تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الجمهورية الإسلامية في أميركا اللاتينية: مخدرات وغسيل أموال ومراكز دينية

إن سقوط مادورو في فنزويلا كان بمنزلة ضربة موجعة للسياسة التي كان يتبعها النظام الإيراني في أميركا اللاتينية. وقد بدأت تلك السياسة في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، مكللة بصرف مليارات الدولارات من جيوب الشعب الإيراني الجائع، وساعية لتحقيق عدة أهداف. وأحد أهم تلك الأهداف هو إطلاق شبكة دولية، بمساعدة “حزب الله”، يكون مركز عملياتها في فنزويلا والمناطق الحدودية في أميركا اللاتينية، لتنشط في جميع أنحاء العالم في تهريب المخدرات وغسيل الأموال، وتجني سنويًا أرباحًا تبلغ ملايين الدولارات.

وطبعًا كان الهدف الأساسي من تشكيل هذه الشبكة الدولية هو شراء الأسلحة والمعدات النووية لإيران، وأيضًا تأمين الاحتياجات اللوجستية للعمليات والمجموعات الإرهابية في جميع أنحاء العالم. مسؤول هذه الشبكة الدولية شخص يدعى عبد الله صفي الدين ممثل “حزب الله” في طهران، ويعمل على إدارة هذه الشبكة بالتنسيق مع قاسم سليماني متزعم فيلق القدس الإرهابي.

الخيوط الأولى لهذه الشبكة الدولية بدأت تتكشف في عام 2007، عندما كانت الأجهزة الأمنية في كولومبيا مشغولة في التنصت على مكالمات أحد تجار المخدرات الكبار في هذا البلد، وفجأة أصيب المحققون الكولومبيون بالتعجب والدهشة، عندما سمعوا مكالمة لشخص يتحدث اللغة العربية مع هذا التاجر الكبير. وبالمتابعة تبيّن للأجهزة الأمنية أن هذا الشخص مرتبط بـ “حزب الله”، ويتعاون مع تاجر المخدرات هذا، ليقوم بنقل عدة أطنان من الكوكائين للشرق الأوسط.

وهذه كانت المرة الأولى التي يتكشف فيها بوضوح وجلاء مدى العلاقات والتعاون الذي كان يربط “حزب الله” بتجار المخدرات في أميركا اللاتينية.

ومنذ ذاك الحين، استطاعت الأجهزة الأمنية الأميركية والأوروبية وأجهزة الأمن في الدول اللاتينية كشف عشرات العمليات والشبكات المعدة لتهريب المخدرات وغسيل الأموال المرتبطة بـ “حزب الله”، واعتقال مئات الأشخاص المتورطين.

وفي هذا الصدد خضعت المئات من الشركات والمؤسسات المالية والشخصيات في مختلف أنحاء العالم للعقوبات الأميركية.

وإذا نظرنا إلى مجموعة الاعتقالات والعمليات المختلفة المنفذة ضد شبكة تهريب المخدرات وغسيل الأموال الخاصة بـ “حزب الله” خلال 13 سنة الماضية؛ أمكننا استخلاص ما يلي:

إن نشاطات هذه الشبكة الدولية المعدة لتهريب المخدرات وغسيل الأموال مرتبطة بالقسم الدولي والمالي لـ “حزب الله”، والمسؤول الأساسي عنها هو عبد الله صفي الدين (ممثل حزب الله في طهران)، والذي وضعته وزارة الخزانة الأميركية على قائمة الإرهاب العالمي في عام 2018. وكان عبد الله صفي الدين يتواجد بكثرة في إيران، وخاصة في الاحتفالات والمراسم المختلفة، التي كان يعقدها الحرس الثوري الإيراني.

هاشم صفي الدين شقيق عبد الله صفي الدين هو أحد أعضاء المجلس المركزي لـ “حزب الله” في لبنان، ويملك روابط أسرية مع حسن نصر الله، وكان يساهم بشكل مباشر في تنفيذ نشاطات هذه الشبكة الدولية مع أخيه، بالتعاون مع فيلق القدس الإرهابي وقاسم سليماني.

هذه الشبكة المتفرعة تشمل المئات من المؤسسات التجارية والمالية وغرف العمليات، التي تنشط في جميع أنحاء العالم، وترتبط بمراكز عمليات أساسية موجودة في لبنان وطهران وأميركا اللاتينية وفنزويلا والمنطقة ثلاثية الحدود مع البرازيل والأرجنتين والبارغواي.

وهذه الشبكة الدولية تجني سنويًا مئات ملايين الدولارات، التي يخصص قسم مهم منها لتأمين الاحتياجات المالية الخاصة بـ “حزب الله”، وفي نفس الوقت يقوم النظام الإيراني بالاستفادة من هذه الشبكة المالية والتجارية للتحايل على العقوبات الأميركية المفروضة، وشراء المعدات النووية وتأمين الاحتياجات المالية واللوجستية للعمليات الإرهابية التي ينفذها في جميع أنحاء العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا.

ومن أجل تأمين غطاء حماية ودعم لهذه الشبكة الدولية، قام النظام الإيراني باستمالة السياسيين الفاسدين في أميركا اللاتينية لصالحه من خلال إغراقهم بالرشاوى.

الركيزة الأساسية لهذه الشبكة في أميركا اللاتينية هم المهاجرون اللبنانيون وبقية المهاجرين المسلمين المناصرين لـ “حزب الله” والنظام الإيراني.

ولهذا السبب قام النظام الإيراني و”حزب الله” بجذب هؤلاء المهاجرين، من خلال إنشاء مجموعة من المساجد والمراكز الدينية في مختلف دول أميركا اللاتينية، حتى يتمكن من جعلهم قوة مخلصة له. ولهذا السبب أيضًا، وسّع النظام الإيراني شبكاته الدينية في أميركا اللاتينية على مدار العقد الماضي. فهناك قسم مهم من هذه الفعاليات الدينية في أميركا اللاتينية تدار من قبل شخص يدعى (حجة الإسلام محسن رباني)، الذي سافر إلى الأرجنتين في عام 1983 من أجل النشر والترويج للمذهب الشيعي، وتقلد حينها منصب المستشار الثقافي للسفارة الإيرانية في الأرجنتين.

بعد العمليات الإرهابية التي نفذها النظام الإيراني، بمساعدة “حزب الله” في الأرجنتين ضد المركز اليهودي المعروف باسم (آميا)، اضطر رباني إلى مغادرة الأرجنتين والعودة لإيران، بسبب تورطه الكبير في تلك العمليات الإرهابية. وفي عام 2000 خلال فترة رئاسة أحمدي نجاد في إيران وهوغو تشافيز في فنزويلا، بدأ النظام الإيراني تنفيذ سياساته بشكل حقيقي في أميركا اللاتينية.

بدأت النشاطات الدينية بالتوسع بشكل أكبر، حيث إن قسمًا مهمًا من هذه النشاطات كانت تنفذ من قبل مؤسسة (فكر الشرق) التي عمل رباني على تأسيسها وإدارتها، وهي تتبع بشكل مباشر لمرشد نظام ولاية الفقيه خامنئي شخصيًا.

في عام 2012 أسست مؤسسة (فكر الشرق) مركز تخريج دعاة دينيين في قُم، ومهمته نشر التشيع في أميركا اللاتينية، وقد تخرج في هذا المركز أكثر من 300 داعية شيعي، وفي هذا المركز أيضًا يخضع هؤلاء الدعاة لدورات لتعلم اللغتين الإسبانية والبرتغالية، اللتين تعتبران اللغتين الرائجتين في أميركا اللاتينية، وكما يتم تعريفهم بثقافة وعادات الدول اللاتينية، حتى ينشطوا في نشر المذهب الشيعي هناك بفاعلية أكبر.

في شباط/ فبراير 2016 تم تأسيس (حوزة الإمام علي) الدينية في قُم من أجل استقبال طلاب ورجال دين قادمين من أميركا اللاتينية. وترتبط نشاطات هذه الحوزة مع (جامعة المصطفى) العالمية تحت إشراف مؤسسة (فكر الشرق)، وهناك الآن أكثر من 100 طالب لاتيني يدرسون في حوزة الإمام علي الدينية.

تلك المؤسسات الثلاث: (مؤسسة فكر الشرق، ومركز تدريب الدعاة، وحوزة الإمام علي الدينية) تعتبر المنظمات الرئيسة الثلاث المسؤولة عن توسيع النفوذ الديني للنظام الإيراني في أميركا اللاتينية.

ويقول رباني، مؤسس ومدير مؤسسة (فكر الشرق)، في حديث له منذ خمس سنوات ماضية، متباهيًا بمساعي النظام في نشر التشيع في أميركا اللاتينية: إن هناك الآن أكثر من 45 مركزًا إسلاميًا ينشط في أكثر من 21 دولة لاتينية، وأهم تلك المراكز موجودة في فنزويلا والأرجنتين والبرازيل.

وبالنظر إلى ما ذُكر، نجد أن النظام الإيراني قد جعل من أميركا اللاتينية ملعبًا خلفيًا لأعماله وأفعاله الخبيثة، ومصدر تمويل ورعاية لأذرعه المسلحة، وخاصة “حزب الله” وفيلق القدس الإرهابي، فهو يتاجر بالمخدرات هناك، ويُنشئ شركات ومؤسسات مالية بأموال قذرة يعمل على تدويرها وغسلها في النهاية لتنفيذ أهدافه ومخططاته الإرهابية، وفي الحقيقة فإن تزاوج العلاقات، بين إيران و”حزب الله” وأميركا اللاتينية، قد يخلق مخاطر تفوق التصور، يمكن أن تصل بالعالم كله إلى حد المأساة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق