هموم ثقافية

الدراما كمُثل أخلاقية

إن الأدب يكتب عن الحياة، والنص الدرامي يكتب الحياة.

هذا الفارق البسيط المكثف، يأخذنا إلى بحر الدراما..

هو ليس حرف جر (عن) وحسب، إنما بناء وتناول بطريقة مختلفة، للتوظيف، ومن ثم (التلقي) بأسلوبية، تحدد النوع الدرامي أو الفني بشكل عام، والبناء: هو تناول المحتوى، ومراحل التعبير عن هذا المحتوى، كي يتم إنتاج الشكل.

الأدب صيغة متخيلة للقراءة، مرحلته التالية المتلقي مباشرة والمشاركة في المخيال، وتبني أو رفض القيمة الأخلاقية للنص، بينما الدراما: صيغة متخيلة، للتجسيد، لا تذهب إلى المتلقي، إلا من خلال مرحلة تالية، في التجسيد، كقيمة وكشكل تعبيري. وكأن التعبير الدرامي يبقى كمادة خام للتفاعل مع العناصر الكيميائية الفنية الأخرى– المؤدي/ الممثل، والتعبير الكلي وضبطه/ المخرج.

المُثل الدرامية، ليست كالمُثل في الأدب، وهو الفارق الكبير بين السرد والتجسيد.

فإننا نستطيع تجسيد البخل كواحد من المثل الدرامية، لكننا لا نجعل من الكرم مثالًا دراميًا، إلا إذا اندمج مع مثال آخر، كالغيرة والخيانة، فالدراما تتكثف في المنحى السلبي للمُثل، كي يتجسد الخير ومعناه، وليس الخير وتجسيده وحسب، وإنما إعطاء قيمة للعب/ التمثيل، وجذب التفاعل/ المشاهدة.

في فيلم (قلب شجاع) لم يتم الاعتماد على مفهوم الشجاعة، لأن الشجاعة ليست من المُثل الدرامية، بل امتزجت بمُثل عليا، هي الحب، والصراع من أجل الانتصار، ولم يكن الانتصار مُثلًا بل كان الصراع والمثال، مقاومة الهزيمة.

تجسيد قيمة الحب، في مسرحية (عطيل) قامت على مفهوم، الخيانة، حتى لو كانت الخيانة لم تحصل، فالوشاية، كانت كافية، لتجسيد وقع الخيانة، والقتل، كان تعبيرًا عن الحب.

في الكتابة الدرامية الأفقية، تتكثف الهوامش بلا مُثل، ولا يتم بناؤها، كي تكون قيمة كبرى، الحكايات تبقى مسطحة لا معنى لها، والصراع صراع انفعالي، لا معنى له، دون طرح المثل العليا.

الخيانة، الغيرة، الانتقام، البخل، الجبن، معظم مفردات الجريمة.. جميعها قيَم درامية، بهذه الحرفية تُكتب نصوص هوليود المدهشة، وبهذه المُثل تم كتابة النصوص الخالدة المسرحية.

النصوص الدرامية، أشبه ما تكون بوقعنة الأساطير، من جهة، وأسطرة الواقع من جهة أخرى.

نسخ الواقع وتقديمه لا يعبّر عن دراما الواقع.. الكتابة الدرامية لا تكتفي، بالتعبير عن الأحاسيس، بل تطرح أفكارًا عميقة، تربك المتلقي، وتجعله جزءًا من واقع مفترض، يفككه فيرى الواقع الحقيقي.. حتى الكتابة للفيلم الوثائقي، هي ليست أرشيفًا يوثق الواقع، إنما الكتابة ترصد نتوءات هذا الواقع وتحولها لمُثل درامية خالصة.

كثير من الكتاب الدراميين يخلقون تشويقًا فارغًا لصراع وهمي يفترضونه، لكن هذا الصراع، يندمج في الترميز وكأنه على كوكب آخر، ثم يبقى النص مسطحًا بعيدًا، غير ملامس لأسس القيم الدرامية العليا كمُثل، معبرة عن مركبات السلطة (أي سلطة)، دينية، سياسية، قبلية.. الخ.

الدراما تتحدث عن واقع عام في حكاية خاصة، كالحب، ينشأ بين اثنين، لكن القيمة العليا، هو الحب، يتحدث عن واقع غيرة بين اثنين، لكنها تقدم الدراما، قيمة الخيانة كقيمة عليا، مهما كانت خصوصية، الحكاية.

تتكثف المسلسلات الدرامية الرمضانية منذ سنوات، في الحديث عن الخيانة الزوجية، لكنها لا تتطرق، للمصدر الاجتماعي الأخلاقي، الذي يجعل من هذه الخيانات، تستحق التعبير الدرامي لها! كما تتحدث الأعمال الدرامية، عن الفساد، والاستبداد، لكنها تضعف وتصبح ركيكة، عند التعبير، عن مصدرها!

النص الدرامي يؤول للتفكيك بحكم الشرط الأدائي له، فهو يبقى افتراضًا قاصرًا، دون تجسيد التبرير الفني والمعرفي للأحداث والمُثل العليا المراد التعبير عنها.

يبقى الحديث عن طرائق التعبير في بناء الشخصيات، واستخدام الأساليب الفنية، ضرورة تجديدها، كي تتوافق مع المُثل العليا المراد طرحها.

ما يلفت النظر أن أنواعًا مختلفة من النصوص، يتم التعبير عنها بنفس الشكل وذات الطريقة التعبيرية من المخرجين والممثلين، وسائر المركب الفني.

إن التعبير الدرامي، نصًا وإخراجًا، يبدأ بطرح جديد، وبأسلوبية جديدة، تتوافق مع المزاج الذهني للمتلقي، ويتوافق مع نوعية النص ومثله العليا، ثم يتطلب شكلًا فنيًا لا يغترب عن طبيعة بنائه وقيَمه، إنما ما يحدث، هو قالبًا واحدًا لآلاف الاحتمالات والمُثل الدرامية، مما يجعل الأعمال الفنية متشابهة، على الرغم من اختلافها.

ثمة تشابك بين تخلف النصوص فنيًا (السيناريوهات)، وثبات (أي تخلف) الأشكال التعبيرية عنها (الإخراج).

الأسباب كثيرة ويمكن تلخيصها كالتالي:

  • الإنتاج الفقير.
  • النص الفقير فنيًا.
  • الخيال الفقير.
  • الحرفية الضعيفة.
  • المحرمات السياسية والدينة، والعادات والتقاليد.
  • الاستسهال، وسرعة الإنجاز التي تعطى لثلاثين حلقة درامية وقتًا للتنفيذ، في العالم تُعطى لفيلم مكوّن من ساعتين دراميتين.

ربما ليس هذا كل شيء، ولكن هذه رؤية أولية للمخرجات السنوية في أعمال الدراما، كخراب من هذا الخراب العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق