ترجماتسلايدر

الحكومة السورية وحملة استعادة إدلب آخر معاقل المعارضة

بدأ الجيش السوري وحلفاؤه حملة طويلة وبطيئة وعنيفة لإعادة السيطرة على المحافظة الأخيرة في البلاد التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة: إدلب، حيث تحاصر الحكومة تدريجيًا المتمردين والمتطرفين والمدنيين، على حد سواء.

إن انتصارًا في محافظة إدلب، شمال غرب سورية، سيساعد بشار الأسد وحلفاءه روسيا وإيران في ترسيخ ما يبدو أنه انتصار مؤكد في حرب أهلية دامت ثماني سنوات. ولكن من المؤكد أنه سيكون بكلفة عالية في الحياة والممتلكات.

يوم الأربعاء الماضي، 15 أيار/ مايو، بينما بدأت الغارات الجوية تمزق الريف السوري بالقرب من منزلهم، كانت عائلة إسماعيل تبيع كل ما لم يتمكنوا من حمله: سجاداتهم وغسالة ملابسهم وثلاجتهم.

في اليوم التالي، الخميس، حزموا ما تبقى. وفي يوم الجمعة، بحثوا بشكل مستعجل عن ملجأ خارج منطقة الخطر، لا يعرفون إلى أين سيهربون، ولكن فقط يجب عليهم أن يرحلوا.

علاء الدين إسماعيل، صحفي سابق من إدلب، قال: “لا يريد الناس أن ينتهي بهم المطاف في الحقول، مثلما نرى على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي”.

قصف من قبل قوات الحكومة السورية وحلفائها هذا الشهر على بلدة خان شيخون. أدى الهجوم الجديد إلى فرار آلاف المدنيين. أنس دياب/ وكالة الصحافة الفرنسية – صور جيتي

على مدار سنوات الحرب، أصبحت إدلب مأوى لمقاتلي المعارضة وأنصارهم الذين كانوا يقصدونها بعد أن استعادت الحكومة مناطقهم وخيّرتهم: الاستسلام، أو الذهاب إلى إدلب. ازداد عدد سكان المحافظة بأكثر من الضعف ليصل إلى حوالي ثلاثة ملايين خلال الحرب.

كان هناك استقرار متوتر في المنطقة، منذ أيلول/ سبتمبر، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا، التي تحد إدلب من الشمال. لكن صبر روسيا كان ينفد من عجز تركيا عن الإيفاء بالاتفاقية التي توصلوا إليها لاقتلاع متمردي إدلب المتطرفين والمساعدة في إعادة فتح طريق تجاري مهم تحتاج إليه الحكومة السورية لإعادة بناء اقتصادها.

تريد حكومة الأسد استعادة البلاد بأكملها، بما في ذلك شمال شرق سورية، وهي منطقة يديرها تحالف مدعوم من الولايات المتحدة بعد طرد الدولة الإسلامية (داعش) منها مؤخرًا، والمناطق الحدودية الشمالية التي تسيطر عليها تركيا وإدلب. لكن وجود الأتراك والأميركان في الشمال والشرق أبقى حتى الآن الحكومة السورية وحلفاءها بعيدين.

تعرض جنوب محافظة إدلب وأجزاء من محافظة حماة، لهجوم عنيف خلال الأسابيع الثلاثة الماضية من الطائرات الحربية الروسية والقوات الموالية للحكومة. كما استعاد الجنود السوريون السيطرة على ما لا يقل عن 12 قرية في الزاوية الجنوبية من إدلب، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو جماعة لمراقبة الحرب ومقره في بريطانيا.

في إدلب وحماة، أدى القصف الموالي للحكومة إلى تدمير أو تعطيل ما لا يقل عن 19 مشفى ومركزًا طبيًا خلال 20 يومًا، مما اضطر الأطباء إلى أن يعملوا في الطوابق السفلية، كما أبقى المرضى غير قادرين على العثور على العلاج. وقال المرصد إن أعمال العنف على الجانبين قتلت حوالي 223 مدنيًا، منذ 20 نيسان/ أبريل. وقد علّقت ما لا يقل عن 16 مجموعة إنسانية عملياتها في المنطقة في الوقت الذي هي بأمس الحاجة إلى مساعداتها.

أجبر الهجوم الجديد أكثر من 180 ألف من السكان على الفرار، ويفكر الآلاف الآخرون في اللحاق بمن سبقهم، لكنهم لا يعرفون متى قد يأتي دور قراهم.

وفي هذه الأثناء، شنّ المتمردون هجماتهم. وقال المرصد إن قصف المتمردين لمنطقة تسيطر عليها الحكومة في شمال غرب سورية أسفر عن مقتل 25 مدنيًا على الأقل، من بينهم 10 أطفال. مرة أخرى، وقع المدنيون بين رحى منافسة جغرافية سياسية واسعة.

بسام باربندي، وهو دبلوماسي سوري سابق منشق ويعيش الآن في واشنطن، قال: “في الأيام المقبلة، سيكون لدينا ثقب أسود تسيطر عليه الجماعات الإرهابية، من دون مساعدات دولية أو مساعدات إنسانية. لأن لا أحد مستعد لرعاية ثلاثة ملايين مدني”.

تركيا حريصة على الحفاظ على إدلب مستقرة إلى حد كبير، لأنها لا تريد مئات الآلاف من المدنيين يفرون عبر حدودها. وهي تستضيف بالفعل 3,6 مليون لاجئ سوري. لكن تركيا بحاجة أيضًا إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، للمناورة في شمال وشمال شرق سورية، وخاصة حول بلدة تل رفعت، بالقرب من حلب. تشعر تركيا بالقلق إزاء الميليشيات السورية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة والتي سيطرت على الأراضي وكدست الأسلحة بمتاخمة لحدودها شمال سورية. وهذه القوات مرتبطة بالانفصاليين الأكراد المتشددين الذين تحاربهم تركيا منذ عقود.

إميل حُكيّم، وهو محلل في شؤون أمن الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قال: “إذا أراد الأتراك أن يفعلوا أي شيء في شمال شرق سورية في مرحلة لاحقة، فسوف يحتاجون إلى حسن النيّات الروسية. لا يتعلق الأمر فقط بإدلب، وهذا هو الجزء الصعب”.

ولأن روسيا تذمرت مرارًا وتكرارًا في الأشهر الأخيرة، فإن تركيا لم تنجح في إخماد المتطرفين في إدلب. تخضع المحافظة الآن إلى حد كبير لسيطرة هيئة تحرير الشام، وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة تغلبت على جماعات مسلحة أخرى هناك خلال فصل الشتاء.

من المحتمل أن تؤدي محاولة استعادة محافظة إدلب من قوات المعارضة، إلى تفاقم صعوبات الحياة هناك، حيث يفر الأشخاص دون أي مكان آمن. عارف وتد/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

كما في الماضي، فقد سمح المزيج من المتطرفين والمتمردين الأكثر اعتدالًا للحكومة السورية وحلفائها بالقول إنهم يحاربون الإرهابيين الذين يهاجمون المناطق الحكومية، حيث تعدّ الحكومة جميع خصومها إرهابيين.

ربما بسبب دور تركيا الضعيف، ردّت في البداية بصمت على أعمال العنف الأخيرة.

يوم الأربعاء، دعا مولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي، إلى وقف الهجمات على منطقة إدلب. وكما ذكر مكتب الرئيس أردوغان، عن مكالمة هاتفية يوم الاثنين الماضي مع فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، أنه وصف الغارات على المدارس والمستشفيات بأنها أمور “لا يمكن تفسيرها”.

وقال السيد حُكيّم إن وقف إطلاق النار بين تركيا وروسيا قد أفاد الحكومة السورية بإبعاد تركيز العالم عن إدلب وتآكل تماسك المتمردين. وبدلًا من إطلاق العنان لهجوم شامل، من المرجح أن تدخل القوات الموالية للحكومة في إدلب وحماة تدريجيًا (باتباع سياسة القضم).

إضافة إلى مساعدة الأسد في استعادة السيطرة على الأراضي، فإن روسيا مهتمة بحماية قاعدتها الجوية في محافظة اللاذقية الساحلية القريبة، وفي تأمين طريقين سريعين في المنطقة من شأنهما أن يسمحا للتجارة بالتدفق عبر سورية على طول الطريق من تركيا إلى الخليج الفارسي. وهذا سيوفر للحكومة السورية دخلًا تحتاج إليه بشدة، كما قال السيد باراباندي.

يأتي القتال، بعد أن قال السيد بوتين هذا الشهر إن هجومًا شاملًا هو غير عملي في الوقت الحالي، كما أشار إلى المخاوف الإنسانية. لكن الوضع الإنساني في إدلب وحماة يتدهور يومًا بعد يوم.

يعتقد الدكتور عمر إبراهيم، وهو متطوع مصري في سورية مع الجمعية الطبية السورية الأميركية، بأنه كان يجري العمليات في قبو في حلب، التي حوصرت عام 2016، لكن الآن، ومع خروج المستشفيات في إدلب وحماة عن الخدمة بسبب القصف، يعالج الدكتور إبراهيم مرة أخرى المرضى تحت الأرض.

وقال إن الطابق السفلي للمشفى الذي يعمل فيه منذ أكثر من 10 أيام هو المركز الطبي الوحيد العامل في المنطقة. من بين المستشفيات التي تم ضربها، تلك التي أُعطيت إحداثياتها المحددة للحكومة السورية والجيش الروسي، على أمل صريح في تجنيبها الضربات الجوية. لم يعد هناك ثمة مشافٍ عاملة في شمال حماة الآن.

وقال الدكتور إبراهيم إنه إذا اضطر إلى الإخلاء، فهو غير متأكد مما سيفعله. وقال إنه ما لم يتمكن من الوصول إلى مشفى آخر يعمل في منطقة يسيطر عليها المتمردون، فإن خياراته ضئيلة: أن يصبح لاجئًا أو يعود إلى مصر، حيث يمكن محاكمته بسبب سفره إلى سورية للعمل مع المتمردين. وأضاف: “يتزايد الضغط على القطاع الطبي كل يوم. لا أعرف متى سيُطلب منا الإخلاء، إذا ظلّ الوضع سيئًا. كل شيء ممكن”.

مهند الشيخ، أحد سكان بلدة كفرنبل في إدلب، الذين تواصلنا معهم عبر الهاتف هذا الشهر، قال إنه شاهد المئات هناك وهم يفرون من دون أي هدف سوى الحصول على السلامة، أينما يأخذهم القدر. وأضاف إنه كان يفكر بنقل عائلته نحو الحدود التركية.

أثناء حديثه، انقطعت المكالمة مرارًا وتكرارًا، بسبب ضجيج الطائرات. لقد أصبح صوتها مألوفًا، كما قال، وذكر أن فايز، ابنه البالغ من العمر عامًا واحدًا، كلما سمع صوت طائرة حربية؛ صرخ: “بابا! بابا!”. أنهى السيد الشيخ حديثه: “اعذروني، عليّ الرحيل، فالضربات تقترب”.

اسم المقالة الأصلي Syrian Government Starts Campaign to Retake Last Opposition Stronghold of Idlib
الكاتب فيفيان يي وهويدا سعد،Vivian Yee and Hwaida Saad
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز،The New York Times، 20/5
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2019/05/20/world/middleeast/syria-retaking-idlib.html
عدد الكلمات 1244
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: سكان يتجمعون وسط الأنقاض والسيارات المتضررة في بلدة كفرنبل، سورية، في الجزء الذي يسيطر عليه المتمردون في محافظة إدلب، يوم الإثنين. عمر حاج قدور/ وكالة الصحافة الفرنسية -صور جيتي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق