هموم ثقافية

الفلسفة والنقد الساخر

أنا لا أحب النقد الجاد ولا البشر مقطبي الوجوه، بل أحب النقد الساخر، وأفضل الوجه الضاحك، أو على الأقل المبتسم، على الوجه الجاد أو العابس، أثناء الحديث عن عيوب الناس وحسناتهم. أميل إلى خلط الجد بالهزل، وليس عندي مانع في مزج الكلام وتركه قابلًا للتأويل، متضمنًا الاحتمالين معًا، ليس لتسهيل هرب الناقد من المسؤولية، ولكن لتسهيل الهرب على المنقود، كي لا يضطر إلى خوض معارك دونكيشوتية مع الناقد العبوس، عن إمكانية الترويج لطبخة “الرز بالبصل!”.

في طفولتنا، كان الكبار يقولون محذرين: “لا تخلطوا الرز بالبصل”، ثم غدت طبخة الرز بالبصل مطلبًا جماهيريًا!

الناقد الصارم العبوس هو الذي يفتقد الليونة، ويغيب عن عقله إمكانية وجود احتمالات، في الحياة، أوسع من أحكامه الصارمة، كما أن الحكم القطعي الصارم يغلق الأبواب أمام “حركة التاريخ” التي تتغير باستمرار ويتغير الحكم نتيجة لتغيرها، ما قد يحوّل الصرامة والقطعية في شأن من الشؤون إلى مهزلة، ويفرغها من معانيها، دون أن تتمكن من أن تكون ساخرة.

في الحياة الإنسانية الكثير من الأمثلة على ما قلته، وما علينا إلا متابعة مواقف شخص ما، يتصف بالعبوس وإطلاق الاحكام القطعية الصارمة، في مواقف معينة، خلال عقد من الزمن، ثم يتخلى عنها، حتى نعرف حجم الأخطاء التي ارتكبها نتيجة لافتقار أحكامه إلى الليونة والنسبية.

حدثان مهمّان مرا أمام عيني وأنا أتابع هذا الأسبوع بعض صفحات التواصل الاجتماعي، وتحديدا (فيسبوك)، وعلى الرغم من البعد الكبير بين الحدثين فإنني وجدت أنهما ينتميان إلى نفس المدرسة والعقلية التي تعشق إطلاق الأحكام التي تحمل شفرات حادة لا تحتمل المزاح وإنما البتّ والقطع:

إحدى صفحات اللاجئين السوريين إلى أوروبا، يقول عنوانها الرئيس (أخلاقنا سرّ تميزنا). حاولت أن أعرف معنى الأخلاق التي “تميزنا” فلم أعثر على ما يشفي الغليل، فاكتفيت بالوقوف على الأطلال، تلك الاطلال التي تقول إن بعض السوريين أرسلوا أطفالهم عبر البحر إلى أوروبا، مع أقرباء أو أصدقاء، طمعًا بلم الشمل فيما بعد، بمعنى أنهم قامروا بمصير أطفالهم من أجل الوصول إلى أرض “الأخلاق السيئة”، وما إن أصبحوا لاجئين يحصدون المساعدات المالية والبيوت والعناية الصحية، حتى اكتشفوا أن (أخلاقنا سرّ تميزنا). إنها ببساطة خلاصة أخلاق المدرسة الأسدية.

قبل سنوات، كنت في نقاش مع أحد المؤيدين، حتى الموت، لحافظ الاسد، وكان مدرسًا للفلسفة قبل هجرته، قلت له: إن السياسات المائية للنظام السوري ستدمر الاحتياطي المائي في سورية، وتزيد من نسبة التصحر وسرعته. قال: كيف؟ قلت له: هل تذكر كم كان عدد الآبار الارتوازية في منطقتكم (شرق حمص) قبل 20 سنة مثلًا، وكم هو عددها الآن؟ قال: كان عددها في القرية اثنين أو ثلاثة لا أذكر، الآن بفضل سيادة الرئيس وسياسته الحكيمة، كل فلاح عنده بئر ماء أو أكثر. قلت له: ولكن المياه نقصت كثيرًا، وأصبح على الفلاح أن يحفر مئات الأمتار حتى يصل إلى المياه الجوفية، التي تتناقص كميتها كل عام إلى أن تجف قريبًا، ما سيؤدي إلى كارثة. نظر إليّ غير مصدق وقال: قصدك أن المياه الجوفية ستنتهي؟ هل من المعقول أنك لا تعرف أن هناك أقنية مائية، تحت الأرض، تأتي من البحر إلى هذه الآبار مباشرة؟؟؟؟

توقفت يومها عن متابعة النقاش مع مدرس الفلسفة الذي تخرج في الجامعات البعثية، وتذكرت القصة الآن، وأنا أقرأ عن دكتور الفلسفة الذي عاش ودرس وعمل كل حياته في مدارس وجامعات الأسد، ثم أكتشف فجأة، قبل أن يكتشف عيوب الرئيس الأبدي ومجازره، عيوب أحد زملائه، ولكن بعد أن ترك سورية، وبعد نصف ساعة من موت زميله، فأطلق حكمه القطعي على الرجل وعلى فكره وإنتاجه، قائلًا: “لم أعجب بأية صفة من صفاته، ولَم أرض عن أي سلوك من سلوكاته، ولَم أستحسن أيًا من مؤلفاته”.

وأنتظر الآن بكل ود أن يصلني السؤال التعجبي الذي وصلني من أستاذ الفلسفة: “هل من المعقول أنك لا تعرف أن هناك أقنية مائية، تحت الأرض، تأتي من البحر إلى هذه الآبار مباشرة”؟؟

ألا يستحق كل ما تقدم أن أكون من أنصار النقد الساخر!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق