مقالات الرأي

العَطَب في “عَطَب الذات”

بشيء من اللهفة، انتظرت صدور كتاب الدكتور برهان غليون الجديد (عطَب الذات – وقائع ثورة لم تكتمل) الذي تناول فيه، بالبيان والشرح والتحليل المعمق، وقائع تجربته مع الثورة السورية، مع كل ما رافقها وأحاط بها وأثر فيها من عوامل وظروف، داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية.. وقدّم فيه شهادة نقدية مباشرة وجريئة بشخصيات وقوى سياسية وثورية وعسكرية وإسلامية (معارضة) لعبت دورًا مؤثرًا في مراحل الثورة..

أما اللهفة في انتظار الكتاب فلأكثر من سبب، منها لأنه الكتاب الأول الذي يصدر عن معارض سوري كان في صلب المشهد طوال الوقت، ومن أبرز قادة المشهد في واحدة من أكثر مرحل الثورة أهمية وحساسية. ومنها لأنه (الكتاب) توثيق مهم وضروري لهذه المرحلة المفصلية الفارقة في تاريخ البلاد، من شخص موثوق عاش المرحلة بكل تفاصيلها وأسرارها. ومنها، وهذا هو الأهم بالنسبة إلي، اعتقادي أن الكتاب، في حال تناوله الوافي لدور العامل الذاتي في ما وصلنا إليه (وكنت أشك في ذلك) سيجُرُّ شخصيات وقوى المعارضة والثورة إلى استحقاق جديد، ضروري ومهم، طالما تحاشوه، هو استحقاق المكاشفة والمصارحة ونبش المستور وبسط الحقائق أمام الناس.. استحقاق تقديم كشوف الحساب عن أدوارهم وأفعالهم خلال الثورة.. وتكمن أهمية هذا الاستحقاق -من وجهة نظري- في أمرين: أولهما أنه سيساهم في تعميق وتصويب فهمنا ومعرفتنا بهذه المرحلة المكثفة والمعقدة من تاريخنا، بأحداثها وشخوصها… وثانيهما أنه يشكل المدخل الرئيس والوحيد أمام السوريين لإعادة تقييم شخصيات وقوى المعارضة، من تصدر المشهد منها بشكل خاص، واكتشاف من يمكن إعادة تدويره منها، ومن يجب إسقاطه إلى غير رجعة، ومن تجب محاسبته. وسأوضح هذه الفكرة في الأسطر القادمة.

على الرغم من مأخذي الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال، فإنني وجدت في الكتاب عملًا مهمًا واستثنائيًا، وقيمة مضافة عالية، لغزارة المعلومات والتفاصيل التي يعرضها، ولإحاطته بكل جوانب وأبعاد المرحلة، وبكل الفاعلين فيها، ولتحليلاته العميقة للأحداث والمواقف، وبشكل خاص، لتناوله القوي والجريء لدور العامل الذاتي، ومقدار مسؤوليته عما وصلنا إليه من نتائج مؤسفة.

تناول العامل الذاتي بهذا التفصيل والوضوح والجرأة، وتحميله ما يستحق من مسؤولية، إضافة إلى أنه أعجبني لما ذُكر أعلاه، أدهشني وأحبطني بنفس الوقت.

أدهشني لأن من فعلها هو برهان غليون، الذي طالما حمَّل العامل الخارجي جُلَّ المسؤولية عما سارت عليه الأمور وما انتهت إليه، حتى كان يخال لسامعيه أنه ما كان لدورنا، كسوريين، مهما كان، أن يصنع فرقًا مؤثرًا في مسار الأحداث ومآلاتها، وأن القوى الخارجية هي التي تقرر وتسيِّر كل شيء. لكنه في كتابه قال شيئًا آخر، أقرب للحقيقة والعدالة، هو أنه كان من شأن نخبة سياسية وطنية مترفِّعة واعية ومسؤولة أن تصنع فرقًا بدون شك، لو عملت بطريقة مختلفة، خاصة في مراحل الثورة الأولى، حيث كانت التدخلات الخارجية ضعيفة وخجولة، والجميع يراقب تطور الأمور لتحديد خياراته.

وأحبطني لأنه نأى بنفسه عن تناول ذاته الخاص بالنقد اللازم، واكتفى بنقد دور العامل الذاتي الجمعي، أو العام، أي محصلة أداء المعارضة ككل، علمًا بأنه لم يقصر في تناول العامل الذاتي الخاص لأفراد وقوى أخرى بعينها.. وهو ما اعتبرته عَطَبًا رئيسًا في هذا الكتاب القيِّم والمهم، وهو ما دفعني إلى كتابة هذه الأسطر.

أما لماذا أراه عَطَبًا، فلأنه أولًا ينال من مصداقية الكاتب والكتاب، حيث سيشعر القارئ مبكرًا أن الغرض الرئيس للكاتب من كتابه لم يكن سوى تبرئة نفسه من هذا المسار البائس لقوى الثورة والمعارضة، المتخم بالأخطاء والخطايا من كل حجم ونوع. وهذا الشعور السلبي الذي يتلقاه القارئ سيجرح مصداقية الكاتب ومصداقية كل ما جاء في كتابه، بينما كان من شأن اعتراف شفاف صادق بالمسؤولية أن يعلي من شأن الكاتب لدى الناس، ويضفي مزيدًا من المصداقية على محتوى كتابه..

ولأنه ثانيًا قد يُفسد مسار المكاشفة والاعتراف والتفسير والتبرير الذي قد يطلقه هذا الكتاب على ما كنت أتوقع وأتمنى، ويأخذه باتجاه المهاترات والحروب الكلامية والقصف والطعن المُتبادل، إذ إنه يعطي الآخرين، خاصة من نال منهم الكتاب بشكل مباشر، الفرصة والذريعة للتحلل من النقد والمواجهة المسؤولة، واللجوء إلى الرد الانتقامي، والكيل بنفس المكيال. ولا شك في أنهم سيقولون، لكن بطريقتهم، ما كان يجدر بالكاتب أن يسبقهم إلى قوله، بطريقته، فيمنع عنهم هذه الفرصة، ويقطع عليهم هذا الطريق.

ولأنه ثالثًا ضيّع على نفسه، وعلى السوريين، فرصة إعادة الاعتبار له أمام الناس، كرمز وطني كبير. فرصة العودة بقوة إلى ضمائر الناس واستعادة ثقتهم المهزوزة به (ولا أقول المفقودة)، تمهيدًا لاضطلاعه بأدوار قادمة تحتاج إليها البلاد. وهذا لا يكون من دون تبرئة الذمة أمام الناس عن الفترة الماضية.

قد يحاجج غليون وغيره في أنه لم يرتكب من الأخطاء ما يستحق الاعتراف والاعتذار، ويأخذون عليَّ افتراضي المسبق بوجود مثل هذه الأخطاء. وأردّ سلفًا أنه يستحيل على من كان بموقع غليون ولعب دوره أن لا يتحمل قسطًا من المسؤولية عن أداء رديء بائس ساهم في إيصال الثورة إلى هذا القعر. ولا فرق في أن يكون الخطأ شخصيًا، أو مشتَركًا مع آخرين، أو صمتًا عن أخطاء آخرين… ولا فرق أن يكون الخطأ بفعل إيجابي مباشر، أو بنأي سلبي عند وجوب الفعل..

ثم إنني لا أفهم كل هذه الحساسية والوجل من الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، أمام شعب مكلوم مكسور الخاطر، طالما أن الأمر لا يتعدى مستوى الخطأ البشري الطبيعي، ولا يرقى إلى مستوى الخطأ الشائن كالعمالة أو الاختلاس.. فمن الطبيعي جدًا أن يرتكب بشري، مهما علا كعبه، الأخطاء في بيئة عمل بالغة التعقيد والصعوبة والقسوة والحساسية كالبيئة السورية في فترة الثورة، والجميع يتفهم ذلك. وما هو غير الطبيعي أن لا يرتكب الأخطاء، وما هو غير الطبيعي أيضًا أن لا يعترف بأخطائه، ولا يصارح الناس بها.

كان يمكن لبرهان غليون، المثقف الكبير وعالم الاجتماع المرموق، مضافًا إليه سمعته الطيبة كشخصية وطنية نظيفة الكف حية الضمير، مضافًا إليه هذه التجربة المكثفة الهائلة في العمل السياسي المباشر الاستثنائي بصعوبته على مدى ثماني سنوات، مضافًا إليه عملية اغتسال وتخفف مما لحق بتجربته من أدران وعوالق، عبر مكاشفة ومصارحة لائقة ومسؤولة تُحترم فيها معاناة الناس كما تُحترم فيها عقولهم، أن يصبح من أبرز رجال المرحلة الجديدة، مرحلة النهوض والتأسيس لسورية الحديثة، سورية التي تليق بطموحات أبنائها، وبما قدموه من أثمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق