تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

معارك ريف حماة تغيّر قواعد اللعب ومأزق جديد لموسكو

ثلاثة اتصالات خلال أسبوع واحد جرت بين الطرفين الروسي والتركي، بهدف التوصل إلى صيغة جديدة من التفاهمات، ترغب من خلالها موسكو في امتصاص حدة التصعيد الذي تفرضه فصائل المعارضة التي عزمت على استرداد كامل المناطق التي احتلها النظام مؤخرًا، بما فيها قلعة المضيق وكفرنبودة، التي شهدت أعنف المعارك منذ انطلاق الثورة في سورية 2011، تشير العديد من التقارير على جبهات القتال إلى أن النظام تلقى خسارات متتالية بالعتاد والسلاح، بلغت أكثر من 150 قتيلًا، فضلًا عن أن سلاح (التاو) على ما يبدو قلب الطاولة على استراتيجيات الروس.

ما حدث ما كان ليحدث، لولا أن اللاعب الأميركي قرّر لحد ما سحب البساط من تحت أقدام موسكو التي أبت إلا أن تفرض واقعًا جديدًا وتغيّر تفاهماتها مع أنقرة، قبل جولة أستانا المقررة شفهيًا في تموز/ يوليو القادم، ففي أواخر نيسان/ أبريل، تحرك الروس بشكل منفرد في مثلث سهل الغاب، بهدف السيطرة على أكبر سلة زراعية كانت وما تزال بيد المعارضة، إضافة إلى الأهمية الجيوسياسية للمنطقة الواقعة بين جبال اللاذقية غربًا وجبل الزاوية وجبل شحشبو شرقًا، فالهدف الروسي كان واضحًا: إدخال متغيرات جديدة على اتفاق سوتشي، وقضم نصف مساحة المنطقة العازلة. فيما الهدف الأهم هو استنزاف وتفكيك فصائل المعارضة المعتدلة المتمترسة مع مناطق التماس في جبهات ريفي حماة الشمالي والغربي، والجميع يعلم أن “الجبهة الوطنية” وفصيل “جيش العزة” و”جيش النصر”، ضربوا بعرض الحائط ما أشيع عن الهدنة الروسية المقررة لـ 72 ساعة، وكان الهدف منها تثبيت نقاط السيطرة لبلدتي قلعة المضيق وكفرنبودة، ثم التوجه للسيطرة على ريف إدلب الجنوبي، بهدف محاصرة بقية مناطق ريف حماة الشمالي (مورك- اللطامنة) وإسقاطها ناريًا، لكن يبدو أن المخطط الروسي هذه المرة فشل فشلًا ذريعًا، على وقع التكتيك الجديد المتبع من قبل الفصائل، حيث فوجئت موسكو بوحدة الصفوف، وبوصول أرتال المؤازرات من كافة الجبهات، من ريف حلب وإدلب، بعدما تأخرت 15 يومًا، وحين وصولها انقلب السحر على الساحر، وقررت الفصائل بعد تشكيل غرفة عمليات مشتركة ورفع الفيتو التركي عن الدعم المقدم، خوض معارك طاحنة، وتنفيذ التهديد التركي الذي أعرب عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بضرورة عودة النظام للحدود المتفق عليها في مسار أستانا.

الأمر الثاني أن موسكو وقعت في شر أعمالها، فسارعت إلى إفشال أي تقارب تركي أميركي، من خلال الضغط على تركيا وإحراجها أمام الحاضنة الشعبية في الشمال المحرر، وإظهارها بمظهر الضامن النائم عمّا يجري من خرق واضح للتفاهمات الروسية التركية في اتفاق سوشي، إذ إن موسكو كانت على علم بالتحركات الأميركية التي استطاعت الأخيرة تحريك أحجار الدومينو، والتقارير الصادرة المقربة من صناع القرار أفادت بتبلور تفاهم جزئي تركي أميركي بملف المنطقة الآمنة، وكانت موسكو قد عرضت فعلًا على تركيا عملية مقايضة، مفادها بسط موسكو على نحو 20 ميلًا من مساحة المنطقة الآمنة، مقابل إطلاق يد تركيا في تل رفعت وشرق الفرات، لكن تركيا، لم تكرر خطيئة حلب، ومارست سياسة ناعمة في الأيام العشر من المعارك مستخدمة النفس الطويل وامتصاص فورة الهجمة الروسية، وهذا ما قاد إلى موجة كبيرة من الانتقادات على تركيا التي حشرت في الزاوية وقلصت من خياراتها، ولا سيّما أنها ظهرت بموقف أخلاقي سلبي أمام كم المسؤوليات عليها، إضافة إلى أن ملف إدلب قد أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن القومي التركي، كما صرحت بذلك مررًا، كما ليس من المنطق أن تتخلى تركيا عن إدلب، مقابل حصولها على شريط أمني، لأن ذلك يعني في المدى البعيد تشكيل خطر حقيقي على حدودها الجنوبية، بمعنى ليس كافيًا بالنسبة إلى تركيا أن تقبل بشريط أمني حدودي مع سورية، مقابل التخلي عن إدلب، ذلك لأن وصول النظام لإدلب، يعني فتح شهية النظام وروسيا على استعادة مدينتي عفرين والباب وجرابلس.

من هنا، كانت الدوافع التركية المحافظة على سياسية مسك العصا من الوسط، وممارسة نبرة سياسية مرتفعة مع موسكو، بمعادلة رابح رابح، وقد نتج عن ذلك كالعادة خسارة على حساب أرواح السوريين، وتهجير أكثر من نصف مليون آخر إلى المناطق الحدودية، في هذه الأثناء كانت الاتصالات متواصلة بين تركيا وواشنطن، حيث كثفت تركيا من تحركاتها الدبلوماسية، أمام المجتمع الغربي وأوروبا، وهددت أكثر من مرة من وقوع كارثة إنسانية، بناء لكلمة لها في جلسة مجلس الأمن التي عقدت بشكل خاصة حول إدلب، تزامن ذلك مع رفع الغطاء عن الدعم العسكري للفصائل والسماح بتحرك فصائل الشمال للوصول إلى ريف حماة، وتكثيف الجهود التركية لرص الصفوف وسد هجمات النظام، وتحت ضربات (التاو) المتفق عليه بين التركي والأميركي، تكبدت موسكو العديد من الخسائر وسحب موسكو الفيلق الخامس من جبهات حماة، وأرسلته إلى جبهات ريف اللاذقية محاولة بذلك تشتيت جهود المعارضة، لكن المفاجأة الثالثة كانت في الانتظار، فالجهود على الأرض والطبيعية الجغرافية للمنطقة أفشلت تقدم النظام وميليشياته، ما دفع الروس إلى الترويج بمسرحية هجوم كيمياوي من قبل “هيئة تحرير الشام”، وقد كان ذلك بمثابة تبرير لها لاستخدام غاز الكلور والفوسفور في جبهة الكبينة، وما تزال المعارك متواصلة بعد هدوء نسبي في جبهات الشمال وغياب لسلاح الطيران، من دون توصل طرفي سوتشي إلى تفاهم يفضي إلى وقف المعارك، وبهذا الصدد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أدلة تدين النظام باستخدام سلاح الكيمياوي مؤخرًا في الشمال السوري، ما يعني أن الولايات المتحدة ستستمر في الضغط على موسكو والنظام؛ حتى تجبر موسكو على التنازل أمام المتغيرات الحالية، ولا يغيب الحديث عن ترحيل وتجميد المسار السياسي في ثلاثية المسارات على وقع الخلافات الحالية، ما يطرح تساؤلًا عن استراتيجية موسكو الجديدة، وخياراتها المستقبلية أمام الواقع الجديد المفروض من قبل وحدة الفصائل.

من الجدير ذكره، أن التفاهم بين موسكو وتركيا هو تفاهم مصلحي ومرحلي، ولم يرتقِ حتى الآن لمستويات الشراكة الاستراتيجية، كما لا يمكن مقارنة هذه العلاقة مع خصوصية العلاقات التركية الأميركية، وبنفس الوقت لا يمكن لموسكو بعد كل ما حققته من اتفاقيات خفض التصعيد أن تعود لنقطة الصفر، فهي إن قررت التصعيد وقضم المزيد من الأراضي، فلأنها ترغب في الإسراع في فرض تسوية سياسية تحقق من خلالها مكاسب سياسية، وهذا ما لم يحصل حتى الآن، بل إن الخيارات أمام موسكو باتت تضيق أمام حالة الاستعصاء التي تواجهها في ملف إدلب، فتلك الثُلة الأخيرة من المقاتلين إضافة إلى أربعة ملايين سوري، يخوضون معارك وجودية، قياسًا على أنهم من صفوة المعارضين للنظام السوري، ولن يقبلوا بالرضوخ أو الاستسلام له، أو أن يسيطر على آخر ما تبقى لهم من ثوابت الكرامة والعيش.

كذلك موسكو ليس لها مصلحة في إنهاء كامل التفاهمات مع الشريك التركي، بغض النظر على التوترات الأخيرة، فما بينهما من نقاط توافق أكثر من خلاف، ولا تزال موسكو تعول على صفقة s 400 مع تركيا وقد باتت على المحك، بعد إعلان أميركا أنها ستمهل تركيا أسبوعين فقط، لحسم موضوع الصفقة مع موسكو وترغب في أن تتخلى عنها، وهذا يعكس في ثناياه أن أميركا ربما تماهت مع الموقف التركي في إدلب، وقدمت سلاح (التاو) للفصائل من دون شروط، وأوقفت زحف موسكو في عمق إدلب، مقابل تخلي تركيا عن هذه الصفقة، وعلى الرغم من أن تركيا أعلنت مسبقًا أنها حسمت موضوع الصفقة مع موسكو، وأضافت أنها ترغب في الحصول عليها تزامنًا مع صفقة الطائرات f 35 فقد تغير رأيها، إذا ما رأت أن ذلك سيفضي لمصالحها، لكن من المستبعد في الوقت الحالي أن تختار تركيا بين إحدى الصفقتين، ومن المرجح أنها ستحاول إرضاء واشنطن بمقاربة جديدة، تضمن لها عدم وجود أي خطر حيال حصولها على منظومة الصواريخ من موسكو، وستبقى كل الخيارات مطروحة على الطاولة، مع توقع تصاعد التوتر التركي الأميركي بهذا الملف.

الدائرة باتت أصغر على موسكو بعد سلسلة المفاجئات الطارئة التي غيّرت قواعد اللعب، وعلمت موسكو يقينًا أن موضوع تطبيق سيناريو الغوطة غير صحيح في إدلب، ويبدو أنها أدركت مؤخرًا أن إيران ورطتها في هذه المعركة، من خلال تقديم سلسلة من الإغراءات، وقد كلفها ذلك نكسات هي الأعنف منذ تدخلها في سورية 2015، عند هذا المنعطف من المتوقع أن موسكو، ستعمل على إعادة قراءة لحساباتها في سورية، وستعيد النظر في علاقاتها مع تركيا، ولحفظ ماء الوجه ستعمل لإعادة مد الجسور مع تركيا، لمنع انهيار مساري أستانا وسوتشي، فعلى الرغم مما يجري من وقائع، فإن ذلك لا يعني كتابة شهادة النعي على تلك المسارات، لأن طرفي سوتشي ما يزالان يرغبان في الحفاظ عليه.

لكن يجب التنبيه إلى أن موسكو لا يؤمن جانبها، وقد تقوم بتهدئة المياه الراكدة مع جارتها تركيا، ريثما تنجز خططًا أخرى بديلة، وذلك لأنها لن تتخلى عن مطلبها في تأمين عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري، بهدف تأمين حماية أمنية لقاعدتي جورين، وحميميم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق