مقالات الرأي

مراجعة نقدية أولية في ضوء تجربة كردستان العراق 1/ 2

لم يخفِ صديقي القديم، الكردي اليساري، عدم ارتياحه من الخطوة التي أقدم عليها الإخوة في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، وهي الخطوة التي تمثلت في ترشيح نيجيرفان بارزاني لرئاسة إقليم كردستان، ومسرور بارزاني لرئاسة حكومة الإقليم. ولم يكتف بذلك فحسب، بل بدأ بتقديم أسباب عدم ارتياحه لهذه الخطوة، أو عدم ترحيبه بها. وكان من بينها أنها تكرّس الحكم العائلي، وتقلل من شأن الكوادر الحزبية من أصحاب التاريخ والتجربة والتاريخ النضالي الطويل ضمن الحزب الديمقراطي الكردستاني. هذا إلى جانب تعارض هذه الخطوة مع بدهيات العملية الديمقراطية التي لا تسد الأبواب عادة أمام كل من يجدون في أنفسهم الكفاءة والقدرة والرغبة في التقدم لمختلف لمسؤوليات الأساسية منها والفرعية.

وقبل أن ينهي حديثه، ليطلب مني أن أبدي رأيي في الموضوع، شدد على اعتزازه بالدور النضالي الذي لا تشوبه شائبة للأسرة البارزانية التي دافعت عن حقوق الكرد بكل إمكاناتها، على مدى ما يقارب القرن من الزمان، وضحّت بالكثير الكثير، وذلك في وقت كانت القضية الكردية مكلفة جدًا بالنسبة إلى المدافعين عنها، وكانت تُعد من القضايا الخاسرة المسدودة الآفاق.

لقد استبسلت هذه الأسرة، وصبرت، وتحمّلت، واستطاعت في مختلف المراحل قيادة الكرد إلى ميادين جديدة واعدة، وبلغت القضية الكردية بفضلها، وفضل قوافل الشهداء من أبناء شعبها، أعلى وأرفع المستويات الإقليمية والدولية. وكانت باستمرار في مقدمة المدافعين عن الكرد وحقوقهم. ولم تكن وقفة الأخ الرئيس مسعود بارزاني الأخيرة مع أبنائه من الأسرة وأبنائه من البيشمركة، في التصدي للخطر الداعشي، سوى محطة من محطات كثيرة في التاريخ المشرف لهذه الأسرة. ولكن كل ذلك، والكلام ما زال لصاحبنا الكردي اليساري، لا يمنعنا من نقد هذا الإجراء، لأنه يسجل في غير صالح النضال الطويل الشاق الذي خاضه البارزانيون، كما أنه يولّد، شئنا أم أبينا، ردّات أفعال سلبية لدى قسم من كوادر الحزب الديمقراطي، الذين يجدون في أنفسهم الكفاءة الكافية لتحمل مثل هذه المسؤوليات.

ولم يكتف صاحبي بما ذهب إليه، بل أصرّ على معرفة وجهة نظري حول هذا الموضوع، وكان جوابي هو الآتي:

ما يميز مجتمعات منطقتنا بصورة عامة، ونخبها الفكرية والسياسية على وجه التخصيص، هو تقليد ما دعا إليه، أو توصل إليه، وطالب به الآخرون في المجتمعات التي سبقتنا في ميادين عديدة، وفي الوقت الذي تتابع المجتمعات المعنية هنا تقدمها، تتراجع مجتمعاتنا على مختلف المستويات لأسباب كثيرة، منها ما يتصل بالعوامل الداخلية، ومنها ما له علاقة بالضغوط الخارجية التي باتت أكثر تأثيرًا وقدرة على التحكم والتوجيه، وضبط الأوضاع لدينا أكثر من أي وقت مضى.

فنحن تبنينا الأيديولوجية الاشتراكية، واعتقدنا بأننا سنتكمن من تطبيقها في مجتمعاتنا التي لم تكن قد تجاوزت في غالبيتها مرحلة الإقطاع. ولكن فيما بعد، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، خفَت صوت معظمنا أو تراجع. والأمر ذاته فعلناه مع التيارات الفكرية والنظريات السياسية التي ظهرت في المجتمعات الغربية بصورة خاصة، وتحولت إلى أيديولوجيات التزمتها الحركات السياسية هناك بناء على قراءاتها لواقعها، وسعيها من أجل تلبية حاجاته، وحل مشكلاته.

ونحن عوضًا من دراسة واقعنا المشخص، وتحديد مشكلاتنا الأساسية، والعمل على إيجاد الحلول لها، قمنا بعلمية تبنٍّ ميكانيكية لمجمل تلك الآراء والنظريات، وتفاعلنا معها بوصفها “منتوجًا” علميًا يمكن أن تستفيد منه كل المجتمعات، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار واقعنا، وطبيعة المسائل والقضايا والتعقيدات التي نعانيها، والتحديات الوجودية المصيرية التي تواجهنا.

هكذا تعاملنا مع الأيديولوجية القومية، ومع العلمانية التي حوّلناها إلى أيديولوجيا أشبه ما تكون بدين جديد، عوضًا من أن تكون نظامًا إداريًا أساسه حيادية الدولة تجاه مواطنيها بانتماءاتهم المختلفة. كما تعاملنا مع الديمقراطية ذاتها من هذا الباب، وأصبحنا بين عشية وضحاها من عشاق الديمقراطية ومريديها، بعد أن اختزلنا العملية الديمقراطية والنظام الديمقراطي بصورة عامة في انتخابات اعتمدنا كل الأساليب بهدف تزويرها، والتحكم في نتائجها.

فالديمقراطية ليست النظام الأمثل في إدارة المجتمعات، ولكنها النظام الأفضل حتى الآن، والأكثر قدرة على حل المشكلات، أو تجاوزها عبر حلول توافقية، وذلك عبر الاحتكام إلى رأي الأغلبية، بغض النظر عن حدود أو درجة الصواب. والنظام الديمقراطي اليوم يعاني أزمةً في العالم كله، وهذا مرده تراكم السلبيات، وتعقد المشكلات، وتداخلها على المستويين الإقليمي والدولي، وتفاعلها مع العوامل الداخلية؛ هذا فضلًا عن عدم اتخاذ الإجراءات التي كان من شأنها معالجة الأمور قبل استفحالها، ولا سيّما في أجواء تصاعد الحركات القومية اليمينة المتشددة، والاتجاهات العنصرية والدينية المتطرفة التي اتخذت من الإرهاب وسيلة لبلوغ مآربها. وكل ذلك يجسد تحديات كبرى أمام الأنطمة الديمقراطية التي لا ترتقي آلية اتخاذ القرارات فيها إلى مستوى تطور الأمور وتفاعلاتها، وضرورة التعامل معها بسرعة وحزم قبل استفحالها.

وما نشهده من انتشار للتيارات الشعبوية، في العديد من المجتمعات الأوروبية الغربية والشرقية، حتى في الولايات المتحدة الأميركية وأميركا اللاتينية، يؤكد وجود ثغرات في النظام الديمقراطي تستوجب المعالجة قبل خروج الأمور عن السيطرة، خاصة في أجواء توفر القدرات التكنولوجية لدى الدول الأجنبية التي تسيرها الدكتاتوريات المفتوحة أو المقنعة، الأمر الذي يمكنها من التدخل في الانتخابات عبر نشر المعلومات المضللة، والتحكم في توجهات الرأي العام. هذا إضافة إلى تداخل مصالح شبكات الفساد العابرة للحدود. ومن الملاحظ أن التيارات المقصودة هنا تتكأ على قواعد اللعبة الديمقراطية، وتستغل ثغراتها، لتروج لنفسها بوصفها القوى القادرة على إيجاد الحلول للمشكلات التي عجزت عنها القوى السياسية التقليدية، والأحزاب المخضرمة.

ولكن مع ذلك، هناك جملة عوامل مساعدة في المجتمعات الغربية تخفف من حدة السلبيات المتكدسة، وتفسح المجال أمام التفكير في حلول إبداعية، واتخاذ إجراءات من شأنها معالجة النواقص والعيوب والعثرات، ويُشار في هذا المجال إلى حق حرية التعبير المصان دستوريًا، وإلى فاعلية المجتمع المدني، هذا إلى جانب احترام مبدأ فصل السلطات، واستقلالية القضاء، وخضوع الجيش لسلطة الحكومة التي تستمد مشروعيتها من البرلمان الذي يجسد إرادة الناخبين الأحرار، وذلك بموجب انتخابات نزيهة شفافة، مفتوحة أمام الصحافة الحرة، والمراقبين من مختلف الدول والمؤسسات.

أما في منطقتنا، فقد باتت العملية الديمقراطية مجرد شعارات ديماغوجية، الهدف منها التغطية على تحكّم العسكر في قدرات البلدان ومصاير الشعوب. ولنا في تجارب الجمهوريات العربية الوراثية والأسرية والشللية التي ألغت الدساتير أو عدّلتها -وما زالت تعدلها- وفق مقاساتها، في لحظات أسرع من لمحة البصر. ولنا في المآلات التي وصلت إليها، والفظائع التي انكشف أمرها، والانتكاسات التي حدثت بعد انطلاقة الثورات العربية، لنا في كل ذلك نماذج مؤلمة لا تطمئن، ولا توحي أو تبشّر بالمستقبل المنشود من جانب شعوبنا وأجيالنا المقبلة.

فمجتمعاتنا ما زالت تعيش مرحلة هيمنة الولاءات ما قبل الوطنية، والسلطات جميعها متداخلة، تتحكم فيها الأجهزة الأمنية، العمود الفقري “للدولة العميقة” التي تتحكم في جميع مفاصل الدولة والمجتمع. أما المؤسسات الشكلية التي يُراد لها أن تكون جزءًا من لعبة الخداع والتضليل. ويُشار هنا إلى مجالس الشعب، والمؤسسات الصحافية، والمنظمات الشعبية، والجمعيات التي تعمل في مجالات نشاطات المجتمع المدني، فهي جميعها مجرد ديكور لتزيين المشهد، والتغطية على الواقع المعاش الصادم. إن تجربة عقود من الفشل والإخفاقات والمآسي والتخلف الشمولي، تلزمنا بإجراء مراجعة نقدية جدية جريئة لكل ما حصل.

فمجتمعاتنا التي تتميز بتنوعها الديني والقومي والمذهبي، كانت باستمرار ضحية سياسات وحيدة الاتجاه، سعى القائمون عليها من أجل التحكم والسيطرة، وغالبًا ما كانت الانقلابات العسكرية هي الأداة التي تعتمدها المجموعات المتصارعة في مختلف البلدان. والملاحظ هو أن أصحاب كل انقلاب كان يصرون على استخدام مصطلح الثورة، للتغطية على تعطشهم للسلطة، وذلك في محاولة لشرعنة اللامشرعن، وتصفية الخصوم باسم ثورة مزعومة كانت مفصّلة وفق مقاسات زمرة الانقلابيين، التي سرعان ما كان يدب الخلافات بين أعضائها، وتتفاقم الصراعات لتتجسّد الحصيلة في زعيم أوحد، بعد أن يتمكن من الفتك برفاق الأمس وخصوم المستقبل المحتملين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق