أدب وفنون

الابتهاج في عصر الاستبداد

جهاد الدين رمضان محام وكاتب سوري

الفرح والحزن والغضب والبهجة والحب والكره… وغير ذلك من المشاعر الإنسانية، لا يتحكم فيها الإنسان، تأتيه عفوًا، ولا يمكن إرغامه على الشعور بها أو قمعها في الحال، لكن في عالم الاستبداد العربي سنكون مرغمين على الإحساس بها، أو إخفائها بمحض الطلب وبكبسة زر، وللأسف هذه حقيقة نصطدم بها في واقع معيشتنا منذ نعومة أظفارنا.. الطفل الرضيع عندما يبكي، وأمه ليست في مزاج يسمح لها بإرضاعه؛ يتعرض لمختلف أنواع السباب وعبارات الزجر ليسكت، بما فيها الدعاء عليه بقصف عمره في بعض الحالات، ويكبر الطفل ويُرغم على حب نوع يكرهه من الطعام، ويُجبر على كره لعبة ما أو أكلة ما ورداء ما، ويجب أن يغضب على من يغضب عليه والداه، وأن يحزن على ما أحزنهما، وأن يبتهج في المناسبات والأعياد الوطنية حتى لو كان قلبه مثقلًا بالأحزان!

نعم، حتى الابتهاج يجب أن يكون طوع إرادة “كبيرنا”، في عصر الاستبداد، نبتهج بالأمر، ونمتنع عنه بالأمر، لدرجة الحزن في مراسم الحِداد…

…….

حدث في مطلع شبابي أن اشتغلت “أجيرًا” في محل تصوير، كان معلمي “صالح” رجلًا صالحًا لطيف المعشر مزوحًا بسّامًا، ورجلًا سخيًا وشيخ شباب، لا يرغمني على فعل شيء أكرهه، ولا يمنعني من استقبال ضيوفي من الرفاق والأهل في “الأستوديو” الصغير.. كان يضحك مستغربًا صحبتي الكثيرة، ويقول لي بعد انصرافهم:

– “ما شاء الله عليك ما أكثر رفقاتك! كأنني فاتح لك مكتب (عمر حميدة) هون!”

أضحك مثله لكن بخجل وحياء، وأتقبل نقده الساخر اللطيف، حالمًا أن يصبح لي مكتبي الخاص، لاستقبل ضيوفي وزواري الكثر، مثل ذلك المسؤول الكبير (عمر حميدة) الذي لا أعرف سبب ازدحام مكتبه بالناس.

وعلى النقيض من شخصية معلمي صالح صاحب المحل، كان قريبه وشريكه “شيخ الغضب” الرجل الثاني في المحل، و”معلم” احتياط.

شيخ الغضب ليس اسمه، هو لقب أطلقته عليه لأنه عابس الوجه، لا يضحك للرغيف السخن. كان يمنعني من استقبال ضيوفي، ويطردهم من المحل من دون خجل وبصريح العبارة، قائلًا لهم ولي: “هذا محل شغل وليس مضافة عرب، خلّونا نتسبب ونشوف شغلنا”.

كنت أقول له إن وجودهم لا يمنعني من استقبال الزبائن والقيام بعملي، واستضافتي للزوار لا تتعارض مع واجباتي، لكنه يصرّ على ضرورة خلو المحل من الضيوف والزوار، ويقول لي:

– يا ابني، عندما يرى الزبون المحل مزدحمًا بالناس يعزف عن الدخول ولا سيّما النساء، والمحل صغير والمقهى كبير، روح استقبلهم في القهوة، هون محل شغل.

كان يطلب مني الجلوس خارج المحل، إذا لم يكن عنده ما يشغلني به، يأمرني بالقعود أمام المحل لأبتسم في وجه كل من يقترب وأقول له: تفضل يا حباب.

رفضت هذه الدعاية الرخيصة، وامتنعت عن دعوة الناس لدخول المحل بعبارات الترحيب المتداولة تلك الأيام. ولأن كرامتي لا تسمح لي باستجداء الزبائن، مثل غيري من صبيان سوق التصوير في بناية “العدّاس” بحلب، قلت له أنا أخجل من وضع مثل هذه الأقنعة الزائفة على وجهي، ولا يمكنني تقليد أصحاب المحلات وصبيانهم، ومعلمي صالح لا يجبرني على ذلك، وأنت لست معلمي، ولا صاحب المحل.

احتدم الخلاف بيننا، وصبَّ شيخ الغضب جام غضبه على عنادي، وشكاني لمعلمي صالح، وأخبره بتمردي على أوامره، وهدده بطردي من المحل إذا بقيت على هذي الحال.

ابتسم صالح في وجه ابن عمه ليمتصّ غضبه، والتفتَ اليَّ غامزًا بطرف عينه بالخفاء، وقال له: “لا تزعل معلم، سوف يطيع “جهاد” أوامرك بعد اليوم، وما في داعي نكبر الموضوع.”

شرح لي معلمي صالح خطورة الوضع في غياب شيخ الغضب، وقال لي ناصحًا: لا أريدك أن تترك الشغل عندي كرمال ابن عمي، وبذات الوقت لا أستطيع أن أغضبه وأرفض طلبه، فزوجتي أخته وأنا مدين له بالمال، وأنت تعرف بأنه ينوب عني في غيابي النادر القليل، ولو أنك أتقنتَ الحرفة لكنت اعتمدت عليك.. “الله يخليك” استحمله في غيابي وسايره، واجلس خارج المحل، وابتسم في وجوه الناس كما يطلب منك، لكن من دون أن تفتح فمك بأي كلمة، ماشي الحال؟

رضيت بهذه الصفقة التي لا تنتقص من كرامتي، وقبلت التبسم في وجوه الناس، فالابتسام في وجه الآخرين صدقة، هكذا (لا يموت الديب ولا يفنى الغنم).

لما حان وقت تطبيق هذا الاتفاق في غياب معلمي صالح، نظر شيخ الغضب في وجهي وأنا أتصنّع الابتسام، نفخ زفيرًا حارقًا من صدره مع تقطيب الحاجبين، وقال:

– “لأ، لا مو هيك، ما هي زابطة معك، شد خدودك كمان.”

قلت: لا أستطيع أن أرسم البسمة على وجهي، إذا لم أكن سعيدًا وفرحانًا، وسأحاول بكل جهدي مطّ شفاهي مقلدًا حركة الابتسام.

فرح شيخ الغضب من تجاوبي معه ورضوخي لأوامره، وأثنى على جهودي الصادقة ومحاولاتي المتكررة لإجادة الابتسام المزيف، وقال: “برافو، هيك تمام”. ليس مهمًا أن تكون فرحانًا من الداخل، المهم أن تُظهر فرحتك على وجهك للناس، الرزق يحب الوجه المبتسم البشوش!

نسي محدثي شيخ الغضب تقطيب حاجبيه وتقاسيم وجهه العبوس، ووخز كلامه الجارح في النفوس، ولم يعرف أن وجهه وكلامه قتل الفرح في قلبي وروحي، وكنت أضحك وأبتسم رغم أنفي كما أراد.

……

تركت العمل في محل التصوير بعد عام، وتوظفت في سكك الحديد وسافرت في القطارات إلى أقصى المحطات، وحسبت أنني تخلصت من رؤية وجه شيخ الغضب، لكن كنت مخطئًا في تقديري بخلاصي منه، ففي عصر الاستبداد يوجد شيخ غضب في كل مكان، حتى في دخولك للحمام: عليك أن تدخل برجلك اليمين، وتتعوذ من الشيطان، وتتشطف بيدك اليسار.

شيخ الغضب زرعوه في عقولنا منذ الصغر، نراه في البيت والمدرسة والعمل والشارع وعيادة الطبيب ومقهى الانشراح، لا يُطلب منك أن تبتهج غصبًا عنك وحسب، بل أن تحزن وتكتئب وتكبت ضحكتك، فالضحك بغير سبب قلة أدب.

وللحق أقول، تعلمت من معلمي الاحتياطي “شيخ الغضب” أن أبتسم وأضحك في وجوه الناس، وأنا أتمزق من الحزن والوجع، كما علمتني الحياة في عالم الاستبداد أن عدم إظهار علائم الابتهاج بالمكرمات والأعياد جريمة لا تغتفر، لا يكفي أن ترقص وتدبك، بل يجب أن تظهر الفرحة والابتسامة المرحة على وجهك أيضًا، ألم يقل المتنبي:

لا تحسبوا رقصي بينكم فرحًا      فالطير يرقص مذبوحًا من الألمِ

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق