأعلى لأصحابها كهوية، وتصبح هوية عليا حصرية، أو “شعبًا مختارًا”، أما ما سواه فليسوا إلا “أغيارًا” من مستويات دنيا، وهنا ليس ثمة هوية أخرى تعلو على هذه الهوية، وتستطيع من مستواها الأعلى إلغاء غيرية المختلفين والاشتراك معهم في ما هو أعلى، فيصبح الجامع أعلى من النافي، والإنسانية أعلى من العنصرية، وهنا أيضًا فكرة الأفضلية والتفوق على الغير تنطلق من منطلق مسبق يقوم على أفضلية وتفوق الهوية نفسها ويُستمد منها ويحدد مسبقا مسارها.

أما على المستوى الموضوعي، كما سلف الذكر، فوجود هوية بحد ذاتها لها خصوصيتها الذاتية الحادة بدرجة ما، سيجعل هذه الحدة تتنامى في الظروف الحرجة، إما بسبب تهديدات خاصة من هويات أخرى، أو بسبب ازدياد الحاجة الاجتماعية إلى الجماعة القائمة على هذه الهوية، ما يقتضي عمليًا زيادة لحمتها، ويقتضي بدوره نمو شدة الانتماء إليها والولاء لها، ما يعني نمو حدة هويتها أكثر فأكثر.

وبالطبع، في إشكالية الهوية هذه تتكامل الأسباب الذاتية والموضوعية، فتردي الظروف الموضوعية، الذي يتضمن تردي الثقافة، ينعكس بنفس القدر سلبًا على المستوى الذاتي للهوية وعلى ثقافة الهوية، كما أن تردي الهوية نفسه هو بدوره عامل أساسي من عوامل التدهور الاجتماعي العام.

أما حل إشكالية الهوية، فيقتضي العمل على إلغاء الأسباب الفاعلة فيها، ما يعني العمل على رفع مستوى الثقافة العامة وثقافة الهوية عبر نشر الفكر العقلاني والعلمي والإنساني، بشكل متزامن ومتلازم مع العمل على تغيير الواقع الاقتصادي والسياسي إلى الأفضل، وهذان عملان بدورهما متكاملان؛ وكما نرى فما يقتضيه حل مشكلة الهوية هو نفس ما يقتضيه الحل الشامل نفسه من تغيير حقيقي تطوري للواقع بجوانبه المختلفة ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وغير ذلك، وهذا جد طبيعي، لأن إشكالية الهوية هي فعليًا جزء من إشكالية التخلف والتدهور الكلية لمجتمعها، وبالتالي فحلها هو جزء من الحل العام.

في مجتمع متقدم، تتحول الهوية من عامل خطر متناقض مع الإنسانية ومع الوحدة المجتمعية، إلى عامل إيجابي يغني مجتمعها، فهنا تصبح الهوية الفئوية، ليست شيئًا أعلى وقائمًا بحد ذاته، بل شيئًا تابعًا لهوية أعلى هي الهوية الإنسانية الجامعة الشاملة، التي تجعل هذه الهوية الفئوية مجرد خصوصية للهوية الإنسانية نفسها، وبالتالي فهي تستمد معاييرها منها وليس من الخصوصية الفئوية نفسها بمعزل عن القيمة الإنسانية التي تصبح في هذا الاستمداد عديمة أو ثانوية القيمة، ما يجعل الهوية الفئوية عندها قابلة للتموضع والتنامي بالتضاد مع الإنسانية.

أما في الحالة التي تعلو فيها الهوية الإنسانية على الفئوية وتتقدمها وتضع لها المعايير، فهي فعليًا تأنسنها وتحولها إلى خصوصية إنسانية، ترى أفضليتها في ما تحققه من فضل إنساني، وهذا يجعل العلاقة بين الجماعات على اختلاف أنواعها علاقات تفاعل وتنافس إنساني، وتغدو الأفضلية غاية يُسعى إليها بمعايير إنسانية، وليس مقدِمة يُنطلق منها بمعايير عنصرية غير إنسانية، وهذا ما نجده مثلًا في الفرق في عمل الأحزاب في النظام الديمقراطي، حيث تتعاون الأحزاب من جهة، وتتنافس من جهة أخرى في السعي إلى الأفضل وتقديم الأفضل، أما النظام الشمولي فينطلق فيه الحزب الحاكم من منطلق أنه هو الأفضل أصلًا، وليس بحاجة إلى أن يثبت أفضليته، ولا داعي لمن يثبت عليه أفضليته، وبالتالي تكون علاقته مع غيره من الأحزاب إما إلغائية أو تهميشية، ما يحوله عمليًا إلى مستبد دكتاتوري، وما ينطبق على عمل وأداء الأحزاب ينطبق على نشاط وسلوك غيرها من الجماعات، التي لا تكون علاقاتها علاقات تفاعل وتنافس إنساني نامية راسخة إلا في نظام علماني ديمقراطي، يقوم على العقل والعلم وحرية الإرادة والقيمة الإنسانية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق