مقالات الرأي

سورية والمحاور الجيوبوليتيكية المستحدثة

لم يتأخر تكشف مسار أستانا المثير للدهشة والقلق، سياسيًا، وقد بات واضحًا، بعد طاولته الثانية عشر، كمّ الوبال الذي يحمله، لا بل كمّ المغالطات والفواجع الذي يتضمنه.

أستانا التي دشنت أولى لقاءاتها، عقب اتفاق مسرب عن قبول الأتراك تهجير سكان حلب أواخر عام 2016، وانطلاق عملية سياسية بعده سمّيت بموقعة أستانا، تحت شعارات واهية سميت بـ “خفض التصعيد”، تلك التي لم تخطئها عين تحليل سياسية بأنها فخ سياسي محكم، لهيمنة القوة وفرطها بجني الحلول السياسية، تحت عناوين براقة عنوانها الأوضح “المداهنة” والمكر السياسي، حتى باتت المناطق السورية مكشوفة كلية، بجملة من المخططات الإقليمية في تغيّر وجودها الديموغرافي وتهجير غالبية سكانها، وتحويل مساراتها الوطنية إلى مسارات تحكم وهيمنة، كما هي إخضاع وتفريع من محتواها، والتحوّل من مسارات التغيير الوطني المنشود، إلى مسارات تقاسم النفوذ والسطوة العسكرية، التي تفضي إلى تحكم سياسي بالنتيجة ومساومات اقتصادية، في الكعكة السورية التي تكاد تنضج وتصبح “لذيذة وشهية”، على حساب ألم السوريين وأوجاعهم.

اليوم، بعد محطة سوتشي الأخيرة بين بوتين وأردوغان التي لم يمض عليها شهور، والتي اتفقا فيها على إيقاف العمليات العسكرية بإدلب، وإيلاء الجانب التركي مهمة ترتيبها سياسيًا؛ تعود آلة القتل مجددًا للتغول في إدلب على أهلها المجموعين من كافة المناطق السورية، وعددهم نحو ثلاثة ملايين، فهل فشل اتفاق سوتشي ولم يفلح الأتراك في ما اتخذوه على عاتقهم من مهمات؟ أم ثمة ما يدور بخلفية المشهد، ويربك التحليل السياسي ويفقده القدرة على التكهن بمجرياته؟؟

مما لا شك فيه أن أستانا هي السلاح الأكثر فاعلية بيد الروس سياسيًا، لتحقيق غرضين مهمين لها: الأول استمالة الأتراك في معادلتهم الإقليمية بالتعاون من الإيرانيين، في تقاسم النفوذ داخل سورية، واستبعاد كافة القوى الأخرى، وبخاصة الخليجية والعربية، من المعادلة، وذلك باعتبار أن الأتراك هم الأكثر قدرة وقربًا من المعارضة السورية، خاصة العسكرية والسياسية الفاعلة منها، كما أن في قرب الإيرانيين من سلطة النظام، ما يضمن للروسبوتينية التحكم بالطرفين.. والثاني هو تفريغ محتويات القرارات الدولية الخاصة بالانتقال والتغيير السياسي المبنية على جنيف 1، وما تلاه من القرار 2254/2015، إلى جملة من التفاهمات الجيوبولتيكية بين الأطراف الإقليمية الفاعلة بالملف السوري، وفق إدارتها الروسبوتينية له، ما يضمن لها التفوق الإقليمي ومن ثم الدولي، كقطب عالمي يسعى لأن يكون منفردًا على الساحة العالمية…

وفي جهة أخرى، بدأت تتكشف مع الزمن أشكال الخلاف على تقاسم النفوذ في سورية، سواء بين الروس والإيرانيين، والتي تطورت، بحسب تقارير عدة، إلى نزاع عسكري يبدو محدودًا لليوم، لكنه مترافق مع غض نظر واضح روسي عن العمليات العسكرية الجوية الإسرائيلية على المواقع الإيرانية، ما يشير إلى رغبة الروسبوتينة في الاستفراد بالداخل السوري، سيطرة وهيمنة، ما يجعلها تبارك أي خطوة تزعزع الوجود الإيراني فيه من دون أن تقدم على مواجهتها مباشرة بشكل عريض وواسع، قبل أن تثبت وجودها السياسي والاقتصادي بشكل وثيق ومنفرد في الداخل السوري. هذا ما جعلها أكثر قربًا من تركيا في تفاهماتها الجيوبولتيكية؛ كون الأتراك يستفردون في المنطقة الشمالية خارج حدود سورية المفيدة لها، فمهما بلغت الخلافات بينهما تبقى قابلة للتحديد في محيط آمن، تحاول روسيا ترسيمه يومًا وراء يوم.

الخارطة الجيوبوليتيكية الروسية بدأت تتحدد بمحاور ثلاث:

  • محور المحيط الآمن في الساحل السوري، وذلك بفصل التداخل القائم بين محافظتي إدلب وحماة، ما يجعل الأتراك يغضون النظر عن عمليات محدودة عسكرية في الشريط الأمن منزوع السلاح المتفق عليه بسوتشي الأخيرة، مكتفية بمنطقة الحيازة الكاملة لها في شمال حلب وصولًا إلى حدود منبج، وربما بشريط حدودي شمالي في منطقة شرق الفرات، المنطقة الخاضعة لسيطرة (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) والحماية الأميركية، وهي خارج المعادلة الروسية تمامًا.
  • محور شرق الفرات، الذي يخضع للحماية الأميركية كخط أحمر عريض وتحت إشراف (قسد)، والعائق الوحيد فيه هو قدرتها على التحكم في المنفذ البري المترسم بالبوكمال وسيطرة القوى الإيرانية عليه، ما يجعل النفوذ الإيراني للعمق السوري، حيث سيطرة الروس فيه تصبح قلقة وغير مستقرة، ما يحتم على الروس فتح البوابة الشمالية عبر تركيا ومحور حلب – إدلب، والاستعاضة من محور البوكمال، ما يوفر لها شرطي: تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع “إسرائيل” وأميركا، في استبعاد الدور الإيراني من معادلة الداخل السوري، كما يحقق لها الاستفراد بالحل السوري الداخلي وفرض شروطه السياسية كاملة، وفق رؤيتها المنفردة وبالضرورة ما يتبعه من شروط اقتصادية في إعادة الإعمار وهيمنة مباشرة على مواقع الطاقة في الساحل السوري.
  • محور المنطقة الجنوبية المنسي لليوم، والمتروك بحكم المهمل سياسيًا، مع أنه يشكل حالة فوضى متعالية تتخلله الاستهدافات الفردية وتحييد الأطراف الفاعلة منه، بغية كسبه سياسيًا بأقل التكاليف الممكنة، خاصة أن بوابتيه الحدوديتين مرتبطتان بالأردن و”إسرائيل”، وبالضرورة بالقرار الأميركي والبريطاني، وهو ما تتجنبه روسيا لليوم.

أمام هذه المعادلات المعقدة جيوسياسيًا، بصبح المشهد والتحليل السياسي أيضًا معقدًا وغير كاف بتوصيف المشهد العام واستخلاص نتائجه، ويوحي بالمزيد من التعقيد في ملفاته الأمنية واتفاقاته الخلفية غير المعلنة، إلا بنتائجها الواقعية ومجرياتها اللحظية، ولكن تبقى خطوط المسألة السورية بعمومها هي الأوضح لليوم، في عدم قدرتها في الوصول إلى آليات تغيير في هذه المعادلة العامة متعددة الأطراف والمصالح، وربما تكون خياراتها الأصعب والأعقد والأكثر كلفة على السوريين بكل أطيافهم، فكيف وإن تغيّرت المعادلات بشكل سريع وانتقلت المعارك فعليًا، من محور إدلب – حماة لمحور البوكمال باتفاق روسي أميركي، على قطع المد الإيراني البري من خلاله؟ فسيزداد العنف والعنف المضاد خاصة من الجانب الإيراني الذي يهدد بتفجير المنطقة بعمومها من البوابة الجنوبية وخاصة في محيط دمشق… ومع هذا تبقى كل السيناريوهات قابلة للتوقع كما النفي بذات الوقت، ويبدو الأوضح اليوم أن خيار السوريين روسيًا هو القبول بأحد شرطي المعادلة العسكرية فقط: إيران وروسيا معًا، أو روسيا منفردة في الداخل السوري، بينما شمال وشرق الفرات لليوم خارج الحسابات جميعها؛ ومع هذا تطل علينا كل يوم المزيد من طروحات “الحلول السياسية”، وكأن ثمة ما يوحي باقتراب المسألة من نهايتها، وربما فصلها الأخير في الحرب، وقد يكون الفصل الأكثر دموية والأكثر غرابة في شكل تحالفاته القادمة، لتبقى سورية لليوم ليست حلًا سوريًا كما نشتهي ونرغب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق