مقالات الرأي

مراجعة نقدية أولية في ضوء تجربة كردستان العراق 2/ 2

ما تحتاج إليه مجتمعاتنا يتمثل أولًا، في حكوماتٍ وطنية، تعتمد إدارةً نزيهة لشؤون بلداننا، والاستفادة من مواردها الطبيعية والبشرية بعقلانية، وتحرص على تأمين مقومات العيش الكريم لكل المواطنين، والإقرار بكل الحقوق المترتبة عليها، هذا ما تحتاج إليه مجتمعاتنا، أما السبيل إلى ذلك، فهذا ما يمكن البحث فيه بعيدًا من الشعارات الثوروية، والمزاعم الخاوية من أي مضمون واقعي.

مجتمعاتنا تمتلك، ببعديها الأهلي والمدني، خبرةً واسعة في ميدان التواصل والتفاهم والتوافق، وذلك عبر آليات مجرّبة كثيرة، وقواعد باتت جزءًا من الموروث الثقافي الإجتماعي.

أما ما يخص تجربة الحكم في كردستان العراق، فهي تمتلك مواصفات، ربما تكون فريدة بعض الشيء بالنسبة إلى منطقتنا، فهذه التجربة منذ بداياتها بصورة غير رسمية منذ عام 1991 -وهو العام الذي أقدم فيه صدام حسين على سحب قواته وموظفي الدولة العراقية، من المنطقة التي كانت قد أُعلنت منطقة حظرٍ جويّ بموجب قرار مجلس الأمن 688 عام 1991- تقاسم السلطة فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني مع الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان ذلك مراعاةً للحساسيات الحزبية والمناطقية، وتجاوزًا لصراعاتٍ دامية، تسببت في قوع آلاف القتلى والجرحى في إطار المعارك بين الطرفين، وهي المعارك التي ما زال الكرد يذكرونها بكل أسى ومرراة، ويعملون بكلّ الوسائل من أجل عدم تكرارها بأي شكل من الأشكال.

الاتحاد الوطني الكردستاني تبنّى التوجّه اليساري الإشتراكي، وعمل في هذا الاتجاه، بينما استمر الحزب الديمقراطي الكردستاني في تمسكه بخصوصية مجتمعه، يراعي الحساسيات المجتمعية والمناطقية، ويحرص على تحقيق التوافق بين الجميع على الرغم من توجهه الانفتاحي على القوى اليسارية حتى الشيوعية، وعمله المشترك معها، وقد اتُّهم كثيرًا من قِبل التيارات اليسارية بالرجعية والتخلف.

ولكن الذي حصل هو أن المشاريع الثوروية قد ارتبطت في معظم الأحيان بكاريزما مؤسسيها، وغالبًا ما كانت عرضةً للانتكاسات والخلافات والانقسامات بعد رحيل هؤلاء، ومن الملاحظ بالنسبة إلى هذه الوضعية أنها عامةٌ في منطقتنا، عاشتها مختلف الأحزاب اليسارية والشيوعية سواء في سورية أو في لبنان، وفلسطين والعراق. وغيرها من الدول، ولم يكن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني استثناءً، فقد انشق عنه العديد من كوادره، وأسسوا حركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى، ومع رحيل كل من مام جلال ونوشيروان، وجدنا ضعفًا شموليًا في التنظيمين (الاتحاد، والتغيير)، وتمثّل ذلك بصورة رئيسية في صعوبة الاتفاق على الزعامة، والافتقار إلى الآليات التي كان من شأنها معالجة موضوع القيادة بسلاسلة، وقطع الطريق أمام الخلافات والانشقاقات، وكان ذلك في الوقت الذي حافظ الحزب الديمقراطي الكردستاني على جسمه التنظيمي، بل على النقيض من ذلك، تمكن من إعادة من كانوا قد غادروا لأسباب مختلفة، إلى التنظيم، وحفظ لهم كلّ التقدير والاحترام. ويُشار هنا، وبخاصة، إلى المرحوم الشهيد سامي عبد الرحمن، الذي حظي باحترام وتقدير الجميع، داخل “الديمقراطي” وخارجه بين مؤيديه وأنصاره، وبين الكرد عامة. وأُسندت إليه مهام حساسة.

ما يؤخذ على “الديمقراطي” من قِبل خصومه أن البارزانيين هم الذين يهيمنون عليه، ويتحكّمون فيه، في حين أن الوقائع لا تؤكد ذلك، بل هناك الكثير من الشخصيات التي لاتنتمي إلى أسرة أو عشائر البارزانيين، اضطلعت، وتضطلع، بمسوؤليات على غاية الأهمية في المؤسسات الحزبية والعسكرية والأمنية والإدارية وغيرها، ولكن هناك توافق ضمن الحزب، وبين جماهيره ومؤيديه داخل كردستان العراق وخارجه، حول ضرورة تأكيد رمزية الأسرة البارزانية، عبر إسناد المهام الرمزية السيادية إلى أبنائها، وذلك من باب الإقرار بما قدمته هذه الأسرة من تضحيات، ووفاء لتراثها النضالي المديد ، ولكن مع مراعاة شروط الكفاءة في جميع الأحول. وبناء على التجارب الكثيرة في منطقتنا وبين الكرد أنفسهم، تبين أن هذا الإجراء يحقق الاستقرار، ويضمن الاستمرار، ويقطع الطريق أمام الصراعات الداخلية وحدوث الانشقاقات، وقد أثبتت التجارب الكثيرة لهذا الحزب وعلى مدى مدة طويلة صوابية هذا التوجه، انطلاقًا من خصوصية المجتمع الكردي، وطبيعة الأوضاع في منطقتنا التي لا يمكننا في مطلق الأحوال – استنادًا إلى الخصوصية المجتمعية التي هي في نهاية المطاف نتيجة تفاعل جملة عوامل داخلية وخارجية- مطالبتها بتطبيق القواعد الديمقراطية المعمول بها في المجتمعات الاسكندينافية أو الأوروبية، ونحن نعلم جميعا أن هذه الأخيرة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد قرون من الصراعات والحروب. فقد كانت الديمقراطية لديها عمليةً طويلةً وشاقة، مهدت لها آراء المفكرين والفلاسفة والساسة، كما حمتها باستمرارٍ الأحزابُ ومنظمات المجتمع المدني، التي أدركت بناءً على تجاربها ضرورة اعتماد الديمقراطية، لتجاور المآسي التي خلّفتها الحروب.

المجتمع الكردي أيضًا يسير نحو الديمقراطية، ولكن لا بد من مراعاة خصوصيته، والعمل على ترسيخ العمل الديمقراطي في مختلف المؤسسات، بدءً من الأسرة والمدرسة ومرورًا بأماكن العمل، حتى تشمل المجتمع كله، ولا يمكن بناء التجربة الديمقراطية من دون فصلٍ واضح للسلطات، وحماية حرية التعبير والنقد، وتأكيد مبدأ المساءلة والمحاسبة، وكل هذه الخطوات، وغيرها، يتم العمل على الأخذ بها في تجربة كردستان العراق، ولكن ما زال هناك الكثير من العمل المنتظر، وما زالت هناك نواقص يعترف بها المسؤولون قبل الناس العاديين، وهذا ما يستدعي العمل الصبور، والتحمّل، ومواجهة التحديات بحكمة وبعد نظر، مع حرصٍ مستمر على ترسيخ أسسِ ثقافة الديمقراطية في الأسرة والمدرسة وأماكن العمل والمجتمع بصورة عامة .

وبناءً على ما تقدم، نرى أن اختيار الحزب الديمقراطي الكردستاني للأخ نيجيرفان بارزاني رئيسًا للإقليم، والأخ مسرور رئيسًا لحكومة الإقليم، اختيارًا صائبًا بموجب الشروط والظروف الراهنة، فهذا الأمر يضمن الاستقرار الأمني، وتماسك الموقف الكردي، كما أن الاتفاق الذي كان بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، وحركة التغيير حول الاسمين وتشكيل الحكومة، يؤكد أيضًا أهمية المحافظة على الموقف الكردي المتماسك، في ظل واقع الزلازل السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، وأن وجود الأخ الرئيس مسعود بارزاني على رأس الحزب وقوات البيشمركة يمثل ضمانة للمرحلة الانتقالية هذه، فهو ساهم، وسيساهم بتجربته الطويلة وحكمته وصبره وبعد نظره، في تذليل العقبات، وإشراك مختلف الأحزاب في العملية السياسية، لمصلحة مواطني الإقليم، من دون أي تمييز أو إقصاء، بغض النظر عن الانتماءات والتوجهات السياسية والآراء الفكرية.

مواطنو الإقليم في انتظار تشكيل حكومتهم التي نأمل أن تكون ورشة عملٍ متكاملة، تعمل من أجل تأمين فرص العلم والعمل للجيل الشاب، الذي يمتلك طاقات إبداعية هائلة تنتظر توفير الفرص وإزلة العقبات، ووضع الأسس الثابتة للإدارة الراشدة الحكيمة.

بقي أن نقول: إن تجربة إقليم كردستان العراق تجربةٌ واعدة، وهي تجربة من المنطقة، يمكن الاستفادة منها بهذه الصورة أو تلك، من قبل مجتمعاتنا التي تتشارك مع المجتمع الكردستاني في الكثير من الخصائص والعوامل، وذلك في سياق السعي من أجل إيجاد الحلول لجملة المشكلات الكبرى التي تعاني منها، نتيجة عقودٍ من الاستبداد والفساد، والمتاجرة بشعارات ثوروية، لم تكون إلا أداةً وظيفية للتضليل والتعمية، والتغطية على الممارسات التي مزّقت المجتمعات، ودمّرت العمران والإنسان، ولم تكن حصيلتها إلا الحطام، على حد تعبير المفكّر الراحل الدكتور طيب تيزيني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق