تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أميركا وإيران.. رسائل متبادلة وصفقات خفية

في زيارةٍ أجراها الرئيس دونالد ترامب إلى اليابان، 25 أيار/ مايو الحالي، تحدّث خلال مؤتمر صحفي عن إمكانية إجراء محادثاتٍ مع إيران، وقال: “أعتقد أن إيران لديها الرغبة في الحوار”، وقد مثّلت هذه الكلمات مدخلًا للرسالة التي سيحملها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، خلال زيارته المقبلة إلى إيران، وصرح الأخير على هامش اللقاء، بأن بلاده ستفعل ما بوسعها لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. وفعليًا دخلت اليابان على خطّ الوساطة في الأزمة الأميركية – الإيرانية، إلى جانب العراق والكويت وعُمان ودول الاتحاد الأوروبي، في السعي لنزع فتيل الحرب، وتذليل العقبات بين طرفي الصراع، بهدف جلبهما إلى طاولة المفاوضات، وتجنيب المنطقة ويلات حربٍ تدميرية، قد تُعيد إلى الأذهان حقبة الثمانينيات.

في المقابل، طرح وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، خلال زيارته لبعض دول مجلس التعاون الخليجي (عُمان، الكويت، قطر) مشروع “معاهدة عدم الاعتداء“، ويقصد به رغبة طهران في توقيع معاهدة أمنيّة مع دول الخليج، بهدف الحفاظ على أمن الخليج من الاعتداءات والأخطار الأمنية، التي تهدد أمن الملاحة التجارية الدولية في مياه الخليج، على أن تكون إيران صاحبة القوة، والمتحكمة في مسار الأخطار وردعها، وبإشراف الولايات المتحدة، وقد جاءت هذه المبادرة بعد تصاعد الأخطار على المنشآت النفطية الإماراتية والسعودية، وبعد إعلان الإدارة الأميركية إرسالها 1500 جندي إلى منطقة الشرق الأوسط، ودعمهم بمنظومات دفاع جوي، وبطاريات (باتريوت)، وكانت قبل ذلك أرسلت حاملة الطائرات (أبراهان لينكولن) وقاذفات B 52، وسفينةً حربيةً (أيواس أس أرلينغتون) إلى مياه الخليج العربي، بهدف ردع إيران، وفقًا  لادّعاء تلقيّها معلومات استخبارية، تنمّ عن نية طهران استهداف مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وتزامن ذلك مع دعوة ظريف، وبعد استشعار النظام في طهران، باعتراف الرئيس روحاني، بدء ظهور الآثار السلبية للحصار الخانق المفروض على بلاده من قِبل إدارة ترامب، ولا سيّما أن الأخير أعلن في 2 أيار/ مايو، وقف الاستثناءات الممنوحة للدول الثمانية، في تعاملاتها التجارية النفطية مع إيران، وقد أعلنت رسميًا تركيا والهند والصين، إيقافها التعامل النفطي مع إيران، التزامًا بعقوبات ترامب، إضافة إلى أن طهران بدأت تشعر بخذلان دول الاتحاد الأوروبي تجاهها، إذا لم يستطيعوا تنفيذ سلسلة الوعود التي تنص على تعهدهم بحماية القطاعات النفطية الإيرانية من العقوبات الأميركية، وهذا ما يفسر توجيهها إنذارًا أخيرًا لهم، بمهلة ستين يومًا، حذرت فيه إيران من مغبة عودة تصنيعها السلاح النووي، عبر رفع تخصيب اليورانيوم، والماء الثقيل.

قد تكون مبادرة ظريف في الدعوة إلى توقيع “معاهدة عدم الاعتداء على دول الجوار” مؤشّرًا ورسالة إلى واشنطن، تُفصح عن نيّة طهران فتح حوار جدّي مع الإدارة الأميركية، من باب الاتفاق النووي، وبمعادلة التكافؤ والتعاون الإقليمي بين طهران والدول العربية، على عدِّ هذه الدول محسوبةً على الحماية الأميركية، وإن صدقت النيات الإيرانية، فهي عمليًا تكون قد قامت بتوظيف مُهددات الأمن الخليجي لمصلحتها، الأمر الذي يعني أنها ضالعةٌ ضمنيًا في صنع تلك الأخطار ورفع منسوبها، وعلى الرغم من أن الغموض يشوب، حتى اللحظة، مسبب استهداف السفن النفطية في ميناء الفجيرات، ومحيط السفارة الأميركية في بغداد، فإن كلّ المؤشرات تشير إلى أن طهران ووكلاءها في اليمن والعراق هم الذين يقفون وراءها.

تعمل إيران على اختبار “سياسية الردع الأمني”، وهي ترى أن استعراضها بعض عناصر القوة في المنطقة، سيقودها إلى تحقيق سياسية توازنٍ مع سياسات التصعيد العسكري لدى ترامب، وبالتالي ستتأكد من نجاعة استراتيجيتها لحظة تبريد حدّة العداء مع أميركا، وبالفعل يبدو أن الرسائل المتبادلة وصلت إلى كلا الطرفين، فبعد نحو أسبوعين من التصعيد، وتطبيق ترامب استراتيجية الخنق القصوى، التي بدأت مع انسحابه من الاتفاق النووي، في 8 أيار/ مايو 2018، وصولًا إلى فرضه عقوباتٍ على قطاع الصلب والمعادن الإيراني، بدأ الطرفان يُعربان عن عدم نيتهما الدخول في مواجهة، والجدير هنا التنويه إلى طبيعة الانقسام الحاصل داخل الإدارتين، ففي أميركا تيارٌ متشدد يتزعمه جون بولتون بمساندة وزير الخارجية مايك بومبيو، وكلاهما يدفع في اتجاه الحرب على إيران، وتيارٌ ثان بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وبعض الأعضاء يرون أن لا حاجة لانزلاقٍ في حرب مباشرة، ويُعدّ هذا الرأي أكثر تلاؤمًا مع توجهات ترامب، الذي أطلق منذ حملته الانتخابية وعودًا، كان أهمها تخفيف التواجد الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وتغيير سلوك إيران من دون الحاجة إلى إسقاط النظام.

أما في إيران فمن الواضح أن هناك تيارًا متشددًا يتزعمه المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، وهؤلاء يرفضون التفاوض مع أميركا تحت بند التهديد، ويرون أن العودة إلى المفاوضات تستلزم تجميد العقوبات أولًا، وفرض احترامٍ متبادل، أما التيار الثاني فمعتدل، ويمثله الرئيس روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، وهؤلاء ما يزالون يحلمون بعودة ثمار الاتفاق النووي، الذي حصلوا عليه في عهد الرئيس السابق بارك أوباما، ومنه بدا هذا التيار أكثر مرونةً من التيار المتشدد تجاه عودة فتح الحوار، على الرغم من كلّ الضغوط والأزمات التي عصفت بالداخل الإيراني منذ بدء سريان العقوبات، وهنا يبدو واضحًا الصراع بين هذين التيارين، داخل إيران، ومن المرجح تصاعد وتيرة الصراع، لدرجةٍ قد تصل إلى تغييرٍ في بنية النظام الإيراني، بتأثيرٍ من مرشد الثورة علي خامنئي، لأنه الرئيس الفعلي للبلاد.

بالمجمل، على الرغم من فرض طرفي الصراع أجواءَ حربٍ خليجية رابعة، لكن الثابت هو اتفاقهما على عدم الانزلاق إلى حرب مباشرة، فأميركا تنظر إلى التصعيد العسكري، على أنه وسيلة ردعٍ ضرورية، لعدم السماح لطهران باختراق العقوبات أو الالتفاف عليها، بهدف إجبار إيران على توقيع اتفاقٍ شاملٍ لبرامجها الصاروخية والنووية، في حين تحاول طهران المحافظة على إنجازاتها، التي تمتد لعقدين من الزمن، ولديها بالٌ طويل، وصبرٌ استراتيجي في التحكم بمسار العقوبات وخلق البدائل، من دون حاجتها إلى خوض حرب شاملة مع أميركا.

وأمام هذه المعادلات، يبدو أن هناك أطرافًا ثالثة قد تتحمل فاتورة هذا التصعيد، فإذا نفينا حدوث حربٍ شاملة، فإن دول الخليج ستكون الخاسر الأكبر، حيال أي مقاربة جديدة وتفاهم قد يحدث بين إيران وأميركا، وأُولى الخسائر تكمن في شرائها أسلحةً بقيمة 8.1 مليار، كخطوة أولى، إضافة إلى تحديد اتجاه المضي قدمًا نحو “إسرائيل” ومقاسمتها حالة العداء الافتراضي مع إيران، وتدشين المراحل الأخيرة أمام “صفقة القرن”، التي ستُعلن تفاصيلها بعد رمضان، وفقًا لكلام جاريد كوشنر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق