مقالات الرأي

اللجوء والعنصرية

طَلبت مني جمعية فرنسية، تُعنى بمساعدة اللاجئين في مسار الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وربما لاحقًا السياسي، أن أحاور بعضًا من هؤلاء اللاجئين واللاجئات في جلسة غير رسمية، أي بعيدًا من أسلوب المحاضر الأستاذ أمام المستمع الطالب. طابت لي التجربة خصوصًا أنني أعِدّ دراسة أهتم من خلالها بمسألة اندماج اللاجئين والمهاجرين القادمين من المنطقة العربية في الحياة السياسية والمدنية. أي إمكانية تحول اللاجئ بعد مدة إلى عنصر فاعل مدنيًا على الأقل، من خلال مساهمته في نشاطات المجتمع المدني المتاحة بكثرة في بلد الاستضافة. كما يمكن ترقّب تطوّر هذا الانخراط المدني ليُصبح سياسيًا، إذا أُتيح للقادمين الجدد الحصول على حق المواطنة في هذا البلد، آجلًا أم عاجلًا. كما أن مسألة تنظّم اللاجئين في جمعيات مدنية في مختلف جوانب الحياة، والتي أتاحت لهم قوانين الدول المستضيفة تشكيلها، هي مسألة تشغل جانبًا من اهتماماتي البحثية أيضًا.

كان واضحًا منذ البداية أن اللاجئين الحاضرين والراغبين في النقاش، وهم من أصقاع مختلفة من العالم، قد وصلوا إلى مرحلة مناسبة من تعلّم اللغة تتيح لهم متابعة النقاش في أوضاعهم، كما في أوضاع البلد المستضيف. وقد حرصت بداية على أن أتعرّف إلى مسارات حيواتهم من دون الولوج في سبب انتقالهم إلى بلد اللجوء، لكيلا أحرّك مشاعر الحنين التي غالبًا ما هي مؤلمة. ومن خلال هذا التمرين الساعي لكسر حاجز الرهبة، اختار كل منهم طرح ما يعتقد بأنه مهمّ، في ما يتعلق بمسألة اللجوء وتعامل المجتمع الفرنسي معهم.

من خلال نقاش مفتوح، دام ساعتين وأكثر، مع قدرة البعض على الاستحواذ على وقت الآخرين لرغبة في الكلام المستفيض، سادت العدالة في تناول الكلام وقد تمحور أساسًا حول تعريف العنصرية وأفضل السبل للتخلّص منها أو تحييدها في سبيل إتاحة المجال أمام عملية اندماج طبيعية. فالعنصرية مرضٌ موجود لدى الإنسان الذي تلقى تعليمًا أو تربية تساعد على تطوير هذا الجانب في شخصيته. ومن النادر، بل من المنفي حتمًا، أن تكون العنصرية موجودة لديه، قبل تعرّضه لأشعة المجتمع الملوّثة. أي أنه ليس عنصريًا بالفطرة، وعندما يكون طفلًا، فجميع حواجز العنصرية والعنصريين تبدو له كسخافات لديه القدرة الكاملة لتجاوزها. وقد سعيت لإخراج ما نالوه هم من تعاليم وتقاليد وأعراف عنصرية في بلدهم الأصلي إلى السطح، لكي أساعدهم في التعامل مع ما يعتقدون، عن حق أو عن سوء فهم، بأنه عنصرية يمكن أن يتعرضوا لها.

أحدهم، من المنطقة العربية، قال إنه تعرّض للعنصرية من قبل لاجئين آخرين، انتقدوه وأقصوه عن العلاقة معهم، بسبب عدم قبوله أن يكون منتميًا إلى الدين الذي يعتبرونه الأشرف. واعتبر بالتالي بأن العنصرية في أوساط بعض اللاجئين يمكن أن تكون أكثر قوة مما هي لدى أهالي البلد المستضيف. وهي يمكن أن تستند إلى معايير متنوعة، منها الاثني أو الديني أو المذهبي أو حتى الطبقي، وبالطبع الجندري. وفي استعراض لتجربة ثانية، تحدثت سيدة من شرق آسيا عن معاناتها، في أشهر وصولها الأولى، من عنصرية جارٍ فرنسي وصل به الأمر إلى أن رفع حائطًا يفصله عن فسحة دارها، وركّب عليه كاميرا مراقبة تحسّبًا من تصرفات يمكن لهذه “الأجنبية” أن تقوم بها.

الشاب الذي تعرّض للتمييز دينيًا، دان مَن مارس معه هذا التمييز، واعتبر أنه يجب أن تتم معاقبة هذا التصرف عبر قوانين معاداة التمييز الموجودة، بكثرة، في التشريع الفرنسي. أما السيدة الآسيوية، فقد أشارت إلى أنها سعت لفتح حوار مع جارها، وتعرضت للصد أكثر من مرة، ولكن مع إصرارها، فقد توصلا إلى علاقة صداقة وتفاهم، وهو يزورها الآن حتى بعد أن غيّرت سكنها لضرورة العمل.

العنصرية لا تحارب فقط بالقوانين، فمن الجائز أن يردع القانون والعقاب المرتبط به شخصًا عن الإفصاح عن موقفه المعادي للآخر أو المشكك فيه أو المنتقص من قدراته، إلا أن هذا الردع سيعطي نتائجه فقط في المجال العام، ويبقى فيروس العنصرية لدى صاحبه، وربما يتفاقم، نتيجة الحقد الناجم عن التعرّض للعقاب بسببه. أما الحوار ومواجهة الأفكار المسبقة ومناقشتها، مع السعي لعدم ممارسة عنصرية مماثلة لمجابهة عنصرية نشعر بتعرضنا لها، فهو الحل الأبعد مدى والأعمق أثرًا. وبالتالي، فهذا الحوار يجب أن يكون من أولى مهام العملية التربوية في أطرها الأهلية أو المؤسساتية. فالعنصرية تستند أساسًا إلى الجهل، أو التعليم المشوه، وما من عنصري يمكن له أن يستند إلى منطق علمي وثقافة إنسانية واسعة. وإن وجد، فهو يتخذ هذا الموقف لمصلحة انتخابية أو اقتصادية أو طبقية. إلخ. أما العنصري الجاهل فهو وقود الأحزاب المتطرفة، والسعي للحوار معه وتوضيح الأمور له، ربما ينجم عنه ثمار مشجعة ومفاجئة أحيانًا. بالمقابل، يمكن أن لا يؤدي هذا الحوار إلى أي نتيجة، ولكن لا يجوز تجاوز هذه المرحلة.

الزجر القانوني وتعزيز العملية التربوية هما ركيزتان أساسيتان، لمواجهة مرض العنصرية الذي يتفاقم بالاعتماد على عنصر الجهل، وتعززه بعض الحملات السياسية الشعبوية، كما تساهم وسائل التواصل الحديثة في إتاحة أبغض جوانبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق