سلايدرقضايا المجتمع

سيستان وبلوشستان في إيران… عين على الكارثة

ذات يوم، تحدث أحد أهالي منطقة سيستان وبلوشستان، إلى أحد سائقي تكاسي الأجرة في العاصمة طهران، بكلمات مثيرة للتساؤل والدهشة قائلًا: “نحن -أهالي منطقة سيستان وبلوشستان- لا نعترض على أوضاع معيشتنا المزرية، لأننا لا نشعر بأننا جزء من هذه البلاد أصلًا”.

وفي الحقيقة إن هذه الكلمات تخفي وراءها كثيرًا من المعاناة والألم، والأهم من ذلك أنها تخفي مدى اليأس الذي وصل إليه أهالي هذه المنطقة المنكوبة؛ حيث إن الحكومة الطائفية في طهران عمدت بشكل منهجي إلى إبقاء أهالي هذه المنطقة، التي يشكل أهل السنّة أكثريةً فيها، غارقين في الفقر والحرمان والجهل لسنوات عديدة.

وبالنظر إلى وضع بعض المناطق الأخرى، كمناطق كردستان وخوزستان، التي يشكل أهل السنة فيها أغلبية أيضًا، وتعاني المشاكل نفسها في منطقة سيستان وبلوشستان؛ نجد أن سياسة التفقير ونشر الجهل سياسة تم التوافق على إعمالها في تلك المناطق، منذ انتصار ثورة الخميني في إيران.

فالفقر والحرمان منتشران في العديد من مناطق إيران، ومن بينها خوزستان وكهكيلوية وخراسان وكردستان وأماكن أخرى، ولكن الفقر والحرمان في منطقة سيستان وبلوشستان يأخذان شكلًا كارثيًا يصعب تصديقه.

ومن أجل إجراء عملية قياس صحيحة لهذا الموضوع، يكفي فقط أن نلقي نظرةً على وضع الأهالي الذين يقيمون في تلك الزاوية الجنوبية الشرقية من إيران، من خلال عرض بعض الإحصائيات الرسمية.

حقائق صادمة

وفقا للإحصائيات الرسمية، تُعدّ منطقة سيستان وبلوشستان أفقر منطقة في كل إيران، فمتوسط معدل الادخار في إيران عام 2017، كان 8 مليون تومان لكل فرد، أما في منطقة سيستان وبلوشستان فمتوسط معدل الادخار كان 3 ملايين تومان لكل ثلاثة أفراد.

كما أن خُمس أطفال هذه المنطقة متسربون من التعليم، وأغلبهم لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس بسبب الفقر، وانعدام الإمكانات التعليمية. أضف إلى ذلك أن متوسط بعد المدارس عن قرى منطقة سيستان وبلوشستان 30 كيلومترًا، أي أن تلميذ هذه المنطقة مجبور على المسير حوالي 60 كيلومترًا كل يوم ذهابًا وإيابًا ليصل لمدرسته.

وحميد رضا بشنغ، عضو برلماني سابق عن مدينة خاش يقول: أن 70 بالمئة من أهالي هذه المنطقة يرزحون تحت خط “الفقر المطلق”، كما أن 70 بالمئة، من أهالي هذه المنطقة أيضًا لا يتمتعون بالتأمين التقاعدي.

ومعدل دخل هذه المنطقة “أقل من 1 بالمئة” من الناتج القومي الإجمالي في إيران، وثلثا أهالي هذه المنطقة لا يمتلكون مياهًا صالحة للشرب، إضافة إلى أن هذه المنطقة تمتلك أقل حظوظ من المشاركة في الشؤون السياسية والاقتصادية للبلاد، من جميع المحافظات الإيرانية.

عليم يار محمدي، عضو برلماني عن مدينة زاهدان، يقول أيضًا: إن 75 بالمئة من السيستانيين والبلوشيين لا يملكون أمنًا غذائيًا.

ومع وجود مثل هذه الظروف المزرية، يمكن للقارئ فهم مدى الصعوبات التي يواجهها أهالي المنطقة في حياتهم اليومية، أضف إلى ذلك أن معدل البطالة في هذه المحافظة تجاوز 39 بالمئة، وذلك وفقًا لما قاله علي أصغر ميرشكاري، نائب محافظ سيستان وبلوشستان للشؤون الأمنية،

وهذا الأمر أجبر أغلب أهالي المنطقة على العمل بتهريب المحروقات، العمل الذي يعد عملًا خطرًا ولعبًا مع الموت، بسبب استهدافهم من قبل قوات الحرس الثوري، بالرصاص الحي بشكل مباشر.

والمثير للحزن أكثر أن أغلب أطفال منطقة سيستان وبلوشستان يتمنون أن يصبحوا مهربي محروقات في المستقبل، وذلك وفق تقرير نشرته قناة (إنترناشيونال) الناطقة باللغة الفارسية.

أما البعض الآخر، فيضطر إلى العمل بالصيد، وبسبب انخفاض الموارد البحرية يضطرون إلى الإبحار عميقًا داخل البحار، حيث ينتظرهم خطر قراصنة البحار هناك، وإلى الآن ما زال 14 صيادًا إيرانيًا أسرى لدي قراصنة البحر الصوماليين، بعد مرور أربع سنوات على اختطافهم، والحكومة الإيرانية لم تكن مستعدةً لدفع المال للقراصنة من أجل تحريرهم، ولم تدخل في مفاوضات مع القراصنة لتحريرهم، حتى توفي أكثر من ثمانية صيادين منهم، بسبب قلة الماء والطعام، ولا توجد أخبار عن بقية الصيادين حتى الآن.

والأمر الأكثر خطورة، هو أن عدد الأفراد الذين لا يحملون هوية شخصية في هذه المنطقة كبير جدًا، فبعض البرلمانيين الإيرانيين يقدرونهم بـ 100 ألف شخص، وفي الحقيقة فإن عدد هؤلاء أكبر بكثير من هذا الرقم، وهؤلاء الأشخاص لا يتمتعون بأقل الحقوق الأساسية، التي يتمتع بها أي مواطن إيراني عادي.

وفي الوقت الحالي، تواجه أغلب مناطق هذه المنطقة ظاهرة الجفاف، كما أن ميزان تلوث الهواء فيها وصل إلى مئة ضعف الحد المسموح به، بسبب الغبار والأتربة التي تسبب بها الجفاف الذي ضرب أغلب أجزاء هذه المنطقة.

وهناك الآن أكثر من 500 قرية تابعة لهذه المنطقة تتجه نحو الدمار، والأهالي يقومون بترك قراهم وضيعهم بسبب الفقر والبطالة والجفاف، ودعونا لا ننسى أن أكثر من 52 بالمئة من أهالي هذه المنطقة هم من سكان القرى، أي أن هذه المنطقة -بسبب الظروف والإحصائيات التي ذكرناها سابقا- تواجه كارثة وأزمة مدمرة.

ماذا فعل الملالي لتحسين أوضاع المنطقة؟

إن قراءة جميع تلك الإحصائيات أمرٌ مؤلم جدًا بقدر صعوبة كتابتها، بل إن كتابة وقراءة كل هذه الإحصائيات كان أمرًا مرهقًا.

ولكن كما ترون، فإن جميع هذه الإحصائيات كانت إحصائيات رسمية، وخرجت على ألسنة مسؤولي النظام، أي أن الساسة وأصحاب القرار في نظام الملالي على اطلاع تام بما يحدث في تلك المنطقة المنكوبة، ولكن دعونا نلقي نظرة على ما فعله الملالي لتحسين أوضاع المنطقة.

بعد مرور أربعين عامًا على انتصار ثورة الخميني، كانت أكبر إنجازات حكومة الملا روحاني، هي إيصال مادة الغاز إلى مدينة زاهدان التابعة لمنطقة سيستان وبلوشستان، وبالفعل وصلت مادة الغاز إلى هذه المدينة، ولكن الغاز لم يصل إلى جميع المناطق فيها، فقبل مدةٍ فقدت أربع تلميذات من مدينة زاهدان الحياة، بسبب اشتعال مصباح زيت في أحد صفوف مدرستهن.

والقسم الأكبر من مدارس هذه المنطقة مدارس بُنيت من طوب الطين، ومحمد تقي نظربور، رئيس منظمة تجديد وتطوير وتجهيز المدارس في إيران، يعتقد أن لا نية حاليًا لدى حكومة الملا روحاني لإلغاء مدارس الطين، لأنها “تتناسب مع مناخ المنطقة الصحراوي”!.

ومن جانب آخر، نرى أن الميزانية التعليمية في منطقة سيستان وبلوشستان قد انخفضت، في حين كانت هناك زيادة في ميزانية قوات الحرس الثوري عام 2017.

بينما عزا ممثل مدينة “سراوان”، وعضو لجنة التعليم والأبحاث في البرلمان الإيراني، المشاكل التعليمية في منطقة سيستان وبلوشستان، إلى نقص عمليات التجهيز والبناء، قائلًا: إنه “تم خفض الميزانية المخصصة لتحسين وضع التعليم في تلك المناطق”.

في حين، يقول نائب رئيس إدارة التطوير والدعم في وزارة التربية والتعليم: إن الميزانية المخصصة لتطوير التعليم في إيران عام 2018 “ازدادت بنسبة 10 بالمئة عن العام الماضي 2017”.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا انخفضت الميزانية التعليمية في منطقة بلوشستان بشكل متعمد، على الرغم من ارتفاع الميزانية العسكرية لقوات الحرس الثوري بنسبة 42 بالمئة في عام 2017، وأيضًا مع ارتفاع الميزانية المخصصة للتعليم في كلِ البلاد، مع العلم أن منطقة بلوشستان هي المنطقة الأكثر حرمانًا في البلاد، وفق العديد من مؤشراتِ التنمية البشرية والاقتصادية، وبخاصة التعليمية؛ فهي تمتلك أكثر من 120 ألف طفل مُتخلِف عن التعليم.

في حقيقة الأمر، لا توجد تقريبًا أي مساعي جدية من قبل حكومة روحاني، لتحسين وضع قرى هذه المنطقة، فتعداد المشافي والمراكز الصحية في هذه المحافظة أقل بكثير من باقي محافظات إيران، كذلك لا يوجد أي أمل لبناء مصانع ومعامل تستطيع خلق فرص عمل لأبناء المنطقة هناك.

خلاصة القول

لا يمكنك أن تجد تفاوتًا أو اختلافًا في التوجهات السياسية للحكومات الإيرانية المتعاقبة، في ما يتعلق بمواجهة مشكلات هذه المنطقة المنكوبة، لا من طرف الإصلاحيين ولا من طرف الأصوليين، على مدى العقود الماضية، وكأن الفقر والحرمان والجهل في منطقة سيستان وبلوشستان، قد أصبح موضوعًا عاديًا بالنسبة إلى تلك الحكومات المتعاقبة، وكأنه لا توجد حاجة إلى بذل مساعي حثيثة لتحسين أوضاع هذه المنطقة.

وعلى ما يبدو فإن هذه الحكومات كانت تسعى لجعل قضية تفقير المنطقة أمرًا عاديًا وغير مستغربٍ أمام الإعلام، فلقد ذكر الصحفيون، مرارًا وتكرارا في تقاريرهم، أن أهالي هذه المنطقة ليس لديهم توقعات كبيرةٌ من الحكومة، ونسوا تمامًا أن الحكومة مسؤولة عن تلبية احتياجاتهم الأساسية. وعملية التفقير المنهجية هذه، وتمييع قضيتها، سلبت الناس حتى فرصة الاحتجاج عليها.

وكل ما ذكرنا أعلاه، من إحصائيات حكومية رسمية، يشير إلى معدل استهزاء حكومة الملالي بأرواح وأموال وحياة سكان منطقة سيستان وبلوشستان، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون ناجمًا عن نقص الإمكانات وتقصير الحكومات المتعاقبة فقط، بل هو سياسةٌ متعمدة تم التوافق على تطبيقها في هذه المنطقة، منذ انتصار ثورة الخميني في إيران.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق