تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

تجزئة الحرب إلى حروب صغيرة لا تصنع سلامًا

عواصف من المقالات تحمل العديد من الآراء المتناقضة والمتفاوتة، حول المستجدات في الخليج العربي وخليج عُمان، بعض تلك الآراء ذهبت في اتجاه حتمية المواجهة العسكرية بين إيران والقوات الأميركية، سواء في طهران أو في أماكن تواجد أذرع الحرس الثوري الإيراني، خارج حدود إيران الجغرافية، رأيٌ آخر يقول: إن الهدف الأميركي الحقيقي إزاحةُ الملالي عن سدّة الحكم، وتحويلُ إيران إلى جمهورية عادية بعيدًا من سلطة الملالي، ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى.

الكثير من الآراء في المنطقة العربية تقول: إن ما يجري مجرد مسرحية واستعراض للقوة، وإن العرب هم الذين سيدفعون الثمن في نهاية المطاف، ويستند هؤلاء في رأيهم إلى تاريخٍ طويلٍ من الخيبات التي تسببت فيها السياسات الأميركية في المنطقة، ففي كلّ مرّةٍ تدخل فيها الولايات المتحدة، يخرج العرب خاسرين، وثمة رأي آخر يتحدث بكل ثقة بأن أميركا تريد الإبقاء على إيران بوصفها أداة ضغطٍ على دول المنطقة، وشرطيًّا سيّئًا يمكن استخدامه لتذكير دول المنطقة بضرورة شراء سلاحٍ جديد، وهذا كان دور إيران التاريخي منذ أيام الشاه، وقبل الثورة الإيرانية التي سرقها الملالي، بعد الغدر بكل شركائهم في الثورة.

على المستوى الحكومي في المنطقة العربية، انقسمت الدول العربية إلى فريقين: فريق أعلن الاستعداد للمواجهة مع إيران، إذا تعرضت المنطقة لأيّ هجوم، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والأردن، ويمكن أن تنضم دولٌ أخرى إليه، في حال نشوب نزاعٍ مسلّح، والفريق الثاني أعلن رغبته في لعب دورٍ دبلوماسي بين إيران من طرف، والولايات المتحدة من طرف آخر، ومنه سلطنة عُمان والعراق وقطر، حيث أعلنت الدول الثلاث عن استعدادها للعب دور الوسيط، وقد أعلنت العراق رسميًّا أنها أرسلت وفودًا إلى إيران والولايات المتحدة، لبحث السُبل المتاحة لنزع فتيل الأزمة، فالعراق، على وجه التحديد، سيكون في مهبّ العاصفة، بسبب التغلغل الإيراني الواسع والعميق فيه، على المستويين الشعبي والحكومي، وبسبب سيطرة إيران على عشرات الآلاف من المنضوين تحت لواء “الحشد الشعبي”، والقائمون على الحكم في العراق يعلمون أن قد تكون نهايتهم في حال قيام حرب حقيقية، لكون العراق الساحةَ الأكثر احتمالًا لمسرح العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

إيران التي تنشط دبلوماسيًا على نحوٍ لافت في كل الاتجاهات، ما زالت تستخدم أسلوبها القديم، وهو ارتفاع سقف الخطاب على نحو علني، مرفقًا بمحاولة دفع بعض دول الإقليم للتوسط لدى الولايات المتحدة، من أجل التوصل إلى اتفاقٍ جديد، فالملالي يعلمون جيدًا أن نشوء حرب سيضع حدًا لحكمهم في إيران للأبد، وعلى عكس شعارات “الحرس الثوري” الذي ما زال يرفعها منذ ثلاثين عامًا (الموت لأميركا)، ها هي أميركا اليوم حضرت إلى عقر دار الملالي، ودقت الأبواب، فاختفت كل الشعارات، وبان الوجه الحقيقي لإيران الضعيفة، نعم لقد كان الموت لأميركا شعارًا زائفًا، فإيران طوال ثلاثين عامًا لم تقتل سوى العرب.

في الغالب، إن الدول العربية تقف، اليوم، على مشارف رؤيةٍ دوليةٍ جديدةٍ للمنطقة، وإن لم يحسنوا استخدام الفرصة، فربما يدفعون ثمن ذلك عقودًا من الضعف، من خلال الحروب الصغيرة التي تشعلها إيران هنا وهناك. وفي حال تخوّف العرب من نتائج هذه الحرب الكبيرة، فمن المؤكد أن خيارهم هو قبول معارك إيران الصغيرة والدائمة، وسيدفعون أضعاف تكاليف الحرب الكبيرة، فإيران لن تترك بلدًا عربيًا من دون أن تتدخل في شؤونه بزهو المنتصر، وستعمل على إذلال العرب من المحيط إلى الخليج، حيثما استطاعت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق