مقالات الرأي

الأنا السورية الفقيرة

طغيان الأنا، وقتل الآخر، وتهميشه، وعدم الاعتراف به، وتحطيمه؛ ولكنني فضلتُ كلمة “قتله”، فهي المطابق لذلك الطغيان. ولكن من أين يأتي الطغيان؟ أهو من طغيان الطغاة، أهو سمة تميّز السوريين ومن عاش بسورية عن سواهم؟ الأمرُ مغرٍ ببحثٍ استقصائي، وهذا بدوره غير ممكنٍ من أصله، ولكني سأحاول جاهدًا مناقشة هذا التساؤل قدر الإمكان.

أولًا، هناك اختلاف بين الأفراد في درجة تضخّم الأنا ذاتها، وهي متعددة بتعدد الأفراد، ولكن ذلك لا ينفي وجودها واستعلاءها على الآخر، وتمييز الأنا وكأنّها من جنسٍ آخر غير بقية أفراد الجنس البشري.

ثانيًا، هناك الأصول الاجتماعية للأنا، كالمدينة والعشيرة والطائفة والعائلة، وهناك السلطة والمعارضة، والفقر والغنى، وسوى ذلك. كلّها تساهم في الشعور المتعلّق بالأنا.

ثالثًا، هناك الأيديولوجيات، حيث ترتكز هذه على بنية الوعي القديم، فالأيديولوجيا الإسلامية أو القومية أو الاشتراكية والشيوعية، جميعها لا تقطع مع بنية الوعي الديني، بل إنها استقت منهجيتها وممارساتها من الوعي السابق، وهذا يعني أن ليس للآخر حضور فيها، وفيها فقط الأنا المنفصلة عن مفهوم المواطنة، والأخير احتاج إلى ألفيات متعددة، حيث تغيرت تشكلات اجتماعية كاملة حتى وصلنا إلى الفصل بين الأنا والآخر، والشخصي والاجتماعي، وتساوي الأفراد أمام القانون.

رابعًا، غياب الحريات وأجواء الانفتاح المجتمعي والسياسي، ولهذا الغياب أثر كبير، في غياب الآخر، وعدم تحقّق الذات وتبيّن قيمة ما تملكه من أفكارٍ وأحلام ورؤى، وبالتالي ليس للفرد من حضورٍ اجتماعي حقيقي، ويفتقد الكثير من المعنى والقيمة والحضور، وهذا ينعكس على بنية تفكيره وممارساته، وهذا بدوره يمنعه من التطور والارتقاء، ويفتح الطريق على أشكال الارتكاس كافة، وربما نحو التجاوز والتقدم أيضًا.

خامسًا، غياب الحريات والديمقراطية ذاك، يدفع الأفراد إلى خياراتٍ متشعبة، وإلى أشكالٍ متعدّدة من المواقف والانشغالات، ولكن الأسوأ أن يترافق ذلك الغياب مع المتابعة الأمنية، والإجبار على مواقف بعينها. هنا تتعقد الحياة، فلم تعد القضية غياب الحريات، بل صار مطلوبًا من الفرد إعلان المواقف المحدّدة مسبقًا. كافة الأشخاص المعروفين في حقل الثقافة والسياسة عانوا الأمرّين، وشعروا طويلًا بانعدام القيمة والأهمية والحضور، وطبعًا، لم تتح لهم أيّ فرصة للرفض الواضح والمعلن والجريء. ففي سورية، بين 1970 و2011، عانى أصحاب العقل، واللا للآراء، الكثير، حينما حاولوا أن يخرجوا عما ارتأته السلطة. إن تهميش الأنا الحاد هذا بين التاريخين المذكورين أدى إلى مشكلات كبرى لدى الأنا، فطغت بشكلٍ كارثي، وكادت أن تهمش بقية الخليقة، في كل أرجاء الكون، لا في سورية فحسب.

سادسًا، شكّل انعدام الحريات، وعدم الاعتراف بالأنا والفرد والذات مشكلة كبرى، فلم تحاور ولم تنتقد ولم تحدث تغييرًا في مواقفها، أو غيّرت منها ولكن لا أحد رأى ذلك وثمنه، والأسوأ أنها لا تعترف بأخطائها؛ حينما تكون السياسة معقمة، والحريات مجتثة، والأنا مَلغية، أقول في ظل كل هذه الأوضاع، كيف سيتعلم الفرد أن هناك آخر، له كافة الحقوق التي له، وغياب ذلك عن الدولة والقوانين لا يلغي ضرورتها لدى المثقفين والسياسيين، بل هي أساس المجتمع الحديث والثقافة الحديثة والسياسة الحديثة، حيث للأفراد حقوق متساوية مع الآخر، وفي كل مجالات الحياة، وأما الاختلاف فيعود للاجتهاد والملكية، ولكن مهما تعدّدت أسباب الاختلاف، فهذا لا يلغي المساواة في الإنسانية والكرامة والحقوق، ولا يلغي الحق المطلق بتقليص كل أشكال التمايز في الحقوق، بما فيها الملكية، وهي رؤية تخص أحلام الاشتراكيين والشيوعيين، في مجتمع قائم على إلغاء الملكية الخاصة، وتمليك الأفراد جميعًا، ولنقل يطالبون بشكل جديد من الملكية، يُلغي التمايز بين أحجام وأشكال الملكية.

سابعًا، دخلت سورية في عام 2011، بثورةٍ شعبية كبيرة، وشعر الجميع بأن الواقع الثابت يتغير، وهذا يتطلب بدروه هدمًا للأنا المتضخمة، وضرورة الانفتاح على الآخر، وأن عدم تحقّق ذلك يعني أن النظام سينتصر مجدّدًا. دفع هذا الواقع الكثير من المنشغلين بالثقافة والمثقفين إلى الانفتاح على الآخر، ولكن بالوقت ذاته جدّد لديهم الطموح بالتفرد والقيادة والمجد. لم يدم طويلًا الشعور بالآخر، فعاودت الأنا ظهورها البائس، وتكاثرت الانقسامات، ومع تتالي أشهر الثورة والأعوام؛ تشظت القوى، وتعمّم ذلك على كافة المستويات والأفعال. بتعثر الثورة، وإفلاس الحركات السياسية، بدأت الأنا تتعملق مجددًا، حيث الآخر مخطئ، والأنا كانت على حق وما زالت، وهنا سنجد كثرًا يكذبون، ومنهم من لا يعي أنه يكذب بدوره، وهنا وجه من وجوه الكارثة؛ فهو مثقف وله رأي “وشعب وربما أمم”، ولا يعي بأنّه يكذب!

ثامنًا، مع استعصاء الثورة، والشعور بالهزيمة والانكسار، وغياب فكرة الاعتراف بالخطأ، وغياب المراجعات النقدية، تجاهل الذي ظهر منها، وراح يحاول السؤال عما جرى: لماذا أخفقنا، وما العمل، وكيف نصل إلى الخلاص؟ أقول مع هكذا وضع، كثرت حالات الهجرة والتهجير والخروج من البلاد، وهناك من خرج، وقد أتيحت له فرصة العمر، حيث الحلم للوصول إلى أوروبا، حيث كل شيء مؤمن، وسيكون بمأمن؛ لا أهتم بهذه النقطة كثيرًا، ويعنيني فقط من هُجر، أو أجبر على الرحيل. ممارسات ومواقف هؤلاء راحت تميل أكثر فأكثر نحو الأنا والعزلة، أو المشاركة بالأفعال، ولكن على قاعدة الأنا الأفهم، الأعقل، والنقدي، والفاهم لكل مسارات التاريخ ومخارجه وممكناته، بل نهاياته أيضًا. هكذا عادت الأنا إلى سابق عهدها؛ التواجد في الدول الأوروبية، حيث للأفراد حقوقٌ مضمونة، لم يخفف من طغيان الأنا، ولم يفتح أعينها لترى الآخر، وتتعلم شروط الحياة الحديثة، حيث الآخر هو الأنا، والعكس صحيح، وكذلك، لم تدفع العقل نحو الفهم العميق للمجتمع الأوروبي ولضروراته ولممكناته ولمشكلاته أيضًا.

تاسعًا؛ إن كل فشل وتعملق للأنا يتعلق أولًا بغياب الحريات العامة، وكذلك بسبب الشعور بالملكية المطلقة للأفكار والحقائق الصحيحة، ويدعم ذلك بنية الوعي القديم، وأيضًا عدم تحقق الأحلام. شكلت هزيمة الثورة ومأساتها وكوارثها “فليسقط العالم” سببًا جديدًا لتجاهل ضرورة الاعتراف والتقييم والنقد والحوار العميق في كل ما جرى.

عاشرًا، إن واقع السوريين كارثي بامتياز، ومهما حاولنا توصيفه وتحليله، فهناك استنتاج وحيد يندفع للعقل: لن ننجو قريبًا؛ وضمن ذلك تتبلور فكرة واحدة لدى الأفراد: النجاة بالأنا، والعائلة، والعمل، والمنصب. واقع كهذا يعني أن أمراضًا نفسيّة جديدة دخلت على الوعي والممارسات والمواقف، وبالتالي لنعترف بأننا ما زلنا بعيدين عن فهم تاريخنا، وما جرى، والتوضع الذي نتشكل وفقه حاليًا.

طغيان الأنا يترافق مع تهميشها وشعورها بالهامشية والسلطات المطلقة للطغاة، واستعادة الأنا الطبيعية أمرٌ غير ممكن من دون الاستعانة بالآخر. طبًعا لن ينتهي التفارق بين الأناوات والذوات، ولكن تحقّق الحريات العامة سيخفّف من طغيانها، وسيوضح للجميع أسباب ذلك، وسيغلق الأسباب الخارجية الدافعة إلى تضخّمها، وسيجبر الفرد على إجراء مراجعات عميقة، تتعلق بأناه وأنا الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق