تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما دور خامنئي في إدارة الأجهزة الاستخبارية الإيرانية؟

في 18 مايو/ أيار 2019، تطرقت وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري الإيراني، إلى الحديث عن إجراء تغييرات في بنية مخابرات الحرس الثوري بأساليب وتعابير متفاوتة، الأمر الذي زاد من الغموض الذي يلّف، أساسًا، جهاز مخابرات الحرس الثوري،

فوكالة أنباء (تسنيم) نشرت خبرًا مفاده: “بقرار من قائد قوات الحرس، يُعين حسين طائب مسؤولًا عن مخابرات الحرس الثوري”، ولكن (وكالة أنباء فارس)، وموقع (مشرق نيوز) الإيراني كتبا: بحضور القائد العام لقوات الحرس، تم “تقديم” حسين طائب مسؤولًا عن مخابرات الحرس الثوري.

كلمة “تقديم” في الخبر الأخير، تشير إلى أن القائد العام للحرس الثوري لم يكن هو من أصدر قرار التعيين، وكانت هناك عبارات مهمة أخرى أيضًا تتعلق بالموضوع نفسه، أي حدوث “تغييرات في بنية مخابرات الحرس الثوري”.

اللافت في الأمر، أن وسائل الإعلام المرتبطة بالحرس الثوري لم تتحدث عن حدوث تغييرات في بنية مخابرات الحرس الثوري، ولكن وكالة أنباء (تسنيم) كتبت خبرًا، تم حذفه بعد فترة قصيرة، يقول: تم دمج معاونية “المخابرات الاستراتيجية” للحرس الثوري في منظمة مخابرات الحرس الثوري، وتعيين حسن محقق، النائب السابق للمخابرات الاستراتيجية الخاصة بالحرس الثوري، نائبًا لرئيس مخابرات الحرس الثوري (أي نائبًا لحسين طائب)، الأمر الذي يشير بوضوح إلى حدوث تغييرات عميقة في بنية مخابرات الحرس الثوري.

قبل الخوض في موضوعنا الأساسي، لابد لنا من المرور -وإن كان سريعًا- على البنية الهيكلية لمخابرات الحرس الثوري.
هذه المنظمة التي لطالما التفّت حولها وحول مسؤوليها هالة كبيرة من الغموض في وسائل الإعلام الإيرانية والعالمية.

البنية الهيكلية لمخابرات الحرس الثوري:

“منظمة مخابرات الحرس الثوري”، إلى جانب “منظمة حماية مخابرات قوات الحرس”، و”حماية الحرس”، تعدّ واحدة من أصل ثلاث منظمات فرعية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، التي تتولى تنفيذ المهام الأمنية- الاستخبارية الخاصة بقوات الحرس الثوري داخلياً وخارجياً.

أولًا – منظمة مخابرات الحرس الثوري

منظمة مخابرات الحرس الثوري مسؤولة عن تنفيذ المهام الأمنية- الاستخبارية الخاصة بالحرس الثوري عمومًا.

ثانيًا- منظمة حماية مخابرات الحرس الثوري:

مسؤولة عن تنفيذ المهام الأمنية- الاستخبارية خارج الحرس الثوري، مثل مواجهة الجاسوسية، ومنع دخول التيارات غير المتوافقة مع سياسات الحرس الثوري، ومنع وصول المعلومات السرية إلى خارج الحرس الثوري، والقيام بالإشراف السياسي والأمني على قادة وموظفي الحرس الثوري أيضًا.

ثالثًا – حماية الحرس الثوري:

تتألف من ثلاثة أجهزة استخبارية:

أولًا: جهاز أمن الطيران في قوات الحرس الثوري، يتولى مسؤولية مواجهة عمليات الاختطاف، والأعمال السرية التي تستهدف الطائرات والمطارات.

ثانيًا: جهاز أنصار المهدي التابع للحرس الثوري، يتولى مسؤولية حماية المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى باستثناء خامنئي.

ثالثًا: جهاز ولي الأمر التابع للحرس الثوري، يتولى مسؤولية حماية المرشد الإيراني خامنئي.

لمحة عن منظمة مخابرات الحرس الثوري:

تُعدّ منظمة مخابرات الحرس الثوري مؤسسة استخبارية حديثة نسبيًا، لأن تشكيل هذه المنظمة تم في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2009 حيث تم الإعلان عنها رسميًا.

وبالطبع قبل هذا التاريخ، كثيرًا كان يُذكر اسم مخابرات الحرس الثوري على وسائل الإعلام، وفي تصريحات الخبراء والنشطاء السياسيين، ولكن يجب الالتفاف إلى نقطة هامة، وهي أنه قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2008، كان لدى قوات الحرس الثوري جهة مسؤولة عن القيام بالعمليات الاستخبارية والأمنية، وكانت تتم الإشارة إليها في وسائل الإعلام بمخابرات الحرس الثوري.

هذه الجهة الاستخبارية المذكورة تحولت بعد انتخابات عام 2009 إلى منظمة استخبارية جديدة، قِيل بأنها تتبع مباشرة للمرشد الإيراني خامنئي.

وهي منظمة تتمتع بصلاحيات أكبر من وزارة المخابرات الإيرانية الرسمية، لأنها، خلافًا لوزارة المخابرات الرسمية، لا تتبع للرئيس الإيراني، ولا يملك البرلمان الإيراني صلاحية إحضار رئيسها للاستجواب في جلسات البرلمان، وفي الوقت نفسه، كانت منظمة مخابرات الحرس الثوري تتدخل مباشرة في عمل وزارة المخابرات الإيرانية ومجال عملها ومسؤولياتها.

وفقًا للأخبار والتقارير المختلفة، التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية سابقًا، فإن حسين طائب، الذي تم تقديمه في خبر (وكالة أنباء فارس) مسؤولًا عن مخابرات الحرس الثوري، تولى رئاسة هذه المنظمة منذ تأسيسها حتى الآن، ولكن بغض النظر عن تعقيد البنية الهيكلية لمخابرات الحرس الثوري والغموض المحيط بها، هناك سؤال مهم يطرح نفسه الآن، وهو: من هو الشخص الأول المسؤول عن الإدارة، والإشراف على منظمة مخابرات الحرس الثوري؟!.

للوصول إلى جواب محتمل ومقارب للصحة والدقة، يمكننا العودة إلى البحث في بعض التقارير السابقة، التي نُشرت على وسائل الإعلام الإيرانية المقربة من النظام والحرس الثوري الإيراني:

أولًا: على الرغم من أن قانون تشكيل وزارة المخابرات الإيرانية الرسمية، الذي تم إقراره في شهر آب/ أغسطس 1982، والذي ينصّ على أن رئيس منظمة “حماية مخابرات الحرس الثوري” يتم تعيينه من القائد العام للحرس الثوري، لكن البحث في تاريخ التعيينات الصادرة عن خامنئي، يشير إلى أنه في عام 1994 قام بتعيين مرتضى رضائي، رئيسًا لمنظمة حماية مخابرات الحرس الثوري.

كما أن القانون التأسيسي لوزارة المخابرات الإيرانية الرسمية ينص على أن رئيس “منظمة حماية مخابرات الجيش الإيراني” يتم تعيينه من رئيس “الهيئة المشتركة للقوات المسلحة”، ولكن تاريخ التعيينات في هذه المنظمة يشير إلى تدخل خامنئي في تعيين رؤساء هذه المنظمة، خلال المدة الممتدة بين عام 1998 وعام 2005، حيث تم تعيين ثلاثة رؤساء لهذه المنظمة من خامنئي شخصيًا.

وبالعموم، جرى تعيين أغلب قادة ورؤساء المنظمات الاستخبارية في الجيش الإيراني وقوات الحرس الثوري بقرار من خامنئي شخصيًا، وذلك حتى عام 2005 تقريبًا، وهذا النهج يمكن أخذه كوثيقة ومستند تثبت أن رئيس منظمة مخابرات الحرس الثوري يجري تعيينه من خامنئي شخصيًا.

ثانيًا: إن البحث في القرارات والتعيينات، التي صدرت عن خامنئي سابقًا، داخل الحرس الثوري والجيش الإيراني، تشير إلى أن أغلب المناصب الحساسة والمهمة يتم إيكالها لأشخاص، وفقًا لأحكام يصدرها المرشد الإيراني، مثل نائب القائد العام للحرس الثوري والجيش الإيراني، ورئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية في الجيش، ورؤساء المنظمات الدينية- السياسية في الحرس الثوري والجيش، جميعهم يتم تنصيبهم من خامنئي.

ونظرًا للأهمية التي احتلتها “منظمة مخابرات الحرس الثوري”، وبخاصة خلال العقد الماضي، فلا بدّ أن قرار تعيين رئيسها يصدر من خامنئي شخصيًا.

ثالثًا: أحمدي نجاد الرئيس الإيراني السابق كان معارضا لتعيين حسين طائب رئيسًا لمنظمة مخابرات الحرس الثوري، وذلك وفقًا لفيديو موثق نُشر في تاريخ 17 أيلول/ سبتمبر 2018، ولكن، خلافًا لرغبة أحمدي نجاد، تم إعطاء حسين طائب، حينها، صلاحيات تامة وكاملة في إدارة هذه المنظمة.

إن إعطاء صلاحيات تامة لمسؤول استخباري إيراني لا يمكن أن يتم بقرار من أحد قادة الحرس الثوري الإيراني الرفيعين، ويتطلب ترخيصًا أو إذنًا من خامنئي، صاحب الصلاحيات المطلقة في حكومة ولاية الفقيه في إيران.

رابعًا: محمود علوي، وزير المخابرات الإيراني، يقول في جلسة علنية للبرلمان الإيراني، موثقة بتاريخ 22 تموز/ يوليو 2018: “المرشد الإيراني يؤكد دائما على رفع مستوى التنسيق والتعاون بين الأجهزة الاستخبارية ومخابرات الحرس الثوري”.

إن هذه الجمل والعلامات تشير إلى تدخل خامنئي بشكل محوري في الإدارة والإشراف على الأجهزة الاستخبارية في إيران عمومًا، وفي عمل منظمة مخابرات الحرس الثوري الإيراني خصوصًا،

وفي الوقت نفسه، نجد أن خامنئي يتجنب استصدار الأحكام والقرارات العلنية في هذا الحيز الاستخباري الغامض، والظهور كمشرف عام عن هذه الأجهزة، في حين يتدخل خفيًا في ما يعدّ من الصلاحيات الأولية لقادة الحرس الثوري، كتعيين رؤساء الأجهزة الاستخبارية الحساسة.

على الرغم من أن خامنئي يملك دورًا مباشرًا في إدارة الأجهزة والمؤسسات الاستخبارية الإيرانية المختلفة، فهو يميل لتجنب ظهوره العلني فيها، وذلك من أجل أن يتملص من تبعات فضائحها المحتملة، فهو يستخدم الأجهزة الاستخبارية الإيرانية المختلفة، وبخاصة مخابرات الحرس الثوري، كسيف يضرب به خصومه في الخفاء، وكدرع يحمي به نفسه ونظامه من الأخطار الداخلية والخارجية المحتملة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق