مقالات الرأي

من اللا دولة إلى اللا ثورة

لم تنضج “الجمهورية السورية” بالمقدار الكافي الذي يخوّلها أن تصير دولة كاملة الأركان، فبعد جلاء القوات الفرنسية، حاولت الدويلة المبتدئة في مشروع الاستقلال أن تقف على قدميها، وقد استطاعت، خلال السنوات العشر التي أعقبت ذلك الجلاء، أن تخطو بضع خطوات إلى الأمام، من خلال حياة برلمانية كانت تأسست أصلًا إبان وجود المحتل الفرنسي، لكن تلك الخطوات اصطدمت بسلسلة انقلابات أفقدتها توازنها، وقبل أن تصحو على نفسها، وجدت نفسها متورطة في تجربة وحدة غير مدروسة بشكل كامل مع مصر، ففقدت معها اسمها، وتحولت إلى إقليم تابع في مشروع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وجمهوريته المتحدة، التي لم يكتب لها النجاح، فكان عليها بعد ثلاث سنوات أن تخرج من تلك الوحدة منهكة، وتعود إلى نقطة الصفر سياسيًا، لتبدأ من جديد، لكن الأمر لم يستمر طويلًا، كما هو معروف تاريخيًا، فوجدت نفسها تعود مرة أخرى إلى مرحلة الانقلابات السياسية، وهذه المرة بسيطرة شبه كاملة لحزب البعث على السلطة، ومن هنا يمكن التأريخ لنهاية تشكل الدولة السورية، إذ سوف تكتمل سيطرة حزب البعث المطلقة على السلطة عام 1970 في أعقاب الانقلاب الذي نفذه حافظ الأسد، والذي سينتج عنه تغول للديكتاتورية غير مسبوق، وسوف يظل مستمرًا إلى ما بعد رحيله منتصف العام 2000، حيث سوف تتحول تلك الجمهورية إلى نوع جديد من أنواع أنظمة الحكم، غير مسبوق في المنطقة العربية، حيث سيرث ولده الحكم عنه، فيما سوف يعرف اصطلاحًا ”بالجمهوملكية” فنظام الحكم الجمهوري استعار مفردات الحكم من الأنظمة الملكية كاملة من دون أي نقصان، فصار لدينا عائلة حاكمة، فلم يعد مستغربًا على الإطلاق وجود من ينتسب إلى تلك العائلة في أي مفصل من مفاصل الدولة، ولذلك فلن يكون غريبًا أن يطلق على سورية اسم “سوريا الأسد”، وهو اسم تستطيع رؤيته حيثما توجهت في سورية، والأمر لا يتوقف عند رأس النظام الحالي، والمصنف عالميًا، بأنه واحد من أسوأ الديكتاتوريين على مر التاريخ، والذي تنتهي ولايته الدستورية، حسب دستوره هو شخصيًا عام 2021. فقد صرّحت زوجته عام 2016، بأنها تحلم أن ترى ولدها “حافظ الثاني” يكمل مسيرة جده وأبيه في الحكم. وهذا الحلم لا يعكس سوى ترسيخ لمفهوم ملكي في صيغة جمهورية، وهي محاكاة لما حدث في كوريا الشمالية تمامًا، التي تصنف عالميًا بأنها الدولة الأسوأ، من حيث الحريات والحقوق العامة، ما يعني أن الدولة السورية غير ناضجة، فهي لم تجد لنفسها حتى الآن، نظام حكم يناسبها، مذ فقدت معناها الجمهوري عام 1970، ولكنها لم تصبح ملكية أيضًا.

على الطرف الآخر، كانت الثورة السورية التي انطلقت منتصف آذار/ مارس عام 2011 فرصة تاريخية لتصحيح هذا المسار المتردي في التاريخ السوري، فقد كانت ثورة طموحة جدًا، وكان لديها قابلية هائلة للتطور والتفوق على النظام، في الكثير من الخطوات التي اتخذتها في سنتها الأولى على الأقل، ليس المقصود طبعًا مرحلة الثورة السلمية، ولكن مرحلة المجالس المحلية، والطريقة التي أدارت بها الأمور في بعض المناطق، وتمكنها من تحقيق استقلالية نوعًا ما، لكنها كانت تجربة قصيرة الأمد، ولم يكتب لها الاستمرار بسبب التداخلات الكثيرة التي طرأت على الثورة، فانزلقت إلى فخاخ كثيرة، وصولًا إلى تورطها في مصطلحات ومفاهيم لم تكن قط جزءًا من مسارها الثوري، الدعوة مثلًا إلى حرب تحرير شعبية، إطلاق تسمية المناطق المحررة، ولا أدري إن كانت هذه الاستخدامات قد جاءت عشوائية أم تمّ الإعداد لها، إسقاط علم ورفع علم، تلك صورة تكررت كثيرًا، ولا نقول ذلك لأننا ضدها أو معها، لكن لأنها شكلت إشارات إلى تغير مسار تدريجي، بالإضافة طبعًا إلى تحول الوسيلة إلى غاية، وهو أخطر ما وقعت فيه الثورة، فأن يصرّح كثيرون -عبر وسائل الإعلام- أن هدفنا هو إسقاط النظام، فهذا يعني ألا أفق بعد ذلك الإسقاط، وهو الأمر الذي أتاح للعسكرة أن تحلّ محل العمل الثوري كليًا، ولم تعد المشاريع الثورية مجدية في المدى المنظور كالعمل الإعلامي مثلًا، إذ إن الغاية “إسقاط النظام” وهذه مقتلة كبرى. يقول معارض سوري مشهور، في تبريره لدعمه أحد الفصائل الجهادية الراديكالية: “هم مجاهدون صادقون يسعون لإسقاط النظام”. ولم نكن نعلم وقتها، صراحة، أي ورطة تلك التي تورطنا فيها، بفعل هذا التداخل بين ما هو جهادي يحلم بإقامة إمارة أو دولة إسلامية، وبين ما هو ثوري كان يحلم بإقامة نظام حكم عادل، للوصول إلى دولة مواطنة تحترم حقوق مواطنيها، لكن نتائج ذلك التداخل الكارثي بدأت تظهر حين قويت شوكة الجهادي على حساب الثوري، حتى لم يعد الثوري موجودًا، بالمناسبة، ليس جميع المنفيين والمهجرين فرّوا من جحيم نظام دمشق، هناك عشرات وربما مئات الآلاف الذين فروا بسبب “جنة” الجهاديين. هذه المعمعة أوصلتنا إلى حالة اللا ثورة التي نعيشها، وإن كنا ما زلنا ندافع عن حلم الثورة، ونردد أن الثورة مستمرة وأنها سوف تنتصر، فالحالة لا تختلف أبدًا عمّا يردده جمهور مؤيدي نظام دمشق بأن “الدولة السورية” سوف تنتصر أو أنها انتصرت فعلًا، مع أنهم يعلمون علم اليقين أنهم يعيشون في لا دولة، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله تلك الدولة التي يزعمونها هو إقامة تمثال مشوّه لأحد أفراد العائلة الحاكمة على أنقاض مدن مهدمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق