سلايدرقضايا المجتمع

فبركة الفن والثقافة عند “غوبلزيي” الأسد

منذ زمن، فقد السوري الوقت، ومتعة الجلوس أمام الشاشة لمتابعة دراما تلفزيونية، في لحظات تمرّ عليه كأنها دهرٌ، لا يستطيع جمع أشلاء أسرته الممزقة بفعل صواريخِ مهووس يُمثّل دور الممانعة، فكيف وهو يتابع دراما رسمية يجري التحشيد لها كل موسم، من أبطال “دراما” النظام ومثقفيه وكتّابه وممثليه، التمثيلية أكثر من مكشوفة ومفضوحة، في سورية لم يعد العقل بحاجة إلى متابعة وتحري مواقف، لا على صعيد الفن، ولا الثقافة، ولا الإعلام، سنوات وأيام سورية كافية وطافحة لاكتشاف أصحاب النسب الدرامي والثقافي وميلهم الأخلاقي والإنساني.

ترتجف المواقف، ممن يعتقد نفسه أنه ينتمي إلى صنف “النخبة”، يتحدث مثلًا عن فلسفته بأهمية اكتشافه لوطنه وسبره أغوار التاريخ، وعن حضارة السوري ثم يرتجف ويبلع لسانه عند وصوله إلى الأسد، ويكمل من بعد “ماذا سيحدث لنا من دون الأسد!”. وبالمناسبة هذا ارتجاف لنخب سياسية وفكرية وأدبية وفنية، منذ الأيام الأولى لمقتلة السوريين، إذ كانت شكلًا بليغًا من علاقة تعبر عن حميميتها، في التعلق بأهداب السفاح في دمشق، وعن فتورها ورجفها ومواتها إن تعلق الأمر بالضحايا، لتبدو علاقة بعض الفنانين والمثقفين مع قاتل شعبهم علاقة تكليف وتطوع للدفاع عن الجرائم.

مجرد لقطات عابرة، في لوحة فنية تشير إلى فبركة السوريين لقصة موتهم وافتعال إراقة الدم وكل الحطام، تعيدنا للبداية، لعقلية غوبلز التي استفاد منها النظام والفنان والمثقف والسياسي، حيث أصبحت الغوبلزية تخدمهم مجتمعين، إذ وفرت لهم زوايا الاختباء خلف الفن والثقافة، ظنًا منهم أن ما يرمى في وجه المشاهد وعقله سيمرّ، كما نجحت رواية النظام في تدجين هذه النخب منذ البداية، هل نتذكر فلاشة أبو نظير ورواية الكاتشاب، وسندويشة الفلافل والـ 500 ليرة، التي مات بسببها آلاف السوريين لتمثيل التظاهر، أم نتحدث عن مجسمات المدن وغواصة طالب إبراهيم، وفرفشات أبواق تم استخدامهم من على نفس الشاشة التي تنتج وتخرج موت سورية والسوريين كحالة طبيعية، إما بنوبة قلبية أو بضرورة السحق بصواريخ ودبابات، وصولًا إلى شهقة أمل عرفة لغوار الطوشة: “أنت قاسيون”، وهو يجيبها: “أنا صرمايته” للوطن.

هل نتذكر كل من مر على الشاشات، متبرع أو مستورد، من القاهرة وبيروت ورام الله وتونس والعراق، ليكون في جيش غوبلز الأسد، للدفاع عن مذابحه، بعد المجازر وهو يصرخ لا شيء في سورية سوى المؤامرة وأدواتها التي “يطهرها” بسطار عسكري، أصبح عشيقًا للفن والأدب والرواية والشعر، نعم نجح النظام في اعتقال الفن والدراما، كانت مهمة غير مستحيلة بالنسبة إليه، خصوصًا عندما تحولت نقابة الفنانين في دمشق إلى فرع أمني، يطلق التهديدات لكل من يستخدم حسه الأخلاقي والإنساني، وتحول معظم المنتمين إليها إلى مخبرين وجنود مفبركين، في هيئة شعراء وأدباء وممثلين.

حاولنا أكثر من مرة، في السنوات الماضية، أن نسرق الوجوه الفنية التي خرج بها أصحابها في الفن والثقافة والشعر والرسم وغيره ونعيده للماضي، خصوصًا عند الظهور الجديد، لا لممارسة دور الجندي في جيش غوبلز، بل في الدور الحقيقي المتفوق على هذه التسمية، لنجد أن حاجة هتلر والنازية لغوبلز كانت عابرة في تلك المرحلة، إذا ما قورنت مع طلاب الأسد من مدارس الفن والثقافة. هتلر كان فنانًا ورسامًا وكاتب رواية وسيرة ذاتية، وكان من الممكن أن يكون ممثلًا بارعًا إذا طلب منه أداء دور على مسرح، لكنه برع وأجاد رسم طريقه على جماجم ملايين البشر. والمثقفون والفنانون في حضرة الطاغية الأسدي هم أيضًا يمارسون فنونًا مختلفة ويفبركون ويزيفون الواقع، لممثل فاشل وساقط في دور الممانعة والمقاومة.

الفن المنحط هو الذي يتناول موضوعات جدلية وحساسة، مثل الدراما التي يعرضها أصحابها لخدمة النظام، بمعنى كل ما يدور تحت “عرش الأسد” ممكن التطرق إليه دون الوصول إلى مخالبه الوحشية، والأكثر انحطاطًا، عند اكتشاف السوري الفبركة والزيف الحقيقي لدواوين الشعر، أو ما يسمى سيناريوهات تكتب في فروع المخابرات، تلك اللطخات الملونة في لوحات فنية، لا هي سريالية ولا تكعيبية ولا تجريدية، لكنها مرقطة مثل لباس جنود السفاح، تلك القيمة التي آمن بها نخب الثقافة والفن اليوم من كل البوابات، من نحت الأحذية إلى نحت الألسن اللاعقة لتماثيل الطاغية، وصولًا إلى فنانين دورهم مسح الدم من على سكين الأسد أمام الشاشة وخلفها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق