أدب وفنون

رزان زيتونة الحضور والغياب

أكثر من شمس وأجمل من كل النجوم

“من المنطقي أن مسوغات تجاوز حسبان السيادة التي تُعتمد في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تنطبق على ما سواها من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، فالسيادة بمعنى السلطة المطلقة المفوّضة لفرد، أو مجموعة، لم تعد مقبولة في عصرنا الحالي، والسيادة لا تفوّض السلطة الحاكمة إهدار الحريات، وانتهاك الحقوق على مرأى من العالم كله. السيادة والحرية يجب ألا تتعارضا، وهما لا تتعارضان وفق جان جاك روسو، إلا بقدر ما يكون المجتمع المدني بأكمله، بعيدًا من المشاركة في السلطة السياسية، ما يعني عدم شرعية تلك السلطة أصلًا”.

هذا ما كتبته رزان زيتونة عام 2008، حول اعتقال نزار رستناوي التعسفي، في مقال لها ينتقد عجز منظومة حقوق الإنسان الدولية والمحلية عن توفير الحماية الفعلية لضحايا الانتهاكات، والمفارقة السوداء أن المحامية الجريئة التي لم تتردد يومًا في الدفاع عن حق السوريين بالحرية والكرامة، سوف تُختطف في اليوم العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2013، هي وفريق “مركز توثيق الانتهاكات” الذي أسسته في دوما المحررة آنذاك، وسوف يختفي أثر أربعة من أبرز الناشطين السلميين، وتبقى علامة الاستفهام عالقة في الفراغ حول هوية الفاعل ومصير المخطوفين، حتى بعد أن استعاد النظام سيطرته على كامل الغوطة الشرقية، لتكتب واحدة من أقسى التراجيديات في الثورة السورية.

كيف عاشت رزان، وما هو إسهامها في الدفاع عن المعتقلين والكتابة عن الانتهاكات؟ ما دورها في الحراك الثوري، ومكانتها على المستوى العالمي؟ وما هي ملابسات اختطافها مع زوجها وائل حمادة وسميرة الخليل وناظم حمادي؟ أسئلة يحاول أن يجيب عنها كتاب (رزان زيتونة الحضور والغياب) الصادر حديثًا عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة ودار ميسلون، من إعداد فادي كحلوس ومراجعة حسام السعد. يستهل الكتاب صفحاته بقصيدتين مهداتين لأيقونة الثورة، الأولى بقلم زميلها ناظم حمادي، والثانية كتبها ياسر خنجر، يتبع ذلك مقدمة وفصلان يتناولان نشاط رزان في الثورة ومن قبلها، ومقتطفات مسربة من التحقيقات التي أُجريت بشأن تهديدها واختطافها، ومقالات كُتبت عنها، ثم ثلاثة ملاحق تتضمن بيان عائلتها بخصوص اختطافها، والجوائز العالمية التي حصدتها، ومجموعة من مقالاتها المنشورة في العديد من الدوريات.

وُلدت رزان زيتونة في مدينة طرابلس الليبية، يوم التاسع والعشرين من نيسان/ إبريل 1977، وبعد قرابة عامين انتقلت مع عائلتها إلى المملكة العربية السعودية، بحكم عمل والدها، وعندما بلغت سنتها الثانية عشرة، عادت وأسرتها إلى سورية، وافتتح والدها مخزنًا لبيع الأدوات المنزلية في دمشق، وواصلت والدتها عملها في حقل التعليم، فيما أكملت رزان تعليمها، وحصلت على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 1999، ثم شرعت في مزاولة مهنة المحاماة منذ عام 2001، وأثبتت حضورها المهم، بوصفها ناشطة حقوقية مستقلة، وكاتبة جريئة، ومؤسسة لعدد من هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان، على الرغم من الاستدعاءات الأمنية المتكررة لها.

وحول نشاط رزان الحقوقي التأسيسي، جاء في مقدمة الكتاب أنها كانت: “عضوًا مؤسسًا في (جمعية حقوق الإنسان في سورية)، إضافة إلى تأسيسها (رابطة معلومات حقوق الإنسان في سورية)، ونشاطها في (لجنة دعم عائلات المعتقلين السياسيين السوريين)، واهتمامها بالمعتقلين السوريين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهي من مؤسسي (مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان). وكانت قد كتبت عددًا وافرًا من المقالات والتقارير الحقوقية والصحافية، وأخرى سياسية واجتماعية. وتعدّ رزان من أهم مؤسسي (لجان التنسيق المحلية)، فضلًا عن تأسيسها -منذ فجر الثورة- (مركز توثيق الانتهاكات) في سورية”.

مع نشاطها وإسهامها في الحراك الثوري، أصبحت رزان مطلوبة للأجهزة الأمنية، وتوارت عن الأنظار، ثم انتقلت إلى “دوما المحررة” أواخر نيسان/ إبريل 2013، واستأنفت عملها حتى ليلة اختطافها مع فريق توثيق الانتهاكات، ومنذ ذاك الحين لم تسفر التحقيقات في الجريمة عن أي معلومة حول مصيرهم، باستثناء شهادة مسجلة وموثقة للمدعوة زينب غزيل، في أثناء اعتقالها في سجن “التوبة” التابع لـ “جيش الإسلام”، تقول فيها: سمعتُ باسم رزان زيتونة، حيث كان وقت التحقيق معها، وفي ذلك الوقت، سمعت صوتها، فقد كانت غاضبة، ولا أعلم إن كان من أحضرها للتحقيق، والمحققون، قد أغضبوها، أو أنهم ضربوها، إذ إن رزان فقدت -بعد ذلك- وعيها في الممر، فنادوا علينا، كي ندخلها إلى مهجعنا، فأدخلناها، وحين بدأت تصحو، رأيناها، كانت عيناها خضراوين، وهي فتاة نحيلة وطويلة، ولم أرها إلا في تلك المرة. لقد اعتقلوني بتهمة التعامل مع الأمن، في الشهر التاسع من عام 2013، وخرجتُ من سجن “التوبة” في الشهر الرابع عام 2014.

بهذه البساطة، غابت أيقونة الثورة، على الرغم من كل المناشدات والكتابات التي تضامنت معها وطالبت بحقها في الحرية.

ويضم الكتاب اثنين وعشرين مقالًا، بقلم أهم المثقفين السوريين والعرب، كُتبت إثر جريمة الاختطاف، بعضهم من أصدقاء رزان ومعارفها الذين شاركوها العمل، مثل المحامي علي العبد الله، والطبيب جلال نوفل، ومنهم من تدرب على يدها مثل المحامية رزان غزاوي، وآخرون لم يعرفوها قط، لكنهم يكنون التقدير لسيرتها النبيلة في الدفاع عن الإنسان المقهور، مثل الكاتبة اللبنانية هدى بركات.

في مقاله (رزان ثورة في الأسر) يتناول المحامي علي العبد الله أوجه العمل العديدة التي ربطته برزان، منذ أن تعرف إليها عام 2002، إذ يقول: “أثناء تجمع قوى معارضة أمام محكمة (أمن الدولة العليا) في دمشق-السبع بحرات للتضامن مع معتقلي (ربيع دمشق)، (رياض الترك، رياض سيف، عارف دليلة، مأمون الحمصي، حبيب عيسى، وليد البني، كمال لبواني، فواز تللو، حسن سعدون، حبيب صالح)”، وصولًا إلى الجولة الاستطلاعية التي قام بها مع رزان وزوجها، وائل والحاج بدرخان تللو، ليوم كامل متنقلين بين القامشلي وعامودا، ثم القحطانية، فالجوادية، فالمالكية وعين ديوار، إثر الانتفاضة الكردية عام 2004، حيث التقوا بعشرات الأكراد وسجلوا شهادتهم، ثم أصدروا تقريرًا شاملًا معززًا بالصور وأقوال الشهود حول حقيقة ما حصل.

وتكتب آلاء عوض: “عشرة أعوام في العمل الحقوقي أثبتت -خلالها- زيتونة حضورها بقوة في نصرة المظلومين، بمن فيهم الإسلاميون، وشاركت في معظم الاعتصامات والتظاهرات، إبّان أحداث مخيم جنين وحرب العراق، وهناك اجتمعت بالناشط السياسي وائل حمادة، وتزوّجا. كانت قريبة من كل الجهات السياسية، لكنها لم تنتسب إلى أي حزب أو جماعة، وأعلنت عملها المستقلّ وتفرّغها لحقوق الإنسان”.

“الإنسان الذي هو كل الناس، وليس بعضهم ممن يشبهوننا، وهو غير المرئيين والمهمشين والمحتقرين أكثر من غيرهم. هذا ما عملت رزان لتحقيقه”. يكتب ياسين الحاج صالح.

أما ضحى الحسن، فتقول: “لم يتوقف عمل رزان على النشاط الحقوقي والتوثيقي، وتنسيق التظاهرات، والمشاركة فيها، والعمل في اللجان، وإنما كانت تزور -أيضًا- مقارّ الجيش السوري الحر، وتحاور عناصره، وتنظّم لهم ورشات مرتبطة بحقوق الأَسرى والقانون، وغيرها. أصرّت على أنّ من يحمل السلاح، عليه أن يعرف ما هي حقوقه وواجباته”.

صوت رزان زيتونة الجريء كان سفير المعتقلين والقتلى والمشردين في سورية إلى العالم الحر، وبإخلاصها ومثابرتها في الدفاع عن حقوق الإنسان، استحقت عدة جوائز عالمية، أولها “جائزة آنا بوليتكوفسكايا” في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ثم “جائزة ساخاروف لحرية الفكر” في السابع والعشرين من نفس العام، كذلك حصلت على “جائزة ابن رشد للفكر الحر” عام 2012، ونالت “الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة” في عام 2013، كما مُنحت بعد اختطافها جائزتان في عام 2014، الأولى كانت “الجائزة العالمية للريادة” من منظمة “الأصوات الحيوية”، والثانية “جائزة الدفاع عن حقوق الإنسان” مناصفةً مع (سميرة خليل، ووائل حمادة، وناظم الحمادي)، قدمتها “مؤسسة هنريش بول” الألمانية.

وبالرغم من احتفاء المنظمات الدولية بأيقونة الثورة، وتضامن الكثير من الكتاب العرب والأجانب معها، لكن القارئ لن يشعر فعليًا بحجم الخسارة التي أحدثها اختفاء رزان، إلا حين يصل إلى ملحق المقالات الموقعة باسمها في الكتاب، ويبدأ باستشفاف المشروع التنويري الذي كانت تعمل على بلورته بصمت. رزان لم تكتب مجرد تقارير حقوقية موثقة بالأرقام والشهادات، إنما كتبت نصوصًا مضيئة، بلغة واضحة تختزل قدرًا هائلًا من المظلوميات، وتحاول التأسيس لثقافة المواطنة على المستوى المعرفي العميق، يغنيها إلمامها الواسع بمختلف قضايا حقوق الإنسان، وحسها الأنثوي المرهف في اختيار الموضوعات الأكثر ملامسة للألم الانساني المشترك. رزان التي باغتنا وأوجعنا غيابها القسري، كانت ولا تزال أكثر من شمس دافئة في شتاءنا البارد، وأجمل من كل النجوم في ليلنا الطويل.

* كتاب: (رزان زيتونة الحضور والغياب) يقع في 294ص، إعداد فادي كحلوس، مراجعة حسام السعد، الناشر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة ودار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، إسطنبول، تركيا تشرين الأول/ اكتوبر 2018.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق