هموم ثقافية

في الثقافة والأدب والعولمة   

يقترب مفهوم الثقافة، بمعناه الإثنوغرافي الأوسع، من مفهوم الحضارة، لاشتماله على المعرفة والمعتقدات والفنون والتاريخ والقوانين والعادات والتراث والفلكلور وكثيرٍ من الملكات الأخرى التي يكتسبها الإنسان عبر حياته، والمثقف هو من ينهل من أطراف هذه العلوم وأساسيات تلك المعارف ما يكفيه لفهم النقاشات الثقافية وتأويل أبعادها ودلالاتها في أبوابها المتعددة، دون تسوّد المنبر للخطابة بالناس في أحد أبوابها؛ إذ يمتنع المثقف الحصيف عن اعتلاء أي منبر، ما لم يكن متخصصًا في مجاله أو متشبعًا من علوم هذا المنبر الذي صعده أو ذاك العلم أو الفن الذي راح يحاضر فيه.

والثقافة -بهذا المعنى- قريبة من مفهوم الأدب والتأدب، بمعناه الشمولي المشرق في عصور ازدهاره؛ كالعصر العباسي عند العرب، على سبيل المثال، أما الثقافة والأدب العالميان عمومًا، والعربيان على وجه الخصوص، فقد اختلط فيهما الحابل بالنابل في كثير من الأحيان، وكذلك الأمر مع لقبي المثقف والأديب؛ فقد أُطلقا جُزافًا على كثير ممن لا يستحقون أحد هذه الألقاب، فتارة نقرأ لهذا الكاتب نصًا تحت عنوان قصيدة في هذه الجريدة أو ذاك الموقع الإلكتروني، مع أن النص ليس له علاقة لا بالشعر ولا بالقصيد، لا من قريب ولا من بعيد، وتطالعنا دور النشر تارات أخرى بعدد كبير من الروايات والمجاميع القصصية، لا تشبه القصص، ولا الحكايات أو الروايات، لا في شكلها ولا في مضمونها، ومع ذلك تجد، من بين كتّاب هذا النوع الرديء في الكتابة، مَن يعتلي بعض المنابر الثقافية، ويحاضر في الأمسيات الأدبية، ويُعبِّر عن ثقته في الحصول على أعرق الجوائز الأدبية! والمؤسف في هذا المقام تداخل النقدي في الاجتماعي حين يتماهى معه بعض النقاد، ويجامله آخرون من أدعياء النقد؛ فتُنشر عن بعض هذه الأعمال الرديئة دراسة أدبية في هذا الموقع، وأخرى فنية جمالية في تلك الصحيفة أو المجلة؛ ليغدو الكَم في الدراسات والتعليقات والإعجابات والمجاملات مقياسًا جماليا يُعتد به في بعض المحافل.

وكذلك تتشابه الثقافة مع علوم الكيمياء والسيمياء والفيزياء؛ فلكل كاتب مرموق كيمياؤه أو سيمياؤه أو خلطته أو طابعه الأدبي، الذي يميز نصه من سواه؛ فلو قرأت نصًا أو فقرة من دون وجود اسم كاتبها عليها؛ فستشعر بأن فيها شيئًا من كوميديا شكسبير السوداء أو بعض من سخرية سرفانتس أو أن شيئًا من استشراف الماغوط يضوع منها؛ ولعلك ستجد في سيمياء هذه الفقرة المقروءة تمازجًا لذيذًا، بين الإنساني والسياسي والتاريخي والاجتماعي والكوميدي والتراجيدي… لتشعر بلذة الأدب وأنت تتفاعل مع هذه الخيوط الدلالية المتشابكة والمتفاعلة في فقرة صغيرة من فقرات نصك الذي شرعت في قراءته، وربما ستستنتج أن الثقافة والأدب مثل الفيزياء تمامًا تؤثر نصوصهما العظيمة في النصوص الصغيرة الأخرى، ما دام الأدب ينمو في شكله الطبيعي الجميل، من دون أن تتدخل أسمدة الواسطات الكيمياوية وهرمونات التدجين والمناصب السياسية في سيرورة الحراك الثقافي؛ لتحرفه عن نموه الطبيعي، وتؤثر -سلبًا- في القيم الإنسانية والمواعظ الأخلاقية المرجوة من الأدب ونصوصه بوجه عام.

لقد أدركت العولمة وساستُها العالميون من ممولي الجوائز الثقافية الكبرى أو المشرفين عليها (بدءًا من جوائز “نوبل” و”كان” ونزولًا إلى الجوائز الأصغر فالأصغر) سيرورة النماذج الأدبية الكبرى الشامخة ودورها، من حيث التأثير في لاحقاتها من النصوص الجديدة؛ فاستعاضوا عنها بما هو دونها، ومن أجل السيطرة عليها استعانوا بسياسة دعم الكم الأدبي السطحي أو الساذج؛ ليجعلوه كبيرًا وإن كان غثًا لا قيمة له؛ ليحاربوا من خلاله النوع الأدبي الحر الأصيل أو النبيل؛ لأنهم أيقنوا -بجلاء- “أن التيار من ثقافة إلى أخرى، يمرّ من الثقافة الأكثر نموًا، إلى الثقافة الأكثر بدائية”؛ لذلك نرى كثيرًا من دور النشر التي تطبع الأعمال الأدبية من دون مقابل، وبعضها يعطي مكافأة لصاحب العمل الأدبي، مع أن كثيرًا من هذه الدور أو منظمات الترجمة تضع الأعمال المطبوعة في مستودعات؛ ليأكلها الغبار، دون أن تشارك بها في معارض الكتب، ومن دون أن يعلم القراء أو المبدعون مصادر تمويل هذه الدور أو هوية رُعاتها أو داعميها، وكأن غاية هذه الدور أو غاية القائمين عليها محاربة بعض الكتاب المبدعين، ومجاملة بعض أدعياء الكتابة أو مرتزقتها؛ لتضعهم جميعًا في خانة واحدة؛ فيضيع الحابل في النابل، ويختلط الغث بالثمين مع تكاثر أمثال هذه المنظمات وتلك الدور، وربما يكون هدف بعضها -عن قصد أو دون قصد- تحويل الأدب الإنساني النبيل إلى تجارة ربحية أو وسيلة للحصول على تأشيرات السياحة والسفر، للتنقل بين البلدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق