تحقيقات وتقارير سياسية

سورية.. الساحة الدامية للتحولات الدولية

صارت الأزمة السورية مأساة يتداولها الكبار، ويحاول كل منهم لي ذراع الآخر من خلالها من دون الاهتمام بالشعب السوري، وباتت “حلبة مصارعة” دولية مفتوحة لتغيير الأقطاب الدولية ولفرز قوى إقليمية جديدة.

قد لا يُخطئ من يصفها بأنها حرب عالمية ثالثة تلك التي جرت ومازالت تجري في سورية منذ ثماني سنوات ونيّف، فصحيح أنها بدأت كثورة شعبية ضد نظام شمولي، إلا أنها تحوّلت لساحة إقليمية ودولية تستقطب كل القوى الطامحة لموقع قدم في الشرق الأوسط، والراغبة يدور إقليمي أو دولي لا يتوافر لها حتى الآن.

باتت الساحة السورية ساحة حرب دولية للفرز والتغيير على المستوى الإقليمي والعالمي، فمنحت دولاً نفوذاً غير مسبوق، وانتزعت من دول أخرى نفوذاً قديماً تقليدياً، وأصبحت النقطة التي بدأ فيها إنتاج أقطاب جديدة على المستوى الدولي والإقليمي، ومركز تحولات تؤثر على حاضر التوازن الدولي وستؤثر على مستقبله أيضاً.

ليس صعباً تسمية جملة من الدول الإقليمية والدول الكبرى التي استفادت من الحرب السورية لتُجري تحولات على المستوى الإقليمي لصالحها، أو الدول الكبرى لتُجري تحولات من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب.

للدول الإقليمية “الصديقة” للمعارضة أهدافًا مشتركة، وأخرى خاصة، فالهدف الجامع بينها هو إسقاط النظام السوري، واستلام المعارضة المدعومة منها السلطة، ما يعني علاقات مستقبلية أفضل مع الجوار الإقليمي ذي الأهمية الاستراتيجية، أما الهدف الخاص بكل دولة فهو أن يكون لها تأثير أكبر في الإقليم، ونفوذ أوسع، أي فرض كل دولة نفسها كلاعب إقليمي يُحسب له حساب، ومع تطوّر الأوضاع اختلفت وسائل كل دولة في تعاملها مع هذه الحرب، فصارت كل واحدة تدعم فصائل عسكرية مختلفة عن الأخرى، أحياناً باختلاف إيديولوجي واسع، ما شتّت قوتها وهدر الدعم الذي كانت تُقدّمه، ومزّق المعارضة السورية وفرّقها وتسبب بضعف كبير لها.

مقابل هذا التدخل من الدول “الصديقة” للمعارضة، تدخلت إيران بطلب من النظام الذي فتح الباب على مصراعيه لها لتعبث عسكرياً وسياسياً وحتى بشرياً، ومع ظهور ملامح لبدء انهيار النظام، بدأت تُرفده بمقاتلين وأسست ميليشيات طائفية عابرة للجنسيات، هدفها منع سقوط النظام، وضمان نفوذ إيراني أكبر على القرار السياسي والعسكري السوري، وهو ما حصل بالفعل، لكن الهدف الإيراني الأبعد لا يقتصر على مجرد نفوذ مؤقت، بل يمكن الجزم بأن سورية هي أهم عقدة في المشروع الإيراني (الفارسي) القومي التوسعي (العالمي)، الذي يقضي بإحداث “هلال شيعي” من إيران حتى المتوسط، هلال يعتقدون أنه سيُرغم المجتمع الدولي والدول العظمى على القبول بإيران كشريك دولي كبير قادر على التأثير بمنطقة واسعة في قلب العالم القديم.

هذا التدخل الإقليمي، لم يترافق مع تدخل إسرائيلي، فهذه الدولة التي تدّعي إيران والنظام السوري بأنها العدو الأول لهما، لم تُحرّك ساكناً، فلم تكن تريد ذلك، لأن كل ما كان يجري في الساحة السورية كان يصبّ في صالحها، أي عملية تدمير كل القوى المشاركة في الحرب، وتدمر البنى التحتية لسورية لأنه لن يسمح لسورية بالتفكير بفتح أي جبهة حربية مع إسرائيل ربما لقرن قادم.

أما دولياً، فقد كان الأمر أقسى وأكثر تعقيداً، خاصة أن سورية باتت ملعباً للدول العظمى والكبرى، فكانت ساحة عمل دؤوب للولايات المتحدة وللدول الأوربية الرئيسية، دفعها لتكوين تحالف دولي ضد الإرهاب (ضد تنظيم الدولة الإسلامية)، لكن السياسة الأميركية لم تكن واضحة المعالم، فقد أمسكت العصا من المنتصف، وماطلت ولعبت على التناقضات وعلى الوقت.

أما روسيا، فقد أتت فرصتها الذهبية التي لن تتكرر لاستعادة مجد امبراطورية بائدة، ودولة عظمى منهارة، فدعمت النظام السوري، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بلا حدود، وكان لهذا الدعم تأثير هام على تغيير موازين القوى، فقد دُعم النظام بـ 12 (فيتو) في مجلس الأمن، ودُعمته بالمعلومات اللوجستية بداية، ثم العسكرية، وأخيراً بالتدخل الروسي العسكري المباشر، وحوّلت سورية عملياً إلى قاعدة عسكرية لها، ووجدت في الحرب السورية فرصة ذهبية للاستقواء على الدول الغربية، وتذكيرها بأن روسيا ما زالت دولة عظمى، لها حلفاؤها في العالم ومصالحها أيضاً، وهي قادرة على حماية هذه المصالح، وعلى ممارسة دورها كدولة كبرى ذات تأثير في السياسة العالمية، وإحياء مجد الاتحاد السوفييتي السابق.

 

الاجتماعات الماراثونية والكثيفة، السرية والعلنية، التي عُقدت بين الروس والأميركيين، لم تُسفر عن أي نتيجة ملموسة، سوى المزيد من التصعيد في ميادين المعارك في مختلف أنحاء سورية، والأمر بينهما ليس مسألة تقاسم كعكة، فسورية نقطة استراتيجية للسياسة الروسية والأميركية على حد سواء، ومن الصعب أن يتخلى أحد الطرفين عنها للآخر بسهولة دون أن يحقق مصالحه الاستراتيجية بعيدة المدى في هذه الدولة.

لقد فتح عَنْت السلطة السورية الباب على مصراعيه لمزيد من التدخل الإقليمي والدولي، ولم تعد الأزمة السورية أزمة سورية لا من قريب ولا من بعيد، بل أصبحت ساحة تنافس دولي على تحقيق مصالح وكسب مواقع متنوعة في شرق المتوسط وفي البلدان العربية عامة.

الملاحظ أن دور الدول الإقليمية العربية تراجع تراجعاً كبيراً لمصلحة المنافسة بين الدول الكبرى، وبين الدول الإقليمية غير العربية، والجميع حذر من الجميع، ويحاول الجميع لي ذراع الآخر من خلالها من دون الاهتمام بمصالح الشعب السوري.

من هذا المنظور، ولأن الصدام العسكري الجزئي أو الكلي بين القوتين الكبريين أمر مستبعد، يُخشى أن تبقى الأزمة السورية في التداول وضمن التكتيكات التي تزعج الآخر وتقلقه وتمنعه من تحقيق انتصارات جدية وحاسمة، وتُستخدم لوقت طويل لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بتسوية سياسية في سورية ولا بحل الأزمة القائمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق