تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

معركة الشمال: إعادة تموضع ضمن الهامش الأميركي

بدأت روسيا والنظام السوري حملة عسكرية واسعة النطاق وعنيفةً شمال سورية، في مناطق من إدلب وريف حماة الشمالي تسيطر عليها فصائل معارضة سورية مسلحة مقربة من تركيا، وسقط نتيجة هذه الحملة عشرات الضحايا من المدنيين، ودُمّرت مشافٍ ومدارس ومراكز حيوية. هدفت العملية إلى التقدم لطرد المعارضة من منطقة تضم نحو ثلاثة ملايين نازح، هربوا من مناطق سيطرة النظام، خلال السنوات الأخيرة.

خلال هذه الحملة العسكرية، كانت المشاركة الروسية كبيرة، وبخاصة استخدام سلاح الطيران الروسي في المعركة، وكذلك انضمت الميليشيات الإيرانية لتقاتل إلى جانب قوات النظام السوري.

بلغ عدد ضحايا الحملة التي بدأها النظام والروس، في نيسان/ أبريل الماضي (وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان) 327 شخصًا، بينهم 119 مدنيًا، معظمهم قُتلوا في الضربات الجوية الروسية وقصف قوات النظام، وقُتل 104 من عناصر قوات النظام السوري، ونزح من المنطقة، وفق مسؤولة أممية، 290 ألف نسمة، بسبب الأوضاع المأسوية في إدلب.

من يقاتل في تلك المنطقة هم فصائل المعارضة السورية المسلحة المقربة من تركيا والمنضوية تحت (الجبهة الوطنية للتحرير)، لكن يوجد في المنطقة نفسها نفوذ قوي لـ (هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة) التي لا ترتبط بعلاقات جيدة بالمعارضة السورية، وتمنعها من فرض النظام والانضباط في المنطقة.

كان المفاجئ أن مقاتلي (هيئة تحرير الشام) انسحبوا من دون قتال، من العديد من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها في ريف حماة، لمصلحة قوات النظام السوري، وسُلّمت تلك المناطق من دون مقاومة، كقلعة المضيق التي أخذتها “هيئة تحرير الشام” عنوةً من فصائل المعارضة المسلحة، مطلع العام الجاري، والآن سلّمتها إلى النظام السوري من دون قتال.

قالت المعارضة السورية إن هذا دليلٌ يُضاف إلى عشرات الدلائل الأخرى، على أن “جبهة النصرة” تقوم بالتنسيق مع النظام السوري في القضايا الاستراتيجية، وتفيده في كل المعارك الحاسمة، فيما تستمر هذه الجبهة المصنفة إرهابيةً في مقاتلة فصائل المعارضة السورية، وترفض التحالف معها بحلف استراتيجي معتدل.

إثر ذلك، التقى زعيم (هيئة تحرير الشام) أبو محمد الجولاني، بعدد من الناشطين في شمال سورية، وبرر لهم سبب انسحاب مقاتلي (الهيئة) من قلعة المضيق وغيرها في الشمال السوري من دون قتال، وقال إن تلك المناطق “خاصرة هشة استغلها النظام”، وإن “المدنيين في المنطقة منعوا مقاتلي جبهة النصرة من بناء التحصينات فيها”، ولهذا سقطت من دون قتال، ونفى وجود أي اتفاق مع الروس أو النظام.

بعد ذلك بيومين، ظهر الجولاني من جديد في فيديو مصور، وقال: “نتوجه إلى أي قادر على حمل السلاح، وأي قادر على أن يقوم بواجبه الجهادي، ليتوجه إلى ساحة المعركة”، وأضاف أن التصعيد الأخير “نتاجٌ لفشل المؤتمرات السياسية ومحاولة الخداع السياسي التي كان يُحضر لها للالتفاف على الثورة السورية، من أستانا إلى سوتشي”. وقال: إن هذه الحملة التي يشنها النظام والروس “أعلنت وفاة كل الاتفاقيات والمؤتمرات السابقة، ومن كان يرعاها أو يشارك فيها”، وعقّب أنها أظهرت أن “الاعتماد يكون على القوة العسكرية فقط”، وأن “من حق الثوار أن يقصفوا قاعدة حميميم التي تتسبب في قتل الشعب السوري”.

وسط تضارب الأنباء عن وجود اتفاق روسي – تركي على العمليات في الشمال السوري، وعدم فهم السوريين مصلحة تركيا في أن يُسيطر النظام على هذه المنطقة، على حساب الفصائل التي يدعمها الجانب التركي، قال المبعوث الأميركي إلى سورية والتحالف الدولي ضد (داعش) جيمس جيفري، حول الوضع الحالي في إدلب، والحملة العسكرية التي يشنها النظام والروس على المنطقة: “أبلغتنا روسيا بوضوح أن هذا الهجوم عمل محدود، وهو ردٌّ على قصف (هيئة تحرير الشام) المتكرر على قاعدة حميميم، حتى الآن العملية محدودة، لكنها قتلت مئة شخص، ودفعت عشرات آلاف النازحين، ويجب أن تتوقف”.

لكن الحملة لم تتوقف، ولم تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لمنع سقوط المزيد من المدنيين، كما لم يبدُ أنها ضغطت على الروس لتغيير سياسة الحل العسكري الحربي الذي تتبعه ضد أي منطقة تُسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، وباتت المعارضة السورية تشكّ في صدق كلام الولايات المتحدة وتقلّب موقفها.

في هذا السياق، أشار جيفري، في تصريحات صحفية، إلى أن ليس لدى بلاده “سياسة لتغيير النظام بالنسبة إلى الأسد”، لكنّه استطرد وقال إن واشنطن “لديها لغة القرار (2254) الذي جاء بقرار دولي وموافقة روسيا، يطلب تغييرات في الدستور وانتخابات برعاية الأمم المتحدة وتغييرات في الحكم”، وأضاف: “تريد الولايات المتحدة التغيير، ومتمسكون بالتغيير، وسياستنا القائمة على الضغط، ولن تتغير حتى تتصرف دولة سورية بطريقةٍ مختلفة مع شعبها وجوارها، هذه هي السياسة وليس تغيير شخص معين”.

هذا التصريح يوحي بأن الموقف الأميركي بدأ يتراخى تجاه الأسد ونظامه، لكنّ هذا التراخي لا يسير وفق خطة استراتيجية واضحة، فلا هو تأييد للنظام ولا معاداة له، وربما يُسعد هذا الموقف الروس، الذين يسعون بكل الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية، لحماية النظام السوري وإثباته وإعادة تأهيله دوليًا.

تبدو روسيا مستمرةً في مساعي فرض وجودها القوي في سورية، على الرغم من أنها تعلم جيدًا أن الكلام الأخير سيكون للأميركيين، وعلى الرغم من حالة التفاهم القائمة بين الروس والأميركيين، فإن مسألة شمال سورية تبقى عقدة، ويمكن أن تكون مدخلًا لخلاف الطرفين، على الرغم من الضوابط التي وضعتها الولايات المتحدة، وعلى التوازي فإن ما يجري سيضر بالتأكيد الجانب التركي، ويدفع إلى الاعتقاد بأن تركيا ستسعى لتمتين علاقتها بالولايات المتحدة لتغيير ميزان العملية.

من الواضح أن الولايات المتحدة ليست على عجلة من أمرها، لمعرفتها التامة بعدم قدرة الآخرين على تجاوز الخطوط الموضوعة لهم، وهي مستعدة للمماطلة أكثر، طالما أن ما يجري فيه خسارة لجميع الأطراف، روسيا وتركيا والنظام والمعارضة السورية، وطالما أن أحدًا لا يجرؤ على تغيير قواعد اللعبة.

يمكن فهم الموقف الأميركي شبه المتراخي حاليًا، بالنظر إلى الحملة الانتخابية الأميركية، وتأجيل القرارات الحاسمة إلى ما بعد هذه الانتخابات، الأمر الذي يعني استمرار ثبات مناطق النفوذ المحددة لكل الأطراف، الروس والإيرانيين والأتراك.

في ظل غياب الدور الأميركي الفاعل، وعدم وضوح وتحديد مناطق الانتشار بدقة كاملة، وعدم قدرة الولايات المتحدة على ضبط سلوك النظامين السوري والإيراني، قد تحاول روسيا استغلال هذه المرحلة القلقة لتعبث في الساحة السورية وتُظهر نفسها من جديد في مظهر القوة العظمى.

في المقابل، هناك تغيرات في السياسة التركية، قد تستدعي منها أن تكون أكثر براغماتية وانفتاحًا، وعوضًا عن الاصطفاف مع روسيا وإيران قسرًا، قد تلجأ إلى استعادة الأيام الهانئة مع الولايات المتحدة.

في ظل هذه التعقيدات، تبقى المعارضة السياسية السورية غائبة، وما زالت في حالة خمول لأسباب موضوعية وذاتية، ولا يرى فيها الشارع السوري المعارض إلا واجهةً للتغطية على توافقات القوى الدولية والإقليمية، وقد لا تحصل على دور إذا استمرت في مستوى الأداء نفسه.

من الواضح أن ما يجري في شمال سورية من عمليات عسكرية لن يُغيّر الوقائع كثيرًا، وسيندرج -بعد أن ينتهي- ضمن خانة إعادة التموضع واستعراض العضلات لكل القوى، وسيعود الجميع إلى طاولة المفاوضات العلنية والسرية، لتوازع النفوذ من جديد، وطبعًا ضمن ما يسمح به الهامش الأميركي، ريثما يحين موعد عودة “جميع الأبناء الضالين” إلى جنيف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق