تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لماذا يجب استبدال دستور سورية الحالي كليًا؟

في مطلع عام 2012 وضع النظام السوري دستورًا جديدًا لسورية، وكانت مدافعه تقصف المدن السورية، وتقتل المدنيين بالجملة، وبدلًا من أن يكرّس هذا الدستور التعددية السياسية والديمقراطية كما كان يرغب السوريون، كرّس سلطة الرئيس القائد المُطلق للدولة والمجتمع ومنحه صلاحياتٍ مطلقة.

قام النظام السياسي في سورية، منذ استلام الرئيس حافظ الأسد الحكم، على مبدأ قيادة حزب البعث، الحزب الحاكم، لكل شيء، وتكرّس ذلك في دستور عام 1973، حيث نصّت المادة الثامنة منه على أن حزب البعث “هو الحزب القائد للمجتمع والدولة”.

وفق هذه المادة، كان رئيس الجمهورية بعثيًا، ورئيس الحكومة بعثيًا، ورئيس مجلس الشعب بعثيًا، وكان ضباط الجيش والأمن والشرطة والمحافظون ورؤساء النقابات المهنية والمنظمات الشعبية وعمداء الكليات في الجامعات ومعظم مدراء المدارس بعثيين، بالإضافة إلى أن غالبية القضاة والوزراء وأعضاء مجلس الشعب والمدراء العامّين في مؤسسات الدولة وشركاتها من البعثيين، نزولًا حتى المخاتير.

استفراد في الحكم

عمليًا استمر الأمر على هذا المنوال 39 عامًا رغم المطالبات المستمرة بضرورة إلغاء هذه المادة، وأهمية إطلاق حرية العمل السياسي في البلاد، لكن القيادة السورية رفضت أيّ تعديلٍ في هذه السياسة.

عدّ دستور الأسد الأب أن أهداف المجتمع السوري هي “الوحدة والحرية والاشتراكية” وأن البلاد جزءٌ من “اتحاد الجمهوريات العربية” وأن الشعب السوري هو “جزء من الأمة العربية” ونصّ على وجوب كون الرئيس “عربيًا سوريًا” باستبعادٍ صارخ لبقية مكونات الشعب، ونصّب حزبَ البعث محتكرًا للحياة السياسية، من خلال كونه الحزب القائد للدولة والمجتمع، وأوضح أن رئيس الجمهورية تُرشحه القيادة القطرية لحزب البعث للاستفتاء، من دون وجود أي مرشحٍ آخر، وعدّ أن السياسة الاقتصادية للدولة هي سياسةٌ اشتراكية.

أغلب مواد ذلك الدستور المتعلقة بالحريات العامة لم تُنفّذ، ففي ظل سريانه أُدينت الحكومة السورية بارتكاب جرائم قتلٍ وتعذيب ضدَّ المعارضين، وغيرها من انتهاكات لحقوق الإنسان المحرّمة دستوريًا ودوليًا، ومنذ أن أُقرّ الدستور تم تكبيله بقوانين أخرى، من أهمها قانون الطوارئ المعلن منذ 1963، وقانون حماية الثورة، وقانون المحاكمات العسكرية، ومحكمة أمن الدولة التي تعتقل وتحكم دون الرجوع إلى القضاء العادي، وأخيرًا قانون 49 لعام 1980 الذي يقضي بإعدام كل منتسب للإخوان المسلمين.

مع اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وليبيا تصاعدت وتيرة المطالبة بالإصلاحات السياسية في سورية، قبل أن تتحول من انتفاضة على الواقع السياسي والاجتماعي إلى ثورة عارمة، واعتقد النظام السوري أنه بإطلاقه وعود خلّبية بتحقيق إصلاحات سياسية يمكن أن يُخمد الثورة، فأعلن عن إلغاء حالة الطوارئ، لكنّه أصدر (قانون الإرهاب) الذي يُعدّ أكثر سوءً من سابقه، كما أصدر قانونًا للأحزاب السياسية وآخر للانتخابات، وثالثًا للإعلام، لكنه فصّلها وفقًا لما يناسبه، كما أعلن عن استعداده لتعديل الدستور وإلغاء المادة الثامنة منه، لكن ذلك لم يوقف الاحتجاجات التي ارتفعت وتيرتها وارتفع سقفها إلى حد المطالبة بإسقاط النظام بكامل رموزه.

بداية خاطئة

أمام هذا الواقع كان لا بدّ للنظام السوري من الإعلان عن تشكيل لجنةٍ رئاسيةٍ لصياغة مسودة دستورٍ جديد، وأنجزت اللجنة مشروع الدستور، وفي شباط/ فبراير 2012 دعا النظام إلى الاستفتاء على دستورٍ جديدٍ للبلاد، ضاربًا بعرض الحائط الوضع الأمني والإنساني المتردي في سورية في ذلك الوقت، وفارضًا دستورًا جديدًا وضعته مجموعةٌ من الشخصيات الموالية له بالمطلق، ولم يُطرح للنقاش العام، فنتج دستورٌ منح الرئيس كل الصلاحيات التي يمكن أن يتخيلها إنسان.

يُعدّ الدستور الأخير خامسَ دستورٍ دائم لسورية، منذ أن وُلدت الدولة بمفهومها الحديث عام 1920، وكان الدستور المعمول به قد صدر بطريقة مشابهة عبر لجنةٍ خاصة، ثم جرى الاستفتاء عليه، أما دستور عام 1928 ودستور عام 1950 فقد وضعتهما جمعيةٌ تأسيسيّة منتخبة ديمقراطيًا.

قاطعت المعارضة السورية بكافة تشكيلاتها وقواها الاستفتاءَ بشكل كامل، ولم تشارك إلا نسبةٌ ضئيلة جدًا في الاستفتاء، وشددت المعارضة على أن وضع دستورٍ جديد لسورية يجب أن يأتي ضمن منظومةٍ كاملة وشاملة يشارك في رسمها الجميع لإعادة تشكيل مجتمعٍ ديمقراطيٍ تعدديٍ تداولي.

صلاحيات استثنائية

منح دستور 2012 صلاحيات واسعة جدًا للرئيس، أكثر من أي ملك في العصور الوسطى، حيث تنص المادة 88 بأنه يتولى تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه وتسمية الوزراء ونوابهم وقبول استقالتهم وإعفاءهم من مناصبهم، كما تنص المادة 98 بأن الرئيس يضع السياسة العامة للدولة، ويشرف على تنفيذها، وهو الذي يُعلن الحرب ويعقد الصلح، وتخوله المادة 103  الحق بإعلان حالة الطوارئ وإلغائها، والمادة 104 تعطيه الحق باعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى الدول الأجنبية، وتضعه المادة 105 قائدًا للجيش والقوات المسلحة، كما تمنحه المادة 106 الحق بتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين وإنهاء  خدماتهم، كما تمنحه المادة 111 حقّ حلّ مجلس النواب، وأن يتولى السلطة التشريعية بدلًا من مجلس النواب، وتؤكد المادة 150 على حقه في اقتراح تغيير الدستور بموافقة نسبةٍ من أعضاء مجلس النواب، وبالإضافة إلى هذه المواد، فقد عدّ الدستور رئيس الجمهورية غير مسؤولٍ عن أعماله في إطار ممارسة صلاحياته.

بالخلاصة، جمع هذا الدستور كل السلطات، التي من المفروض أن تكون مستقلة، في يدي الرئيس، ولم يتم تقييد سلطاته بشيء، ولا دورَ للأغلبية البرلمانية بشيء، والأكثر سخريةً أنه في الدستور هو رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يمكن أن يحاسبه، وهو الذي يعيّن أعضاءه.

التغيير الكلي

لا يسمح الدستور السوري للشعب بالمشاركة بصنع مستقبله، بل يعدّه مجرد متلقٍّ يجب عليه دائمًا أن يكون شاكرًا لكل ما تعطيه له السلطة من فتات، بعدّه مَكرُمةً ومنحة، كما يضمّ الكثير من المواد الضبابية وغير الواضحة، كاكتفائه بالقول: إن سورية جمهورية ديمقراطية، من دون بيان إن كانت ديمقراطيةً نيابيةً أم شعبية، كما صمت عن فترة إيداع القوانين لدى رئاسة الجمهورية من دون ردّها أو إصدارها، وهذا يعني إمكانية تعطيل الرئيس لأي قانون لا يريده.

كذلك ضم الدستور مفارقاتٍ لا يحويها أي دستورٍ آخر في العالم، فهو أول دستور في العالم فُصّل على مقاس الرئيس الحالي، وأشار له ضمن مواد الدستور، وأكّد على حقّه بالترشح للانتخابات المقبلة لدورتين مقبلتين، كما أنه الدستور الوحيد الذي أتبع سلطات الرقابة والتفتيش والرقابة المالية لنفس الجهة التي تخضع للرقابة، كما أن صلاحيات الرئيس الواسعة والمفتوحة تضرب مبدأ فصل السلطات الذي ورد في الدستور نفسه.

لقد أسّس دستور 2012 للانتقال من مرحلة الحكم الشمولي إلى مرحلة الحكم الدكتاتوري، أي الانتقال من مرحلة حكم الحزب الواحد إلى مرحلة حكم الشخص الواحد، ونقل سورية إلى حقبة سلطة الرئيس – الإمبراطور.

صار ملحًا أن يتم تغيير الدستور كليًا، من جذوره، وبدء مرحلة انتقالية، وتشكيل  هيئة حكم انتقالي، تعمل على مشروع دستورٍ يُعرض على الاستفتاء العام، ويتضمن  قوانين لانتخاباتٍ رئاسيةٍ جديدة، إلى حين الوصول إلى مرحلة تشكيل حكومة ديمقراطية تضع دستورًا جديدًا، وتُشرف على مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية، وتُخرج سورية من مستنقعها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق