سلايدرقضايا المجتمع

“هَي سوريّة الأسد اللّي بدكن ياها”؟!

على مدار ثمانية أعوام، ردد المحققون والموالون لنظام الأسد، و”شبيحته” و”نبيحته”، عبارتين عاميتين ساخرتين استنكاريتين، ابتزتا الثورة السورية والثوار السوريين هما:

العبارة الأولى هي “بدكن حرية؟! أعطِهم حرية!” ثم ينهالون بالضرب والشتائم على مريدي الحرية. أما العبارة الثانية فهي “هي الحرية اللي بدكن اياها؟!”. ومن هنا انتشرت طرفة بين الثوار، كانوا يردون فيها على المحققين، في أثناء التحقيق في أقبية الأمن، على سؤال المحققين عندما يسألونهم مستنكرين وساخرين: “بدكن حرية؟!”، يكون جواب الثوار: “والله يا سيدي مو نحنا اللي بدنا حرية، هدول زعران تونس! هههه”. في إشارة إلى عدوى الثورات التي أطلقتها تونس.

وهنا تخطر على البال مقاربة من الوزن نفسه تقول: بدكن سورية الأسد؟! أعطهم سورية الأسد! وهي سورية الأسد اللي بدكن ياها؟! وذلك للإشارة إلى فظاعة الوضع السوري بالكيل من المكيال نفسه؛ لأن “سورية الأسد” وضعت من الأساس على الضد من سورية الحرية، لتبدأ المفاضلة العبثية ما بين الأسد وبين البلد، بين الاستبداد وبين الحرية.

وبعد القتل والتهجير والتعذيب، صار كل شيء “حر” في سورية إلا البني آدم ممنوع يصير حر؛ المازوت حر، البنزين حر، الغاز حر… وأصبحت سورية دولة فاشلة أو هشة، بحسب الاصطلاح الدولي لـ “صندوق السلام”.

والآن، يعيش عموم السوريين في الداخل حالة من الاستغراب والتعجب والتساؤل والاندهاش. ويكمن سر هذه الحالة التي يعيشونها في هشاشة الدولة السورية حقيقةً. إنهم يستغربون من أزمة الكهرباء والغاز والمازوت! ويتساءلون بسخرية عن سيادة الدولة السورية على حدودها وأراضيها، أمام العدوان الإسرائيلي المتكرر! ويغمزون على العلاقة الاستعلائية الروسية والإيرانية مع الرئيس نفسه ومع الدولة السورية، ويتعجبون من تدني الدخل الهزيل وغلاء الأسعار الفاحش… وكل هذا في ظل خطابات النصر والسيطرة والإخضاع!

وبالفعل، الدولة السورية لا تقوم بوظائفها الأمنية والخدمية والاجتماعية والاقتصادية والسيادية، إلا بشكل هشٍ جدًا، بينما تتعالى خطابات التهليل للنصر والخلاص بالترافق مع هذه الحالة المزرية. فإذا كان وضع سوريي الداخل على هذه الحال المزرية في حالة النصر والخلاص، فكيف سيكون حالهم إذًا في حالة الخسارة وعدم النصر؟! ويتقلص أمل السوريين تدريجيًا في الانتقال إلى وضعٍ أمنيٍ واقتصاديٍ وسياديٍ وخدميٍ أفضل، وتتعمق حالة انتظار المجهول بعلاقة تناسب طردي تزيد تعمقًا كلّما زادت الهشاشة.

وعلى الرغم من هذا كله، يرفض بعض السوريين حتى الآن تصنيف الدولة السورية كدولةٍ هشة! إنهم يعقدون الآمال والرهان على غدٍ أفضل، وفي آنٍ، ينكرون الوقائع ويتعجبون منها.

فكيف تكافح الدولة الهشة ضد هشاشتها عادةً؟ لتكافح الدولة الهشة ضد هشاشتها، تحتاج إلى شرعية من الشعب تقررها الانتخابات، واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وضبط الحدود والسيطرة على كافة أراضيها، وإيجاد فرص عمل وضبط الأسعار وزيادة الدخل وتحسين الخدمات والخوض في تنمية مستدامة تتوافق مع توجهات الأمم المتحدة؛ فمعركة الإعمار أصعب من معركة الدمار.

لقد احتلت الدولة السورية المرتبة الرابعة في مؤشر الدول الهشة لعام 2018 الذي يصدره “صندوق السلام” بالتعاون مع مجلة “السياسة الخارجية”. كما احتلت المركز 188 والأخير في ترتيب الدول عالميًا بحسب متوسط دخل الفرد السنوي بالدولار والبالغ 479 دولارًا في السنة، بحسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2018. يطلق على الدولة التي تفشل في وظائفها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسيادية مصطلح الدولة الهشة؛ لأنها تشكِل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين، ناهيك عن الخطر الذي تشكِله على مواطنيها وجيرانها الإقليميين.

فالدولة التي لا تحمي حدودها وسيادتها ولا يخضع كامل التراب السوري لها ولا تأبه بحقوق الإنسان ولا تأبه بحقوق الأقليات ولا تتشارك مع مواطنيها في الحكم والإدارة ولا تقوم بوظائفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية… هي دولة هشة بل فاشلة! ويحاجج بعضهم عبثًا بأنه لا يجوز لنا أنْ نصنفها كدولة هشة! فهذا لا يجوز عند تيار “المقاومة والممانعة”، والفساد والنهب! لدرجة المتاجرة في البلد وأمنها واستقرارها، ولدرجة أن لا شيء مقطوع في سورية، ولكن ادفع نقودًا مضاعفة عن السعر الرسمي وحسب، وستصلك المادة إلى البيت.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف جامع مانع للدولة الهشة ومثله في ذلك مثل جميع المصطلحات السياسية، فإنه يشير بشكل عام إلى أن الدولة الهشة تتميز بعدد من الخصائص، حددها يومًا الصحفي السوري حسين العودات:

  • إخفاقها بالقيام بوظائفها الأساسية بشكل جزئي أو كلي، خاصةً، في توفير الأمن وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
  • فقدانها السيطرة الفعلية على جزء من أراضيها وعجزها عن تأمين حدودها، وافتقادها احتكار الاستخدام المشروع للقوة.
  • استبداد وفساد النظام السياسي وتراجع شرعيته داخليًا وخارجيًا، وانعدام تداول السلطة، وتفشي الفساد الإداري في أجهزتها ومؤسساتها، إضافة إلى غياب النظم القانونية أو ضعفها، وفقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها.
  • تراجع وظيفة الدولة لجهة تقديم الخدمات العامة، وإساءة استخدام السلطة وزيادة التدخل الخارجي في شؤون الدولة الداخلية، ووجود صراع بين النخب الحاكمة.
  • تراجع مكانة الدولة الإقليمية والدولية، ووجود تحديات داخلية حادة تهدد بقاء الدولة ذاتها أو نظامها السياسي.
  • وجود حالة من العنف السياسي الشامل أو صراع مسلح لا تتمكن الحكومة من احتوائه.
  • وجود صراعات بين المكونات العرقية والدينية والطائفية والثقافية، أو حدوث حرب أهلية.
  • استخدام مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية في قمع المواطنين وإرهابهم، وضعف مؤسسات الدولة وتصدع الأجهزة العسكرية والأمنية، وضعف البُنى التحتية أو عدم ملاءمتها.
  • انهيار النظام الصحي والتعليمي، وانتشار الإرهاب والعنف الإجرامي والسياسي وانتشار المخدرات والخطف وطلب الفدية.
  • فقدان الدولة لمكانتها الإقليمية والدولية.
  • وجود أزمة اقتصادية (ارتفاع المديونية الداخلية والخارجية، زيادة نسب الفقر والبطالة، انخفاض القوة الشرائية للعملة الوطنية بسبب التضخم النقدي وزيادة الأسعار، تراجع نسب النمو الاقتصادي، غياب التوزيع العادل للسلع الاجتماعية والاقتصادية، انخفاض مستويات الناتج المحلي الإجمالي، وجود نظام ضريبي غير عادل، التهرب الضريبي، وجود اقتصاد موازي وانتشار التهريب والسوق السوداء)، وجود مشكلات لاجئين ونازحين وهجرة الكفاءات.

وهكذا حصلوا على “سورية الأسد” التي يريدونها والتي ما زلنا نريد تغييرها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق