اقتصاد

سورية: أزمات اقتصادية برائحة إيرانية

قررت الحكومة السورية هذا الشهر تقنين توزيع المحروقات على السوريين، ودعت المواطنين إلى التقيّد بكمية يومية من البنزين حددتها الجهات المسؤولة بـ 40 ليترًا إلى 20 ليترًا لسيارات الأجرة، ومثلها للسيارات الخاصة، ولكن بمعدل 20 ليترًا كل خمسة أيام للسيارات الخاصة، و20 ليترًا كل 48 ساعة للسيارات العامة.

وظهرت أزمة حادة جدًا في المحروقات في سورية، ترافقت مع فقدان مواد رئيسية أخرى، وشهدت محطات الوقود في دمشق ازدحامًا غير مسبوق، وطوابير تمتد إلى كيلو متر أحيانًا للحصول على البنزين الذي لا يكفي حاجة سائقي الأجرة ليوم واحد.

وأعلنت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية الأسبوع الماضي، أنّ الهدف من هذه الخطوة فسح المجال أمام أكبر عدد من المواطنين للتعبئة في اليوم الواحد، ووفقًا للوزارة فإن سورية تستهلك يوميًا 4.5 مليون ليتر من البنزين، بينما يصل حجم الدعم اليومي للمشتقات النفطية إلى 2.76 مليون دولار.

وأرجع رئيس الوزراء السوري عماد خميس أزمة المشتقات النفطية إلى التوقف الكامل لخط الائتمان النفطي الإيراني منذ ستة شهور، والذي يقضي بوصول ناقلتي نفط شهريًا إلى سورية تحمل كل منهما مليون برميل، وادّعى أن سورية فشلت في إقناع المصريين بتمرير ناقلات النفط الإيراني عبر قناة السويس، وأن هناك تهديد أميركي بإطلاق النار على كل ناقلة نفط متجهة إلى سورية، الأمر الذي نفته مصر كليًا وبشكل رسمي.

تؤثر العقوبات الأميركية المفروضة على إيران على انسياب المشتقات النفطية إلى سورية، حيث تعتمد سورية على إيران بشكل أساسي لتزويدها بها، ما دفع إلى ارتفاع أسعارها في سورية من جهة، وتقنين توزيعها من جهة أخرى.

ولوّحت وزارة الخزانة الأميركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بفرض عقوبات على كل الجهات أو الأشخاص المنخرطين في عملية شحن النفط إلى سورية، وتزامن ذلك مع تعطيل واشنطن شبكة دولية قالت إنّ طهران وفرت من خلالها وبالتعاون مع شركات روسية ملايين براميل النفط إلى الحكومة السورية.

وبلغ إنتاج سورية عام 2011 نحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، ولا يجاوز اليوم 14 ألف برميل وفق مصادر حكومية، وبلغت خسائر القطاع النفطي المباشرة وغير المباشرة في سورية أكثر من 74 مليار دولار منذ بداية الأزمة عام 2011، وفق إعلان لوزير النفط السوري.

وكانت غالبية حقول النفط والغاز في سورية تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، لكن هذا التنظيم تعاون مع النظام السوري وأجرى عمليات تجارية نفطية مع النظام السوري طوال ثلاث سنوات، إلى أن سيطرت ميليشيات (قوات سورية الديموقراطية) الكردية، المدعومة أميركيًا، على غالبية آبار النفط في شمال سورية وشرقها، وصارت تتصرف بالنفط السوري عبر منافذ وطرق بعيدة عن النظام السوري.

لكن يبدو أن الأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها سورية لها خلفية سياسية قبل أن تكون ناتجة عن خلفية اقتصادية بحتة، وفيما يبدو أن إيران تُمارس ضغوطًا على النظام السوري، وتُحاول أن تُحرج روسيا أيضًا، للموافقة على تمكينها من السيطرة على ميناء اللاذقية، المنفذ التجاري البحري الرئيسي على الساحل السوري، وهو ما سرّبته وسائل إعلام غربية الشهر الماضي، وقالت إن شركات إيرانية ترتبط بـلحرس الثوري الإيراني بدأت فعلًا بشحن البضائع عبر الميناء، مرجحة استخدامه كطريق بديل لنقل الأسلحة إلى نظام الأسد، كما أعلنت عن مفاوضات بشأنه (الميناء) وسائل إعلام محلية، وقالت الشهر الماضي أيضًا إن مشروع استثمار الميناء قيد البحث بين الجانبين السوري والإيراني.

تعتقد وسائل إعلام غربية أن الميناء يمكن أن يصبح نقطة الوصل الأخيرة في (الهلال الشيعي) الذي تُحاول إيران صنعه، والذي يمتدد من طهران حتى البحر المتوسط مرورًا بالعراق وسورية.

وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر العام الماضي أعلنت شركة السكك الحديدية الإيرانية عن إطلاق مشروع للسكة الحديدية، يمتد من مدينة شالاماشة الإيرانية ويصل إلى ميناء اللاذقية السورية مرورًا بميناء البصرة في العراق.

وكان رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، قد قال الشهر الماضي إن النظام السوري مدين بديون كبيرة لطهران، وطالب بمناقشة دفع تلك الديون مع المسؤولين السوريين، وزار الأسد إيران والتقى بالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، في زيارة سرّبت بعض الأوساط الدبلوماسية أن روسيا كانت غير راضية عنها.

وتحاول إيران من خلال حرمان النظام السوري من النفط إحراج روسيا أيضًا وتذكيرها بأن إيران، وإن كانت غير قادرة عسكريًا في الساحة السورية كروسيا، إلا أنها قادرة على الضغط على النظام السوري، وقادرة على إحداث “بلبلة” لا متناهية تُهدد وجود النظام وتعرضه للأخطاء الداخلية، وبالتالي يجب أخذ مصالح إيران الاستراتيجية بعين الاعتبار، سواء السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية.

وإن سلّم النظام السوري مرفأ اللاذقية لإيران، فإن ذلك سينعكس سلبًا على قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية، والتي تبعد عن ميناء اللاذقية نحو 20 كيلومترًا فقط، وسيكون وجود القاعدة عامل حماية لإيران، وسيعتبر أي قصف إسرائيلي لسفن إيرانية في الميناء مغامرة بسبب قربه الشديد من القاعدة الجوية الروسية.

يتعامل النظام السوري مع مرفأ اللاذقية على أنه ملكية خاصة تتحكم فيها عائلة الأسد، فلطالما كان هذا المرفأ منذ حكم حافظ الأسد تحت سلطة عائلة الأسد وليس تحت سلطة الدولة، وكان جميل الأسد، عم رأي النظام السوري الحالي بشار الأسد، هو من يقوم بإدارة المرفأ لأكثر من 25 عامًا كملكية للأسرة، وكان لرفعت الأسد ولغيره من أفراد العائلة موانئ تهريب صغيرة خاصة بالقرب من هذا المرفأ، ولم يكن للدولة أي سلطة عليهم.

وفي حال نجحت الضغوط الإيرانية للسيطرة على المرفأ عبر عقود قد تمتد لخمسين عامًا، فإنه سيصبح نقطة استراتيجية عسكرية اقتصادية لإيران، تُهدد من خلالها أوروبا واسرائيل، وستستخدمها كورقة ضغط على الولايات المتحدة لتخفيف الضغوطات الدولية الداعية الى إخراجها من سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق