سلايدرقضايا المجتمع

ثامن عيد… ولا جديد

يستعد العالم الإسلامي للاحتفال بعيد الفطر، بطقوسه وعاداته وتقاليده، باحتفاليات ذات طابع ديني ودنيوي على حد سواء، بينما لا يجد السوريون في أماكن كثيرة أبسط أسباب الاحتفال بهذه المناسبة، فالغلاء والفقر وانقطاع الكهرباء والماء، إضافة إلى شبح الحرب ومخلفاتها، والحزن على فقدان الأحبة، كل هذا يمنعهم من الاحتفال كغيرهم من بقية المليار حول العالم.

عيد فطر ثامن سيمرّ على السوريين، بعد أيام، وهم في حرب، ثقيلًا على غير ما يجب أن يكون، فحرب النظام تسببت خلال ثماني سنوات في مقتل أكثر من مليون سوري، ونحو مليون معاق إعاقة دائمة، ومثلهم من الأيتام فاقدي أحد الأبوين، ونحو مئة ألف يتيم فقد الأبوين معًا، وتركت مئات آلاف الأُسر غير عارفة بمصير أبنائها.

حرب هَجّرت أكثر من نصف سكان سورية أو أرغمتهم على النزوح، في أكبر عملية تهجير شهدها العالم في العصر الحديث، وخلّفت دولة ببنى تحتية مُدمّرة، بما فيها آلاف المدارس المدمرة ومئات المشافي الخارجة عن الخدمة.

ينتظر السوريون عيد الفطر هذا العام، ولديهم 4 مليون طفل لا يذهبون إلى المدارس، و60 بالمئة من شبابهم عاطلون عن العمل، و12.5 مليون منهم فقد كل مورد رزقه، و75 بالمئة منهم أصبحوا تحت خط الفقر العالمي.

ينتظر السوريون العيد، ونحو ربع مساجدهم مُدمّر نهائيًا، فالنظام انتقم من المساجد التي انطلقت منها التظاهرات السلمية في بداية الثورة، ودمّر ما يقرب من 2500 مسجد، وتعمّد تكثيف قصف المساجد في رمضان والعيد تحديدًا، حيث يقضى في كل عيد العشرات وربما المئات، ضحايا قنابله وصواريخه وبراميله، التي تستهدف المصلين في المساجد خلال صلاة العيد.

هذه بعض من أجواء العيد التي ينتظرها السوريون داخل سورية، ويستعدون لاستقبال عيد بلا كهرباء وربما بأزمة حادة بالمحروقات والماء، وفي وقت تعاني فيه سورية نقصًا في المصانع والمزارع لكي تُنتج كفايتها، وتواجهه باقتصاد شبه منهار، اقتصاد مافيات وسوق سوداء، أو اقتصاد خطف وقوى تسلط وهيمنة وعصابات اتجار بالبشر والآثار، فقد أباح النظام ذلك لميليشياته لتمويل ذاتها، وبعض المحسوبين على المعارضة انتهجوا نفس الطريق.

لا يختلف الأمر كثيرًا خارج سورية، فملايين السوريين باتوا موزعين إما في دول الشتات، كلاجئين أو نازحين، في بلاد الله الواسعة، يتناثر أفراد الأسرة الواحدة بعيدين عن بعضهم، ولا يمكن -في الغالب الأعمّ- لمّ الشمل لا في العيد ولا في غيره، وفي أوروبا لا يعرفون طعمًا لهذا العيد، فلا أجواء عيد تجمعهم، ولا أسرة يلتفون حولها بمناسبات كهذه، ولا تجمعات تتيح المجال لهم للاحتفال، ولو كان رمزيًا، بهذه الأيام التي من المفترض أن تكون لامّة للشمل.

لجأ إلى أوروبا أكثر من مليون من السوريين، ففي ألمانيا وحدها هناك 530 ألف سوري، وفي السويد 110 آلاف، وفي النمسا 50 ألفًا، وتتقاسم بقية الدول الأوروبية 350 ألف لاجئ سوري، وفي كندا والولايات المتحدة ما يقرب من 100 ألف لاجئ سوري.

بينما في تركيا، هناك أكثر من 3.5 مليون سوري، وفي لبنان نحو مليون، وفي الأردن 673 ألف لاجئ، وفي العراق 251 ألفًا، وفي مصر 131 ألف، وفي دول شمال أفريقيا نحو 33 ألف لاجئ، لن يعود معظمهم إلى سورية، في ظل الوضع الأمني والسياسي الراهن.

أما مئات الآلاف الموجودون في مخيمات داخل وخارج سورية، فالعيد عندهم بات أمرًا منسيًا، وغالبية الأطفال واليافعين لا يعرفونه أساسًا، بل إنهم لا يعرفون معانيه ولا تقاليده ولا رمزياته، وتنحصر اهتمامات الأهل، آباءً وأمهات، بمواصلة الكد والعمل لتأمين قوت اليوم، ولا قدرة على رفاهية العيد، ولا إمكانية لشراء لعبة لهذا الطفل أو ثوب جديد لذاك. ولعل أقصى ما يمكن أن تقدمه العائلة البائسة لطفلها أن تزيل آثار الوحل المتراكم عل الثياب الرثة، فيكونوا مستعدين لالتقاط الصور لمادة صحفية عن حال أطفال المخيمات.

ففي مخيمات تركيا وحدها، يعيش 374 ألف لاجئ سوري، ومئات الألوف في مخيمات لبنان والأردن والعراق، وظروف العيش في المخيمات هي ظروف سيئة بالعموم، وفي بعض الدول أكثر من سيئة، كلبنان مثلًا، حيث يتم تهديد السوريين يوميًا بإلقائهم في الشوارع. ويعمل الأطفال والكبار في مهن لا يكفي مردودها لقوت اليوم. وقد باتت الأرصفة والأزقة خير الأماكن التي يمضون فيها ساعات اليوم.

في ظل الظروف آنفة الذكر، سيتحوّل قسم كبير من السوريين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، لتقبّل التهنئة بالعيد وتقديمها، فعلى الأقل لا تُظهر وسائل التواصل الاجتماعي الحالة النفسية لمن يُقدّم التهنئة، ويمكن أن تُخفي اليأس المرسوم على الوجوه والمُعشش داخل القلوب، وقد يستعيض البعض في أحسن الأحوال بمكالمات صوتية، تمنحهم دقائق من الذكريات، ليعودوا بعدها إلى وحدتهم وانغلاقهم على ذاتهم وذكرياتهم السعيدة في واقع مرير.

يأمل كثير من السوريين أن يستعيدوا “عيدهم” في يوم قريب، وأن يعودوا إلى بلادهم، وأن يستقروا فيها بعد أن يثبت الأمان، وتعود الحقوق لأصحابها، وتترسخ الديمقراطية والحريات ودولة المواطنة والقانون، دولة ديمقراطية تعددية، ودون ذلك، يُخشى أن تمر عليهم الأعياد متتالية وهم في غربتهم وكربتهم. وأن يبقى لسان حالهم يجيبهم: “بما مضى”، حين يتساءلون: عيد بأي حال عدت يا عيد/ بما مضى أم لأمر فيك تجديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق