مقالات الرأي

الثورة ومشروع بناء الدولة الوطنية

يبتعد السوريون، على نحو واضح، من الاهتمام بالدراسات والأبحاث التي تتناول الواقع أو تستشرف المستقبل، وساهم في ذلك فشل كافة السيناريوهات والتوقعات التي تم طرحها وتداولها والتعويل عليها مرارًا، في إسقاط نظام الأسد، إضافة إلى التركيبة النفسية الخاصة بالسوريين التي تفضل الاهتمام بالوقائع ومجرياتها وبالإشاعات.

أدت حرب نظام الأسد الهمجية على الشعب السوري إلى تدفق قوى احتلال خارجي وميليشيات طائفية مرتزقة، وبالنتيجة فقدت الأطراف السورية قرارَها الوطني المستقل، وقدرتها على الفعل والتأثير، وزاد ذلك من لامبالاة السوريين وتراجعهم عن المشاركات الفاعلة في النشاطات والفعاليات الثورية، ومتابعة الوقائع الميدانية، من قصف وتهجير وتعذيب واعتقال وشهداء، على وسائل التواصل الاجتماعي.

يفترض أن يرتفع تفاعل السوريين ونشاطهم طردًا، مع اشتداد وطأة أزمتهم الوطنية، ولا يمكن قبول أو تفسير حالة الاستسلام وفقدان الأمل لديهم، ومن الضروري الاستمرار تحت كل الظروف في نقاشات حرة مفتوحة بين السوريين من دون وصاية خارجية، وعدم ترك مراكز الأبحاث الغربية تتحكم وحدها في السيناريوهات والرؤى المستقبلية التي تحكم مصير البلاد.

أخطأت قوى الثورة والمعارضة في تأجيل دراسة معظم الملفات الوطنية المصيرية، أو الدخول في عمقها وتحديد مواقفها حيالها إلى ما بعد إسقاط نظام الأسد الذي كانت تضعه في طليعة أهدافها، لكنها خسرت أوراق قوتها تدريجيًا، منذ وقوعها في فخ مفاوضات جنيف ثم مسار أستانا، وانتهى بها الأمر إلى مجرد طرف مشارك على هامش الاجتماعات التي تساق إليها، وجرى تغييب السوريين قسرًا عن كواليس ما يحاك لهم، بخصوص ملفات مصيرية تتعلق بهم ومستقبل وطنهم، وليس أمامهم سوى الشروع في نقاش مستقل على مستوى وطني لبحث خريطة طريق سورية المستقبل، ووضع تصورات عن مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي، يضمن بالحد الأدنى:

  • كيفية إخراج كافة قوى الاحتلال والميليشيات من الأراضي السورية، وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.
  • تجاوز مأزق التقسيم الذي أصبح يهدد فعليًا وحدة الأراضي السورية، وقد تحول ذلك من مجرد احتمال مطروح إلى خطر داهم مع وقائع ميدانية تنذر بإمكانية تحقيقه.
  • السعي لعقد مؤتمر وطني سوري، بعيدًا من الإملاءات الخارجية والتبعية، مع ضمان تمثيل حقيقي ينتج عنه عقد اجتماعي، يؤمن مصالح كافة المكونات السورية القومية والدينية، وتحديد شكل الدولة ونظام الحكم وطريقة التداول السلمي للسلطة، وإبعاد الجيش وأجهزة الأمن من الحياة السياسية، والنص بوضوح على الحريات الشخصية والسياسية والحزبية والفكرية والدينية وعدم تعطيلها أو المساس بها تحت أي ذريعة، مع توفير عدالة انتقالية شاملة وبرنامج تعويضات وافي.
  • تجنب الوقوع في مصيدة المحاصصة السياسية أو الإدارية على أي أسس كانت قومية أو طائفية.
  • تحديد نظام اقتصادي ملائم لطبيعة المجتمع السوري الخارج من تأثيرات حرب طويلة قاسية، وبما يضمن توفير الدولة برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم وكافة الخدمات الأساسية، واستمرار تقديم برامج الدعم في مراحل إعادة الإعمار والبناء.
  • توفير ضمانات عودة طوعية للاجئين والنازحين، وإنهاء ملف جرائم التهجير والتطهير العرقي والطائفي.

المشكلة تكمن في ضياع الجهود الحثيثة لزرع الثقة مع سير الأحداث عكس توقعات السوريين ورغباتهم، ولتجاوز حالة السلبية واللامبالاة وتجاوز الإشكالات العميقة التي تخلفها، ينبغي التأكيد أن الثورة بالأساس هي مشروع لبناء دولة عصرية، وليس انتصار الثورة وإسقاط نظام الإجرام الأسدي سوى الخطوة الأولى على الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق