أدب وفنون

سيدات القمر لـ جوخة الحارثي.. الاستغراق في عشق المكان

سيّدات القمر: رواية صادرة عن دار الآداب، الطبعة الأولى، عام 2010، فازت بجائزة مان بوكر الدولية؛ بعدما ترجمت إلى اللغة الإنكليزية عام 2019.

تعرّفنا الكاتبة في بداية الرواية، على لسان الراوي (عبد الله): زوج (ميا)، إلى الوالد (عزّان وعائلته، زوجته، بناته الثلاث: ميا وخولة وأسماء)، وتسرد تفاصيل حياة كل واحدة منهنّ؛ فالفتاة (ميّا) تتزوّج بـ (عبد الله) بعد أن يتحطّم قلبها: “ميا التي استغرقت في ماكينة خياطتها السوداء، ماركة الفراشة، استغرقت في العشق، عشق صامت، لكنه يهزّ بدنها النحيل كلّ ليلة في موجات من البكاء والتنهّد، شعرت مرارًا بأنها ستموت تحت وطأة الرغبة في رؤيته، حلفت في سجودها في صلاة الفجر: والله العظيم يا رب لا أريد شيئًا.. فقط أن أراه”، تنجب (ميا) بنتًا، وتختار لها اسم (لندن)؛ “قالت له ميا إنها تريد أن تسميها لندن، ظنّ أنها متعبة من الولادة وتهذي، في اليوم التالي عادت والبنت وأمها إلى بيت عمّه، وأخبرت أقاربه أن المولودة اسمها لندن”، وهو اسم غير مألوف في عائلتها، لأنه لم يكن يشبه الأسماء المتعارفة في البلد كلّه.. أما أختها أسماء فتتزوج لترضي الواجب المفروض عليها، وخولة تنتظر ابن عمها المسافر إلى كندا طويلًا، وترفض جميع الدعوات التي جاءتها للزواج، يطول انتظارها، لكنه يعود، وتتزوج به، وتنجب منه ولدين. تظهر أولى بوادر الشقاق بينهما، بإهماله لها، لتقوم بتركه فيما بعد، والانفصال عنه..

تمضي الشخصيات في هذه الرواية، وتنتقل من مكان إلى آخر، في رحلات لا تنتهي؛ وتتنوّع وسيلة الانتقال في تلك الرحلات والأسفار، من الحيوانات إلى السيارات والطائرات، وكل هذا ليس إلا رغبة من الكاتبة، ومعرفة منها لإظهار الفجوة الحضارية بين منطقة وأخرى، فالقرية (العوافي)، والبلد (عُمان)، والمدينة (مسقط)، كلها أماكن تختلف من حيث درجة التطور والحضارة، ومستوى المعيشة، إضافة إلى ذكرها مناطق لبلدان ومدنٍ غربية في الرواية (إنكلترا- ألمانيا- كندا- لندن- فرانكفورت)، مع اتساع الزمن الذي تجري فيه هذه الأحداث، لتنقل لنا صورة كاملة لأجيال متعاقبة عبر النصّ الروائي، وإظهار المفارقات الحياتية بين كل جيل، وكل زمن، ومكان، وإعطاء ملامح واضحة عن الحياة في عُمان القديمة؛ الاقتصادية (تجارة التمور، صيد اللؤلؤ)، والاجتماعية (العبودية، الفقر، العادات، التقاليد الشعبية)، والتاريخية (الثورة ضد إنكلترا، التي كانت مُستعمِرة للمنطقة، تجارة السلاح وتهريبه، وتجارة المواد الممنوعة).

رواية الماضي والحاضر

تروي الرواية أحداثًا جرت مع عائلة عمانية، امتدت على مساحة زمنية؛ وهي ثلاثة أجيال، ولم تكن هذه الأحداث ببعيدة، أو غير مألوفة لدى جميع من يقرأ هذه الرواية، وله اطّلاع؛ ولو بشكل بسيط على مجريات القصص والمواقف التي جرت، أو التي سمع عنها، ممن هو أكبر منه سنًّا في تاريخ سلطنة عُمان، بل كانت قريبة من المألوف، ومن الواقع الحاضر أولًا، والماضي البعيد القريب ثانيًا؛ إذ إنها بدأت مع ثمانينيات القرن التاسع عشر، لتتابع سردها، ونقلها حتى الزمن الذي نعيش فيه الآن، لتضعنا في صورة الوضع الذي عاشه الناس في المنطقة والبلد الذي جرت فيه تلك الأحداث..

وقائع كانت

قرية عُمانية تحتفي بهذه الأحداث، وتشهد جميع الوقائع التي كانت فيها، أجواءها، طقوسها، لتكون بحق رواية المكان والزمان، التي امتدت تقريبًا على قرن من الزمن، لتروي لنا قصصًا كانت وما تزال، هي قرية (العوافي)، بطقوس أهلها، طبيعتهم، عاداتهم، تقاليدهم الشعبية، آلامهم، آمالهم، رغباتهم، حبّهم، خيباتهم، شوقهم، حياتهم، أحلامهم، غربتهم واغترابهم، لتكون تلك القرية مثالًا عن نموذج أكبر هو البلد (عُمان)؛ إذ أنّ حكاية المجتمع العُماني بأكمله حاضرة في الرواية؛ تاريخه، واقعه الاجتماعي، الثقافي، السياسي، التبدلات الكبيرة التي طرأت عليه، منذ القِدم، حتى اللحظة الراهنة، الأجواء التي عاشتها المرأة، ظروف حياتها، علاقاتها مع الغير؛ سواء أكانت مع النساء، أم الرجال، وطبيعة حياتها نفسها، في مراحل نموها، وما يطرأ على جسدها من تبدلات في مرحلة مراهقتها، حتى بلوغها؛ ناهيك عن طرح فكرة الحوار بين الأجيال، والعلاقة فيما بين الكبار والصغار، بعكس مفهوم الصراع، أو التحدّي، أو النقمة من أحدهما للآخر.

قرية لها نمط حياتها الخاص، الذي لا يختلف كثيرًا عن نمط العيش في البلد كله، حيث الأفكار الواحدة، المقدّسات، والإيمان بالغيبيات، وعالم الجن، والخوف منه، ورفض التعامل مع كل ما يمتّ إلى الحاضر، أو الحضارة بصِلة؛ من منطلق العيب، أو الحرام، وأبسطها -كما هو دارج لدى المجتمعات القديمة- الأمور المتعلقة بالنساء، ومنها عيب التوجّه إلى المستشفى ليكشف الأطباء عليها، أو للولادة فيها، مثلما حصل مع (أمّ ميا) في ولادتها بها: “يا عيب الشوم، بنت الشيخ مسعود ستلد راقدة، وما قدرت توقف! فوقفتُ متشبثة بالوتد حتى انزلقتِ مني يا ميا في السروال! وكدتِ تموتين مختنقة؛ لولا أن حلّت الداية مرية يديّ، وسحبتكِ”.

حكاية ثلاث فتيات

تشمل الرواية على (ستين فصلًا قصيرًا)؛ وتركّز في محاورها في كل تلك الفصول على حياة ثلاث فتيات أخوات، يشكلن أساس بناء النصّ الروائي الذي دأبت الكاتبة على العمل عليه، وهنّ: (ميا- خولة- أسماء)، ولكل واحدة منهنّ قصة وحكاية مختلفة عن الأخرى، وإن كانت تلتقي في النهاية بخيط واحد يجمع بينها، وهو القرية والبلد الكبير، والعادات والتقاليد، والماضي، والحاضر، بكل ما فيه، من حبّ، رغبة، أحلام، زواج، انتظار، تعلّق، هموم، آلام، تصديق للأساطير، انتابت كل واحدة منهنّ، في رحلة حياتها الخاصة، ولكن النتيجة تبقى واحدة لديهن ثلاثتهنّ؛ على الرغم من التبدلات الواضحة في المجتمع، والاختلاف في الزمن بين الكبار والصغار (البنات والأمهات والجدات) إلا أنهنّ يشتركن في العادات والتقاليد نفسها، وكأنهنّ يصممن على الوفاء للبيئة التي عاش فيها الأهل من قبل، وعشق المكان، العادات، التقاليد، القرية والبلد بأجمعه، والبقاء بعيدًا من آثار التطور، والحضارة.

* جوخة الحارثي: كاتبة عمانية، لها ثلاث روايات: “منامات- عام 2004″- و”سيدات القمر عام 2010”- و”نارنجة عام 2016″، وعدد من القصص: “عش للعصافير- قصة للأطفال- عام 2010″ و”السحابة تتمنّى- للأطفال- عام 2015، و”صبي على السطح عام 2007- ومقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل- مجموعتان قصصيتان عام 2001”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق