ترجماتسلايدر

فظائع سورية الكثيرة

الأسد أو نحرق البلد

كيف دمّرت شهوة عائلة واحدة للسلطة سورية (للكاتب سام داغر)

“نهاية بشار الأسد الاغتيال!” صرخ رجل كان يركب دراجة نارية مارًا أمام مناف طلاس، وهو جنرال سوري يعيش في المنفى، كان ذات يوم عضوًا في الدائرة الداخلية للأسد، حيث كان يجلس في مقهى في الهواء الطلق في باريس عام 2017. كان طلاس، صديق الطفولة لبشار الأسد، قد فرّ من سورية قبل خمس سنوات، منددًا بأعمال الحكومة التي توقع بأن تسقط في أي لحظة. ربما كانت صيحة راكب الدراجة تشير إلى أن هذه النتيجة كانت في متناول اليد في النهاية، لكن طلاس استقبل الأخبار بابتسامة غير مريحة. “هذا علي، الرجل الذي أشتري الصحف منه. يقول لي هذا في كل مرة أراه”،  قال لـ سام داغر، مؤلف كتاب “الأسد أو نحرق البلد”.

كان طلاس، المصدر الرئيس لهذه الرواية عن عائلة الأسد الموجودة في السلطة منذ نصف قرن، وواحدًا من الكثيرين الذين قللوا من شأن قوة النظام بعد بدء انتفاضة الربيع العربي في سورية عام 2011. هدد أحد المتمردون الأسد في خطاب تلفزيوني في العام التالي، قائلًا: “جايينك”. هاجمت قوات المعارضة دمشق وحلب، أكبر مدينتين، وافترضت الحكومات الأجنبية أن الأسد كان في طريقه إلى الرحيل، وناقش بكثافة أفضل مكان له للذهاب -أفريقيا أو أميركا الجنوبية- بعد تنحيه. وطمأنت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية، أكثر من 100 وزير خارجية اجتمعوا في باريس صيف عام 2012 بأن هناك “مسيرة ثابتة لن تتوقف حتى إنهاء النظام”.

تحولت المسيرة إلى الاتجاه الآخر: أعاد الأسد ونظامه تأكيد قبضتهما تدريجيًا، واليوم يسيطران على معظم البلاد، باستثناء الشمال الشرقي المكتظ بالسكان، والذي تحكمه القوات التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، والجيب الكبير حول إدلب في الشمال الغربي تحت سيطرة مجموعات على غرار القاعدة. لم يكن النظام ضعيفًا تمامًا كما كان يبدو للعالم الخارجي: فهو وحشيٌّ تمامًا، ومستعدٌ لقتل أي شخص يقف في طريقه، ولديه قيادة متماسكة توحدها القرابة، وحافظ على ولاء الوحدات الأساسية للجيش والمخابرات (الشرطة السرية)، التي كان يقودها في كثير من الأحيان أفراد من الطائفة العلوية، قرابة مليوني شخص، وجدوا أنفسهم يقاتلون ليس فقط للحفاظ على السلطة، ولكن من أجل وجودهم ذاته.

لم تتغير الوسائل التي استخدمها النظام لهزيمة أعدائه كثيرًا منذ استولى حافظ الأسد، وهو جنرال علوي في سلاح الجو، على السلطة عام 1970. يصف داغر بالتفصيل سحق انتفاضة في حماة، المدينة السنّية عام 1982 من خلال عمليات القصف والإعدام الجماعي (وهي أساليب مشابهة تمامًا لما حدث في أماكن مثل درعا وحمص ودوما بعد 30 عامًا). عملت عسكرة معارضة نظام بشار الأسد في الواقع لمصلحة الحكومة، لأن لديها قوات متفوقة، وتركت السوريين أمام خيار صارخ بين طائفة الأسد والتمرد الذي تمكن المتطرفون المتدينون العرب السنة من السيطرة عليه.

لاجئ سوري يرفع ملصقًا لبشار الأسد، 13 آب/ أغسطس، 2018. سيرغي غريت/ أسوشيتد برس

داغر هو الأكثر إقناعًا عند تقديم لائحة الاتهام ضد الأسديين: حافظ، بشار، وشقيقه الأصغر ماهر، وأبناء خاله رامي وحافظ مخلوف، إلى جانب أتباع موالين لعائلة مثل مصطفى طلاس، والد مناف، الذي كان وزيرًا للدفاع. ونقلت الصحيفة عن أحد الاقتصاديين المنشقين قوله: “هناك عشر أسر تحكم سورية وتسيطر على كل شيء”. بعد أن خلف بشار والده كرئيس عام 2000، كانت هناك آمال في اللبرلة (التحرر الاقتصادي والسياسي). “ظنّ الناس أن عهد مملكة الخوف ربما يكون على وشك الانتهاء”، يتذكر مواطن من دمشق عاد إلى الوطن. وبدلًا من ذلك، بقيت سورية دولة بوليسية فيها الكثير مما يجب أن نخاف منه، الاعتقال التعسفي والتعذيب والإعدام داخل نظام السجون الذي يتسم بالقسوة البشعة. في كتاب داغر، تم وصف ذلك تصويريًا من التجربة الشخصية المرّة لـ مازن درويش، المدافع عن حقوق الإنسان، الذي كان من أوائل المتظاهرين.

العنوان الفرعي للكتاب هو “كيف دمرت شهوة عائلة واحدة من أجل السلطة سورية“، لكن داغر يؤكد على درجة اختلاف الأسديين عن الدكتاتوريين الآخرين في المنطقة. منافسهم المكروه، صدام حسين، حكم العراق بنفس الطريقة التي حكموا فيها سورية، ومنع الانقلابات على نظامه من خلال أشكال متعددة من الولاء والقمع، بالاعتماد على ولاءات العشيرة والطائفة والحزب، وتوزيع المحسوبيات وإنشاء قوات أمنية متنافسة. فشلت انتفاضات عام 2011 الشعبية في سورية، لكنها فشلت أيضًا في كل مكان تقريبًا في الشرق الأوسط، تاركة سورية وليبيا واليمن لتمزقها حالة من الحرب المستمرة، ولتُنتج المزيد من الأنظمة الاستبدادية الأكثر قمعية من ذي قبل في مصر والبحرين.

داغر واضح وصريح في كرهه لعائلة الأسد ولجميع أعمالهم، وهو ما لاحظه عن كثب طيلة عامين، كونه المراسل الغربي الوحيد المقيم بشكل دائم في دمشق. احتُجز مدة قصيرة من قبل رجال الميليشيات الموالية للنظام، في سجن تحت الأرض، وطُرد مباشرة من قبل المخابرات عام 2014. وهذا يعطي وصفه للأحداث مصداقية تفتقر إليها العديد من الروايات الأخرى. ولكن هناك أيضًا خلاف بين ميله لإلقاء المسؤولية عن كل شيء على الأسد والنظر إليهم كنتاج للكراهيات الدينية والاجتماعية. في حديثه عن خطوط الصدع الرئيسة التي غذت الصراعات في سورية منذ الستينيات، يكتب داغر: “على نطاق واسع، كانت الأغلبية السنية المحافظة ضد العلمانية، ومن وجهة نظرها، وضد النظام الذي تقوده الأقلية الكافرة”.

لفترة قصيرة في الأيام الأولى للاحتجاجات، بدا من الممكن تخيّل أن أجندة ديمقراطية ليبرالية لربما تنجح في سورية. غالبًا ما كانت وسائل الإعلام الدولية عمياء عن مدى تكدس الاحتمالات ضد مثل هذه النتيجة. كانت الحكومات الأجنبية غير واقعية بنفس القدر، على الرغم من أن دبلوماسييها في دمشق كانوا أقلّ تفاؤلًا. كتب أحد السفراء في ذروة التظاهرات في تموز/ يوليو 2011 أن الأسد يمكن أن يعتمد على 30 إلى 40 في المئة من السكان، نصف هؤلاء المؤيدين من العلويين أو المسيحيين أو أبناء الأقليات الأخرى.

شكلّت العداوات الدينية التقليدية، التي تفاقمت بسبب تصاعد عدم المساواة الاجتماعية، دائمًا الأحداث. امتلأ وسط دمشق بالمتاجر الفاخرة ومحلات الشراء في الفنادق، لكنها كانت، إلى جانب المدن السورية الأخرى، محاطة بما أصبح يُعرف باسم “أحزمة البؤس”، التي يسكنها أشخاص فرّوا من الفقر والجفاف في الريف. وكما قال مناف طلاس: “حكم حافظ سورية من خلال اتفاق مع الريف السني المعدَم. بالتأكيد، كان الجميع مسحوقين، مداسين، لكن على الأقل يتم الاعتناء بأساسياتهم”. انهار هذا الاتفاق في عهد بشار الأسد، حيث اكتسبت الدائرة الداخلية للنظام ثروة كبيرة نتيجة لنشاطات رأسمالية المحسوبيات. كان من المفترض أن يُشكّل الريفيون وسكان الأحياء الفقيرة السُنّة الذين تم تجاهلهم النواة الصلبة للتمرد.

بمجرد أن حلّتْ الأعمال المسلحة محل الاحتجاجات السلمية منذ نهاية عام 2011 وبداية عام 2012، انتقلت المبادرة إلى القوى الخارجية. كان النظام والمتمردون بحاجة إلى المال والأسلحة، وبعد وقت قليل، إلى المقاتلين الأجانب، وتلك يمكن أن تأتي فقط من الخارج. كانت المفارقة القاتلة للربيع العربي في سورية (وبقية المنطقة) هي أن الداعمين الماليين الرئيسين لحركة بدأت بالمطالبة بالحرية والديمقراطية، يجب أن يصبحوا بعد ذلك معتمدين على المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، والذين هم معادون للديمقراطية وطائفيون، وآخر الملكيات المطلقة على وجه الأرض.

اسم المقالة الأصلي The Many Cruelties of Syria
الكاتب باتريك كوكبيرن،Patrick Cockburn
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز،The New York Times، 28/5
رابط المقال https://www.nytimes.com/2019/05/28/books/review/sam-dagher-assad-or-we-burn-the-country.html
عدد الكلمات 1053
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: حلب، كانون الثاني/ يناير 2017. حسان عمار/ أسوشيتد برس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق