ترجمات

هل هناك تحولٌ استراتيجي وشيك في الشرق الأوسط؟

واشنطن تسبب إساءة كبيرة لنفسها بإبعادها أنقرة وطهران معًا.

عشية الربيع العربي القصير العمر، في كانون الثاني/ يناير 2011، كتبتُ قصةً ناقشت فيها أن “مركز الثقل في الشرق الأوسط قد تحول في العقود القليلة الماضية، من القلب العربي الذي يضم مصر والهلال الخصيب، إلى ما يُعدّ (المحيط غير العربي) وهنا أقصد تركيا وإيران”، واستمر هذا التصور على الرغم من المدّ والجزر في السياسية الإقليمية في الشرق الأوسط، فقد ساهمت الطبيعة الخامدة للسياسة العربية، وإدامةُ الحكم الاستبدادي، والحكوماتُ الفاسدة، إلى حد كبير، في تقليص الدور الإقليمي للدول العربية الكبرى، مثل مصر، وسببت الحرب الأهلية التي أعقبت الربيع العربي تمزيق العديد من الدول العربية، وأفضت إلى خلق دول فاشلة مثل سورية وليبيا واليمن، كما سببت هذه الحرب زيادة تهميش العالم العربي، ولا سيّما المملكة العربية السعودية، على الرغم من ثروتها النفطية الكبيرة، ولم تكن قادرةً على ممارسة نفوذٍ كاف في المنطقة، بسبب اعتمادها الواضح في الأمن على الولايات المتحدة، وطبيعة نظامها المتعجرف والغريب.

باختصار، ما تزال تركيا وإيران دولتين محوريتين في محيط المنطقة المضطربة، وما يزال الكثير من ديناميات الأمن في الشرق الأوسط يدور حول هذين البلدين، بغض النظر عن طبيعة نظاميهما، فلا يمكن بناء أيّ نظام أمني مستقر في المنطقة من دون مشاركة أنقرة وطهران، وهذا درس يجب على واشنطن أن تتعلمه.

لذلك، من الضروري أن تظل العلاقات الأميركية مع إيران وتركيا متجانسةً نسبيًا، إذا كانت الولايات المتحدة تريد تحقيق أهداف استراتيجية في المنطقة، وهذا يتضمن منع زيادة تأثيرٍ لقوى منافسةٍ لها في الشرق الأوسط، وهذا ينطبق كثيرًا على الزيادة الملحوظة في النفوذ الروسي، ولا يمكن للولايات المتحدة تحقيقه من دون تعاون طهران وأنقرة معها، ولسوء الحظ، فعلت واشنطن عكس ذلك تمامًا من خلال عزل طهران في العقود الأربعة الماضية، وكذلك فعلت مع أنقرة في السنوات القليلة الماضية.

كانت العلاقات الإيرانية الأميركية عدائيةً قبل عام 1979، لأسباب تعود إلى الانقلاب الذي قامت به وكالة المخابرات المركزية ضد محمد مصدق، أول رئيس وزراء منتخب في إيران عام 1953، وإلى دعم واشنطن لحكم الشاه الاستبدادي، وإلى أزمة الرهائن بُعيد الثورة، عندما احتجز طلاب موالون للحكومة 52 دبلوماسيًا أميركيًا مدة 444 يومًا، ووصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها، وبقيت مجمدة إلى أن تم التوقيع على الاتفاق النووي بين “مجموعة 5+1” وإيران في تموز/ يوليو 2015، بدا الاتفاق مشيرًا إلى تحسن في العلاقات الأميركية الإيرانية، وكان هناك الكثير من الأمل لدى الطرفين في أن يكون الاتفاق النووي نقطة انطلاقٍ لإعادة العلاقة بينهما طبيعية.

لكن انتخاب الرئيس دونالد ترامب رافقه تصعيد في الخطاب المعادي لإيران، والانسحاب اللاحق للولايات المتحدة من الصفقة النووية خيبت هذه الآمال، وبلغت ذروة هذا النهج بفرض عقوبات اقتصادية من جانب واحد، على طهران، عندما أعلنت إدارة ترامب في 22 نيسان/ أبريل أن واشنطن لن تجدد الإعفاء من العقوبات لثمانيةٍ من كبار مستوردي النفط الإيراني، وهذا التكتيك يهدف إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وجعل الاقتصاد الإيراني ينهار، وإجبار القيادة الإيرانية على الرضوخ التام للمطالب الأميركية، أو الانسحاب من الاتفاق النووي، وقد زودت الولايات المتحدة إسرائيل بالذريعة لشن هجمات جوية على منشآت إيران النووية.

رأى العديد من المراقبين أن هذا تمهيدٌ لحربٍ شاملة، وبخاصة رأي مستشار الأمن القومي جون بولتون، وهو من كبار المدافعين عن غزو العراق، ويملي على السياسة الأميركية تجاه إيران، ويشكلها في قالب السياسة العراقية الفاشلة، كما أشار بول بيلار بقوله: ” كانت الاستراتيجية لمحاولة الضغط على إيران، ودفعها إلى القيام بشيء ما -أي شيء- يمكن تفسيره على أنها مختلقةٌ للمشاكل”، وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن البيت الأبيض يراجع الخطط العسكرية التي تنطوي على نشر 120 ألف جندي أميركي ضد إيران، ويمكن الآن سماع أصداء حرب العراق بوضوح، فالعدد المقترح للقوات يقترب من العدد الذي تم نشره ضد العراق عام 2003.

حتى الآن لم تقع إيران في الطُعم، لكن هناك دلائل تشير إلى أن حكومة روحاني، تحت ضغط المتشددين في طهران، ويمكن أن تقع في الفخ، وأخطرت طهران مؤخرًا شركاءها الخمسة الذين بقوا في الاتفاق النووي أنها في تموز/ يوليو القادم سوف تبدأ بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى من المستويات المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وسوف تستأنف إنتاج أجهزة الطرد المركزي النووية إذا لم يتمكن الأعضاء الخمسة  في الوكالة من أن يؤكدوا لإيران بأنها يمكن أن تجني فوائد بموجب الاتفاق النووي، عن طريق تعويض عائدات النفط المفقودة، والسماح لها بالعودة إلى النظام المالي الدولي. من الواضح أن القوى الأوروبية لن تكون قادرةً على تلبية المطالب الإيرانية، بسبب الطبيعة المتشابكة للاقتصادات الأميركية والأوروبية، التي تجعل تلبية تلك المطالب باهظة التكلفة، وهذا قد يجبر النظام الإيراني على مواصلة تهديده بما يتعلق بالتخصيب وأجهزة الطرد المركزي، ويمهد الطريق لمواجهة كاملة بين واشنطن وطهران.

التقارير الأخيرة عن الهجمات على أربع سفن نفط -اثنتان منها للسعودية، وواحدة للنرويج، وأخرى للإمارات- بالقرب من مضيق هرمز، ونسب تلك الهجمات إلى عناصر موالية لإيران، زاد من درجة الحرارة في الخليج، وتزامن مع القرار الأميركي بإرسال حاملة الطائرات وبطاريةٍ مضادة للصواريخ، وقاذفات إضافية إلى الخليج، الأمر الذي يشير إلى المزيد من التصعيد في مواجهتها مع إيران.

المستفيد الرئيسي من هذا التصعيد في التوترات الأميركية الإيرانية هو روسيا، لقد أيدت ضمنًا إعلان إيران حول الانسحاب الجزئي من الاتفاق النووي، عبر تحميل الولايات المتحدة المسؤولية عن الوضع الحالي، بسبب ما وصفه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأنه “سلوك غير مسؤول”، كما أنها -أي روسيا- انتقدت الموقعين الأوروبيين على الاتفاق النووي لعدم وفائهم بالتزاماتهم بموجب الاتفاق النووي، وعلى الرغم من بعض الاختلافات بينهما، تعمل روسيا جنبًا إلى جنبٍ مع إيران في سورية، وكانت القوة الجوية الروسية والقوات البرية التي قدمتها إيران وحليفها “حزب الله” مسؤولين أساسيّين في انتصار الأسد القريب في “الحرب الأهلية” السورية.

إن السياسة الأميركية الشرسة الحالية تجاه إيران تدفع طهران إلى المزيد من التسلح وإلى الاقتراب روسيا، وتتيح للأخيرة الفرصة لتوطيد علاقاتها مع إحدى القوتين المحوريتين في الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن يكون لهذا تأثير طويل الأمد على الجغرافيا السياسية في المنطقة.

إن السياسية الأميركية تجاه تركيا، إلى حد كبير، تكرارٌ لسيناريو مع إيران، من حيث عواقبه طويلة الأجل، على الرغم من اختلافه، إلى حد كبير، من حيث التفاصيل، فتركيا حليفٌ تقليدي للغرب وعضوٌ في حلف الناتو، ولطالما شكلت العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة حجر الأساس لسياستها الخارجية، لكن في السنوات الأخيرة شهدت تدهورًا غير مسبوقٍ في هذه العلاقة، بسبب عوامل متعددة.

بينما كانت الولايات المتحدة، في البداية، على الجانب نفسه مع تركيا من “الحرب الأهلية” في سورية، فقد تغير هذا الأمر بشكل دراماتيكي مع القرار الأميركي بتسليح ودعم “وحدات الحماية الشعبية” الكردية في قتالها ضد الدولة الإسلامية، وقد ساعد ذلك “وحدات الحماية الشعبية” في تشكيل جيب كردي يتمتع بالحكم الذاتي في سورية بالقرب من الحدود التركية، وهذا التطور أزعج تركيا، حيث تَعدّ “وحدات الحماية الشعبية” امتدادًا لحزب “العمال الكردستاني” الذي يشن حربًا ضد الدولة التركية منذ عقود. لقد عدّت الحكومات التركية كل أشكال المطالب الكردية في الحكم الذاتي أنها تشكل تهديدًا مميتًا لوحدة الدولة التركية، وبالتالي، صار همّها الأساسي هو الهمّ الأمني، وتركيا غير مستعدةٍ لقبول وجود كيان كردي ذو حكم ذاتي في سورية قريباً من حدودها؛ لأنها تخشى من أن ذلك سيعطي دفعةً للاتجاهات الانفصالية الكردية داخل تركيا، وتحولت مسألة الدعم الأمريكي لـ “وحدات الحماية الشعبية” إلى لعبة بين أنقرة وواشنطن، محصلتها صفر، والعلاقة بينهما معكرة.

أدى قرار أنقرة شراءَ أنظمة دفاعٍ مضادةٍ للصواريخ من طراز “إس 400” من روسيا، إلى زيادة توتر العلاقات بين حليفين في الناتو، إذ تعدّ تركيا القرار قرارًا سياديًا لضمان أمنها، في حين أن الولايات المتحدة تعدّه تقويضًا لقدرات الناتو الدفاعية، وبخاصة أنه سيتطلب من الناتو تثبيت نظام صديق وحليف، لتحديد الهوية (IFF) التابع للناتو، بسبب أنظمة الصواريخ التي سيتم الحصول عليها من روسيا، وتعتقد الولايات المتحدة أن هذا سوف يعرض أمن الناتو للخطر، من خلال الكشف عن أسرار دفاعية مهمة لخصمه المحتمل، وهو روسيا، لذلك تستعد واشنطن لاستدعاء قانون مكافحة خصوم أمريكا، الذي كان عن العقوبات (CAATSA) عام 2017، وهو يمنع  المؤسسات الحكومية التركية وشركات الدفاع من العمل مع خصوم الأميركيين، وأوضحت واشنطن أيضًا أن شراء أنظمة “إس 400” سيؤدي إلى استبعاد تركيا من برنامج “إف 35″، لأن طائرات “إف 35” هي الجيل القادم من الطائرات الهجومية التي سيتم إدخالها في القوات الجوية في تسع من دول الحلف، فالحكومة التركية تشير إلى أنه من المحتمل أن تحصل على طائرة مقاتلة روسية لسد الفجوة التي سوف يخلفها عدم شراء مقاتلات طراز “إف 35″، وهذا سيزيد من تعقيد مهمة التشغيل المشترك مع حلف الناتو.

أدى القرار الأميركي بإنهاء العقد في شراء النفط الإيراني، إلى توتر العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، حيث إن إيران ثاني مورّدي الطاقة إلى تركيا، إضافة إلى ذلك، لدى أنقرة وطهران مصالح متداخلة تتعلق بالتهديدات الانفصالية الكردية، والعداوة مع المملكة العربية السعودية، ودعم قطر التي تواجه حصارًا من السعودية، وتتقاسمان العديد من القضايا الإقليمية الأخرى، تعدّ تركيا القرار الأميركي انتقاصًا من سيادتها؛ إذ انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو القرار الأمريكي فقال: “نحن لا نقبل فرض عقوباتٍ أحاديّة الجانب، وفرض عقوبات على طريقة بناء علاقاتنا مع جيراننا”، وإذا قبلت تركيا على مضض القرار الأميركي -جزئيًا على الأقل- من أجل الهروب من العقوبات، فإنه سيُضاف إلى قائمة تحفظات أنقرة ضد واشنطن.

في خضم هذا التراجع الهابط في العلاقات الأميركية التركية، ارتكب مقر القيادة العليا لقوات التحالف في أوروبا (SHAPE) ما اعترف به على أنه “خطأ في البروتوكول”، من خلال دعوة القبارضة اليونانيين إلى احتفال 3 أيار/ مايو بمناسبة تقلد جنرال القوات الجوية الأميركية، تود والترز، قيادة قوات التحالف في أوروبا، حيث قاطعت تركيا الاحتفال احتجاجًا، وهذا الأمر الذي زاد من السوء الظاهر بالفعل على العلاقات الأمريكية التركية.

في وقتٍ تتبادل فيه الولايات المتحدة وتركيا اللّوم على تدهور العلاقات بينهما، فإن المستفيد الرئيسي من إضعاف هذه العلاقة بين حليفين في الناتو، أكبر قوتين من القوات المسلحة في الحلف، هو روسيا. تركيا مصممة على أنها لن تلغي صفقة “إس 400″، وأعلن وزير الدفاع التركي، الشهر الماضي، أن من المرجح أن تستلم تركيا أول دفعة من منظومة صواريخ الدفاع الجوي “إس 400” في بداية حزيران/ يونيو، بدلًا من تموز/ يوليو.

يبدو أن تركيا وروسيا متفقتان على الهدف في ما يتعلق بسورية، بعد أن صرحت أنقرة ببقاء الأسد في السلطة وأيدت روسيا دعمها لموقف تركيا حيال “وحدات حماية الشعب” والجيب الكردي، وتجتمع تركيا وإيران وروسيا لتقرير مستقبل سورية، وقد عُقدت القمة الرابعة للقوى الثلاث حول سورية في سوتشي في شباط/ فبراير، واستمرت المشاورات في إيجاد حلّ لسورية، مقبول من الدول الثلاث، باستثناء الولايات المتحدة.

هذه المسارات في تعامل أميركا مع تركيا وإيران، ترسم موضوعًا مشتركًا يتمثل في أن الولايات المتحدة تتسبب في أضرار لايمكنها إصلاحها، في علاقاتها مع أهم قوتين إقليميتين في الشرق الأوسط، أو بمعنى آخر، تشير هذه التطورات إلى أن من المحتمل أن يكون هناك تحول استراتيجي كبير في المستقبل القريب في الشرق الأوسط، وستكون موسكو المستفيدَ الرئيسي من ذلك، وهذا لا يبشر بالخير لهدف واشنطن الأسمى، المتمثل في بناء هيكل مستقر وقانوني للأمن في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على أن تكون أميركا الضامن الخارجي الرئيسي، ولا يمكن بناء مثل هذا الهيكل الأمني من دون مشاركة أنقرة وطهران، وقد تكون الولايات المتحدة قد ألحقت ضررًا كبيرا لنفسها عن طريق عزلهما معًا، وفي وقت واحد.

 

العنوان الأصلي للمادة Is a Geostrategic Shift in the Middle East in the Offing?
الكاتب محمد أيوب: أستاذ فخري في العلاقات الدولية بجامعة ميشيجان الحكومية وزميل أقدم لمركز السياسة العالمية.
المصدر مركز السياسة العالمية/ Center for Global Policy.
الرابط https://www.cgpolicy.org/articles/is-a-geostrategic-shift-in-the-middle-east-in-the-offing/
المترجم وحدة الترجمة والتعريب/ محمد شمدين
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق