تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ماذا تخبرنا سياسات واشنطن السابقة عن الأزمة الحالية مع إيران

اختار دونالد ترامب إرسال تهديداته إلى إيران عبر (تويتر)، ووجد لها مكانًا بين رسائله اليومية المعتادة، والمتعلقة بمهاجمة الإعلام والديمقراطيين، وتمجيد ما يصفه بإنجازاته غير المسبوقة اقتصاديًا، بينما على الجهة المقابلة، يبذل الإيرانيون جهدهم في انتقاء كلماتهم، منعًا لأي استفزازٍ غير محسوبٍ لترامب، أو تصعيد الأجواء عشوائيًا، فالسفن الأميركية التي تملأ الخليج العربي ليست مجرد تغريدات بالنهاية.

وترسم تغريدات ترامب شكلًا جديدًا من الصراع الإيراني الأميركي الممتد على مدى أربعين عامًا، مرّ خلالها ستة رؤساء أميريكيين على البيت الأبيض، إضافة إلى الرئيس الحالي، فكيف يمكن أن نقرأ ما يحدث حاليًا بين الدولتين، من خلال مواقف الرؤساء السابقين.

ارتبطت العلاقة الأميركية الإيرانية كثيرًا بساكن البيت الأبيض، وإن كانت العدائية هي سمتها الأساسية في الأعوام الأربعين الأخيرة، فقد اختلف شكلها ودرجاتها، ما بين صفقات أسلحةٍ إلى التعاون على احتلال الدول وتدمير حكومات، وبينهما رسائل دموية تم تبادلها عبر الاستخبارات والوكلاء.

عملية أجاكس

في عام 1953 قام الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور، بتنفيذ عملية استخباراتية معقدة “أجاكس” بالتعاون مع المخابرات البريطانية، للإطاحة برئيس الوزراء الإيراني “محمد مصدق” عبر انقلاب عسكري، وإعادة السلطة الكاملة لشاه إيران “محمد رضا بهلوي”، ويعدّ كثيرون أن عملية “أجاكس” هي السبب الرئيسي فيما آلت الأوضاع إليه في إيران، فمصدق كان صاحب مشروعٍ وطني ليبرالي، ويسعى لحكمٍ ديمقراطي لإيران، بعيدًا عن سيطرة بريطانيا وأميركا، بينما عودة الشاه على متن الدبابة الأميركية كان إيذانًا بانفلات القمع وتسلط “السافاك”، جهاز الشرطة السرية الإيرانية، على الإيرانيين.

ترحيب كارتر لم يشفع له

رحّب جيمي كارتر باستيلاء الملالي الإيرانيين بقيادة الخميني على حكم إيران عام 1979، والأوضاع في إيران كانت واضحةً أنها تتجه إلى الثورة على حكم الشاه، بل إن الوثائق التي أفرجت عنها الاستخبارات الأميركية مؤخرًا، عام 2016، تظهر تبادل رسائل بين الإدارة الأميركية والخميني قبيل عودته إلى طهران، فسيطرة الخميني على إيران وقيامه بملاحقة اليسار الإيراني، الشريك الرئيسي في القضاء على حكم الشاه، أراحت الأميركيين المتوجسين من رؤية العلم الأحمر في طهران، ولا سيّما بعد سيطرة السوفييت على أفغانستان.

الترحيب الأميركي بالنظام الجديد، ورفض واشنطن استقبال الشاه، لم يشفع لهم عند الخميني الذي احتجز موظفي السفارة الأميركية -تم احتجاز 52 مواطنًا أميركيًا لمدة 444 يومًا- وترك كارتر البيت الأبيض وخلّف أزمة الرهائن معلقة، وهكذا كانت أزمة الرهائن سببًا رئيسيًا في خسارة كارتر الانتخابات، وتم الإفراج عنهم بفضل وساطةٍ جزائرية، يوم تأدية الرئيس الجديد رونالد ريغن القسم الرئاسي.

إيران كونترا

رونالد ريغان من جهته وجد في أزمة الرهائن طريقًا لزيادة شعبيته، وبدء رئاسته بإنجازٍ أرهق الأميركيين، ومع متابعته خطّ العداء لإيران ظاهريًا، لكنه خرقَ حظر بيع الأسلحة لإيران وقام عن طريق إسرائيل بتزويد إيران بالأسلحة الأميركية، وعُرف لاحقًا بفضيحة “إيران غيت” أو “إيران كونترا”، حيث تم إطلاق سراح بعض الرهائن الأميركيين في بيروت مقابل الصفقة، وتم استخدام أموال الصفقة من قبل المخابرات الأميركية، لتمويل الميليشيات التي تعارض الحكومة اليسارية في نيكاراغوا بأميركا الجنوبية.

اتسمت فترة ريغان بالكثير من التصريحات الناريّة نحو إيران، ولكنّه على أرض الواقع كان يرفض أي تورطٍ حقيقي في مواجهة إيران، وعدّ المحافظة على الحرب القائمة في الخليج أفضل الطرق لاستنزاف النظام الإيراني، حيث قامت سياسته، في الاحتواء المزدوج، على تحقيق هدفين، عدمِ انهيار النظام الإيراني من جهة، وعدمِ فوز الأخير في حربه ضد العراق من جهة أخرى، واعتقد ريغان أن الحرب ستدفع إيران إلى حافة الانهيار، كما كانت تفعل الحربُ في أفغانستان بالاتحاد السوفييتي، وبالمقابل قامت إيران بمهاجمة أهداف أميركية عدة، أشهرها تفجير مقر المارينز في لبنان عن طريق ميليشيا حزب الله.

والجدير بالملاحظة في عهد ريغان، أن ربما تسبب، بطريقةٍ غير مباشرة، في إجبار الخميني على القبول بإنهاء الحرب ضد العراق، إذ قامت السفن الحربية الأميركية في الخليج العربي بإسقاط طائرةٍ مدنية إيرانية في تموز 1988، مما أدى إلى مقتل جميع ركابها، البالغ عددهم 290، وهو ما عدّه الإيرانيون إيذانًا بتوسّع الحرب واحتمال الدخول في مواجهةٍ مع الولايات المتحدة، مما دفع الخميني لإنهاء حربه مع العراق، ويرى كثيرون أن هذه الحادثة تجسد إحدى ثوابت النظام الإيراني، في إمكانية التراجع أمام التهديدات متى أصبحت جدّية.

هدايا بوش الأب والابن

سيحافظ جورج بوش الأب، الذي كان له دورٌ رئيسي في صفقة إيران “كونترا” على سياسة سلفه، بل أكثر من ذلك، سيقوم بفتح قنواتٍ سرّية للتواصل مع إيران، قبل المواجهة مع حاكم العراق صدام حسين، التي سُميت بحرب الخليج الثانية، وسيتابع بيل كلينتون بعد بوش الأب حصار العراق، وتجنب التصعيد مع إيران التي كانت بكل الأحوال غير قادرة على إخفاء غبطتها بما يحصل في العراق، بل إن العلاقات الأميركية ستشهد تحسنًا ملحوظًا مع تولي خاتمي الإصلاحي رئاسة إيران، لكن الهجوم الإرهابي على أبراج نيويورك في مطلع الألفية الثالثة أعاد تشكيل العلاقة فجأة ومن دون توقع.

التغيير الكبير في المنطقة الذي جاء مع قدوم جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض، واجهته إيران بمزيد من الحذر والترقب، ودخلت إيران الألفية الثالثة وهي بأفضل أحوالها، وقام خامنئي بالتنديد علنيًا بهجمات سبتمبر، ومنحت إيران بوش الإبن كلَّ ما يريد من تعاونٍ إبّان غزوه لأفغانستان، ومرة أخرى، وعلى الرغم من ضم بوش إيران مع العراق وكوريا الشمالية في ما سماه بـ “محور الشرّ”، تعاونت إيران مع الإدارة الأميركية في غزو العراق، وقامت إيران باستغلال الفوضى للتسلل إلى العراق من باب الميليشيات الشيعية، لتكون لها الكلمة الأولى في العراق.

أوباما يحقق لإيران ما تحلم به

يمكن القول أن إدارة بوش الابن أهدت إيران ما كانت تطمح إليه منذ استيلاء الخميني على طهران، وهو النفوذ الإقليمي الذي تعدّه إيران حقاً لها بسبب حجمها وقوتها، وبالتالي خلّصها بوش من العراق الذي كان يشكل العقبة الكأداء في وجه طموحات إيران، بل إن بوش سهل لها السيطرة على العراق، الذي خاضت معه من قبلُ حرباً شرسة، امتدت على ثمان سنوات من دون تحقيق أي نتيجة.

مع قدوم باراك أوباما إلى البيت الأبيض كانت إيران تسعى بوضوحٍ لرفع العقوبات المفروضة عليها، وكان ملفها النووي عائقاً كبيراً، ولكن طهران كانت ترفض التنازل من دون تلقي الثمن المناسب، وهو، كما تراه، الاعتراف بدورها الإقليمي ووزنها الذي تدّعيه، ومع سعي أوباما المحموم لعقد الاتفاق، وجدت إيران فيه ضالتها أخيراً. فوسّعت من نفوذها الإقليمي، وباتت أكثرَ جرأةً على التدخل في دول المنطقة، وهكذا غادر أوباما البيت الأبيض مع سيطرةٍ إيرانية على أربع أنظمةٍ عربية على الأقل، هي العراق وسوريا واليمن ولبنان.

براغماتية

في التصعيد الحالي بين ترامب وإيران يتفق معظم الباحثون على أن لا حرب قادمة بينهما، ولكنهم وبالوقت نفسه الذي يسهبون فيه بذكر البراهين على صحة تحليلاتهم، يُجمعون كذلك على اختتام تحليلاتهم بأن هناك احتمال أن يؤدي فعلٌ خاطئ من أحد الجانبين للانزلاق نحو مواجهةٍ جدية، وربما إلى حربٍ مدمرة، ولا سيّما أن المنطقة أصبحت تعج بالجيوش، بالإضافة لحروب قائمة أساسًا في دول عدة بالمنطقة، بل تتواجد قوات أميركية وإيرانية، أو ميليشيات تمثل الأخيرة، في ثلاث دول منها، جنبًا إلى جنب، هي سورية والعراق وأفغانستان.

ولكن الفروق في نهج ترامب واضحةٌ عن مَن سبقه، فهو كما يبدو لا يسمح لإيران باللجوء، كما فعلت سابقًا، إلى شن عملياتٍ يمكن نكرانها ضد المصالح الأميركية، فالتحرك العسكري الأميركي وإصدار التحذيرات بأن أي استهداف للمصالح أو الجنود الأميركيين في المنطقة، عن طريق وكلاء إيران، يُعدّ اعتداءً إيرانيًا، وبالتالي لن تتأخر الولايات المتحدة في الرد، وتُسحب من يد إيران طريقتها المعتادة في الرد، عن طريق أدواتها.

من جهة أخرى، يُثبت التاريخ أن الطرفين قادران على التعايش في وسط الأجواء المتوترة، وتجنّب كلّ منهما الآخر، لكن الجديد في هذا الاتجاه، هذه المرة، هو تضييق الخناق الاقتصادي على إيران، وتهديدها بأهم مورد اقتصادي لها، وهو النفط، وبالتالي هذا يضمن لترامب تضييق الخناق بشكل فعلي على إيران وحشرها في الزاوية، ولا يبقى لها من طريقٍ إلا التفاوض مع ترامب، وهو ما يبدو، بحسب تصريحات مسؤوليها، مستبعدًا.

لكن، ومرة أخرى، تاريخ النظام الإيراني يثبت أنه لا ثوابت في سياسته الخارجية إلا الحفاظ على نفسه، ولا قيمة فعلية لما يسميه بالثوابت أمام الأخطار الحقيقية، كما فعل خميني جليًّا من قبلُ، والإدارة الأميركية تعلم ذلك تمامًا، بل وتراهن عليه كما يبدو.

هذه البراغماتية لطالما كانت وسيلة إيران للهروب دوماً في اللحظة المناسبة، فهل اقتربت هذه اللحظة وهل تنوي أميركا أساساً الوصول إلى هذه اللحظة؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق