كلمة جيرون

نشدّ على أياديهم

فيما تُركّز وسائل الإعلام السورية والإقليمية والدولية على ما يجري في شمال سورية من مآس، وتسلط الضوء على الحرب التي تشنها روسيا والنظام السوري على إدلب وحماة وريفيهما، وتحاول أن تُشرّح الحالة وتدرس مصالح الفرقاء وحجم الاتفاق والاختلاف بينها، في هذه البقعة من سورية، وتبحث عن وسائل تمنع المزيد من الكوارث بحق السوريين، في المناطق الأخيرة التي لجؤوا إليها هربًا من النظام وروسيا وجحيمهما، يعمل سوريون في الظل، بهدوء وصمت، لمحاسبة مجرمي النظام السوري في مختلف بقاء العالم، محاولين أن يؤكدوا للجميع أن كل قاتل لا بد أن ينال عقابه، وأن جرائم النظام لا تموت بالتقادم، مهما حقق من “انتصارات” عسكرية بمساعدة حلفائه.

الجهود التي يقوم بها ثلّة من المنظمات والمؤسسات القانونية السورية، لا تقل أهمية عمّا تقوم به المعارضة السياسية السورية مجتمعة، خاصة أن هذه الجهات تعمل وتحقق نتائج على المستوى الأوروبي، في فرنسا وألمانيا والسويد وغيرها من الدول الأوروبية، وقد نجحت غير مرّة في وضع ملفات المتهمين من كبار ضباط أمن النظام، ممن تلوثت أيديهم بدماء السوريين، في المحاكم الأوروبية، لتبدأ محاكماتهم على أمل أن تقتص منهم يد العدالة الدولية في وقت قريب.

أنور البني، ومازن درويش، وغيرهما كثر، يعملون بعيدًا من الأضواء، بضمائر حيّة أبت أن تتقاعس، وقد وضعوا هدفًا لا يحيدون عنه، وتسمّرت أعينهم على عتاة القتلة من رموز النظام السوري، وقرروا المضي حتى آخر مدى يمكن أن يسيروا إليه، وتعاطفوا مع الضحايا وأهاليهم، وتحالفوا مع كل صاحب خبرة قانونية، ورحّبوا بكل صاحب ضمير، ورفعوا قضايا على العشرات من الشخصيات رفيعة المستوى في أجهزة الأمن السورية، وأقنعوا بعض الأوروبيين بضرورة توحيد الصوت القضائي الأوروبي ضد الإفلات من العقاب، وبضرورة محاكمة المجرمين ضد الإنسانية، وعدم السماح لهم بأن يكونوا، بأي شكل وتحت أي عنوان، جزءًا من مستقبل سورية.

نجح هؤلاء قبل أيام في جعل السلطات القضائية السويدية تبدأ التحقيق رسميًا بدعاوى ضد 55 من قتلة النظام، وقبلها بأسابيع نجحوا في تحريك دعاوى في فرنسا وألمانيا والنمسا ودول أوروبية أخرى، بحق شخصي وحق عام، ضد شخوص من النظام السوري ارتكبوا جرائم حرب، وساهمت جهودهم وشهادات شهود أبطال، في إصدار مذكرات توقيف بحق شخصيات رئيسية في نظام الأسد، بتهمة التعذيب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

شكّلت جهود هؤلاء وبحثهم وتحليلهم القانوني أساس القضايا المرفوعة ضد رموز النظام السوري في تلك الدول، وبموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية؛ تمكنت السلطات الأوروبية من مقاضاة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الضحايا والجناة، وتمثّل حالات المدعى عليهم عينة عن نظام التعذيب في ظل النظام السوري.

ما قام به هؤلاء ملموس باليد، وله أهمية عالية للغاية، وهم يؤكدون، بعملهم وجهدهم، أن محاكمة المجرمين حقّ، وأن مسار العدالة قادم، ويضيئون شمعة في عالم مليء بالظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق