مقالات الرأي

هل تنجو إيران من القبضة الأميركية هذه المرة؟

كأنظمة لا ديمقراطية، من مصلحة بلدان الخليج العربي وإيران رفع مستوى النزاعات السياسية بينها، إلى الدرجة التي تثبط فيها حركات الداخل الديمقراطية، وهي الهاجس الدائم لأنظمة كهذه، بينما يعمل ضابط الإيقاع الأميركي على إبقاء النزاعات تحت السيطرة، وذلك ضمانًا للاستقرار الذي يعني هنا استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، كواحدة من أهم دعامات الاقتصاد العالمي المترابط في عصر العولمة. ويحضر الخيار العسكري كحالة استثنائية، حين يحاول نظام مستبد ما العبثَ في استقرار المنظومة الخليجية وتقويضها، كما فعل عراق صدام حسين باحتلاله للكويت، وما أعقب ذلك من حشد أميركي لتحالف دولي واسع في حرب الخليج الأولى عام 1991. مثل هذا الخطأ قد ترتكبه إيران حاليًا، بعد تضييق الخناق عليها جراء العقوبات الاقتصادية الأميركية.

كانت إيران، بعد ثورة 1979، قد صعّدت من تدخلها في شؤون المنطقة تحت يافطة تصدير الثورة، فتجاوزت بذلك الطموحات الفارسية التقليدية في عهد الشاه، وأنشأت نقاط ارتكاز سياسية – عسكرية خارج حدودها، مستغلةً حالة التشتت العربية والعجز عن تحقيق أي تقدم يُذكر في حالة الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى جانب إذكائها لنار المظلوميات، الحقيقية والمتخيّلة، ما أضاف عامل انقسامٍ جديدًا إلى عوامل التشرذم الحاضرة في معظم البلدان العربية التي لم تستكمل بناء الدولة الوطنية بعدُ. عززت الطموحات الإيرانية من مخاوف دول الخليج، واستدعت تمتين التحالف مع الولايات المتحدة، بما في ذلك صرف الأموال الطائلة لشراء الأسلحة من دول الغرب.

ثم استغلت إيران فوضى الحروب في بعض بلدان “الربيع العربي” لتتدخل فيها، على نحو مباشر أو غير مباشر، مثلما فعلت دول إقليمية أخرى، ما لفت الانتباه إلى خطورة الدور الإيراني المدعوم بمشروع نووي إشكالي، ورفع النزاع مع دول الخليج إلى مستوى الصراع الوجودي، بخاصةٍ بعد أن ضرب الإيرانيون في الخاصرة السعودية الرخوة: اليمن.

كما أن المعلومات التي تسربت مؤخرًا، حول نية حلفاء إيران مهاجمة القوات الأميركية في العراق وغيرها، رفعت من مستوى الدور الحمائي الأميركي لدول الخليج، فضلًا عن ضمان أمن “إسرائيل”، وتمثل ذلك بتفعيل اتفاقيات السماح بانتشار القوات الأميركية في أراضي دول الخليج ومياهها الإقليمية. وبالفعل، وجّهت إيران في الآونة الأخيرة أربع رسائل عنيفة: أولها التصعيد الذي أقدمت عليه حركتا حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وثانيها قيام الحوثيين بضرب المنشآت النفطية في قلب السعودية بطائرات مسيرة، تلت ذلك عملية نوعية تم فيها تخريب بعض السفن الراسية في ميناء الفجيرة الإماراتي، ولعل أكثر هذه الرسائل الموجهة ضد الولايات المتحدة هو إطلاق صاروخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء وسط بغداد، حيث مقر السفارة الأميركية.

مع ذلك، فإن فرصة تحول النزاع الحالي إلى حرب شاملة تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تبقى محدودة، إن لم ترتكب إيران خطأً كبيرًا، وهذا الأمر غير مرجَّح، نظرًا لتعدد مستويات السلطة في إيران وبراعتها في التعامل مع التوتر السياسي في اللحظات الأخيرة. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن إيران لم تستخدم في تحرشاتها هذه ورقة “حزب الله” في لبنان؛ على الأغلب بسبب خطورة استخدام هذه الرسالة في الوقت الحالي، وصعوبة تقدير حجم الردّ الإسرائيلي المتوقّع في حالة تحويل الرسالة الإيرانية إلى “إسرائيل” مباشرةً، وربما تؤجل إيران استخدام هذه الورقة إلى وقت لاحق، يضيق فيه الخناق الاقتصادي عليها أكثر فأكثر، وتكون مقدمةً للقبول بالمفاوضات.

في أضعف الإيمان، يهدف الحشد العسكري الأميركي الجديد في الخليج إلى ضمان تطبيق العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة على إيران، واستمرار إنهاكها بحيث تضطر إلى التفاوض وفقًا للشروط التي تفرضها واشنطن، وقد أودعت لهذه الغاية خطًّا هاتفيًا لدى الحكومة السويسرية. أما القول بأن الضغط الخارجي سيفضي إلى زعزعة الوضع الداخلي في إيران، فلم تثبت نجاعته في تجارب مماثلة مع أنظمةٍ مستبدةٍ أخرى في المنطقة أو في العالم، لكن المؤكد هو تسببه بالكثير من المصاعب الحياتية للإيرانيين، ما يعزز وجهات النظر القائلة بضرورة انكفاء السلطة الإيرانية الحالية عن التدخل في شؤون الغير.

وفي كل الأحوال، ما زال يعمل التدخل الإيراني على تسعير أزمات منطقتنا، ولا بد من استبعاده حتى تتم إعادة ترتيب الأولويات في بلداننا، ومنها التفات شعوب المنطقة نحو قضاياها الحياتية، بعيدًا من الدوران في دوامة الصراعات المذهبية والقومية، عندها ستتقلص مساحة المناورة أمام النخب المتحكمة، وسيبتلعها التاريخ بلا أسف، لتحلّ مكانها قيادات أكثر تمثيليةً ورشدًا.

من جهة ثانية، تعدُّ الحماية الأميركية للأنظمة الخليجية العربية نعمة لها، ونقمة على شعوبها، في آنٍ معًا، فنعمة الحماية المدفوعة الأجر بالتمام والكمال في هذه الحقبة الترامبية لا تحول دون ممارسة هذه الأنظمة لاستبدادها، إذ تقتصر ردة الفعل الغربية ذات الصلة على بعض الانتقادات عند وصول ممارسات هذه الأنظمة إلى حدّ يصعب السكوت عنها. أما التحديث الذي تعيشه مجتمعات الأنظمة الخليجية فما زال في الحيّز التقني على العموم، وإن بدأنا نلحظ بعض الإصلاحات الهادفة للحدّ من التطرف الديني، في حين يبقي الاحتكار السياسي للسلطة خارج إطار محاولات الإصلاح المحدودة هذه.

لكنّ المجتمعات الخليجية، بما في ذلك المجتمع الإيراني، لن تتوقف عند هذا النقطة التاريخية، ولا بد من أن يُنتج اختمار المعارضة السياسية والمدنية تحولًا نوعيًا، ما إن تتوقف النزاعات البينية عن كبحها، إلى درجةٍ يمكن فيها القول بوجود سباقٍ بين التفاعلات الداخلية ديمقراطية الطابع على نحوٍ عام، والنزاعات البينية لدول المنطقة، في الحدود التي لا تتحوّل فيها إلى حروب كبيرة يصعب التنبؤ بنتائجها.

مهما يكن، في نظامٍ دولي فقد صلاحياته منذ نهاية الحرب الباردة، فإن الدول العظمى تعمل على حسابها الخاص، بما في ذلك اختيار طريقة الهيمنة والاكراه التي تمارسها ضد الدول الأقل شأنًا. وإن كان ذلك يصح في بعض الحالات، فإنه يخطئ في معظم الأحيان، ولا بدّ في نهاية المطاف من تحديث النظام الأممي، ليلائم التغيرات الدولية العميقة، ولئلا يعود العالم إلى شريعة الغاب بصورة مستحدثة وملتبسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق